مقالات

بين أنقاض الماضي وضجيج الآخرين

كيف يضيّع الإنسان نفسه دون أن يشعر؟

هناك معركتان خفيتان تستنزفان الإنسان بصمت، الأولى حين يظل أسيرًا لما مضى، والثانية حين يجعل عينيه معلقتين بحياة الآخرين أكثر من حياته. وفي الحالتين تكون النتيجة واحدة: روح مرهقة، وعقل مشتت، وقلب فقد لذة السكينة. فبعض الناس يعيش عمره كله في إعادة عرض مشاهد قديمة انتهى وقتها، كأن الماضي شركة أغلقت أبوابها لكنه ما زال يراجع دفاتر حساباتها كل صباح! وآخرون يستهلكون أعمارهم في مراقبة الناس، ومقارنة أنفسهم بهم، وتحليل تصرفاتهم، حتى يكتشفوا متأخرين أنهم أهملوا أهم مشروع في الحياة وهو أنفسهم.

لقد تعلمت من الحياة أن الإنسان حين يبالغ في الانشغال بالماضي، فإنه لا يعيش الحاضر، ولا يصنع المستقبل. يظل يسأل نفسه: لماذا حدث هذا؟ ولماذا رحل فلان؟ ولماذا ضاعت تلك الفرصة؟ في حين  الحقيقة المؤلمة أن الزمن لا يعود للخلف، وأن الله لم يخلق الحياة لتكون متحفًا للذكريات، بل طريقًا للسير والتجدد. وكم من شخص دمر صحته النفسية لأنه لم يستطع تجاوز موقف قديم أو كلمة جارحة أو خيانة أو خسارة. ينام بعقله في الأمس، ثم يستيقظ ليكمل الحزن نفسه من جديد. وهنا أتذكر قول الله تعالى: ﴿لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)﴾ [الحديد]. فالقرآن لا يمنع الحزن الإنساني الطبيعي، لكنه يرفض أن يتحول الحزن إلى إقامة دائمة داخل الروح.

أقول دائمًا رأيت في حياتي أشخاصًا أضاعوا سنوات طويلة لأنهم لم يغلقوا باب الأمس. أحدهم ظل يردد: “لو أنني اخترت طريقًا آخر لكنت الآن أفضل حالًا”، حتى مر العمر وهو لم يختر طريقًا جديدًا أصلًا. وآخر عاش أسير تجربة عاطفية قديمة، يرفض كل فرصة جديدة لأن قلبه ما زال يتفاوض مع الذكرى. كأن بعض البشر لا يعيشون حياتهم، بل يعيشون “لو” التي قال عنها النبي ﷺ: “المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللَّهِ منَ المؤمنِ الضَّعيفِ وفي كلٍّ خيرٌ، احرص على ما ينفعُكَ واستعن باللَّهِ ولا تعجِزْ، وإن أصابَكَ شيءٌ فلا تقل لو أنِّي فعلتُ كذا لكانَ كذا وَكذا ولَكن قل قَدَرُ اللَّهِ وما شاءَ فعلَ، فإنَّ لو تفتحُ عملَ الشَّيطانِ” الألباني. لأن كلمة “لو” حين تتحول إلى أسلوب حياة، تصبح معول هدم للرضا والطمأنينة.

أما المصيبة الثانية فهي الانشغال بالآخرين، وهي آفة هذا العصر بلا منازع. فهناك من يعرف تفاصيل حياة الناس أكثر مما يعرف نقاط ضعفه وقوته. يراقب نجاح هذا، وزواج ذاك، وسفر الآخر، وترقيات الناس، وصورهم، وكلماتهم، ثم يعود إلى نفسه محطمًا وهو يظن أن الجميع سعداء إلا هو. والحقيقة أن كثيرًا مما نراه ليس إلا واجهات مزخرفة تخفي خلفها معارك لا يعلمها إلا الله. ولذلك كان من أعمق الحكم قولهم: “من راقب الناس مات همًّا”. لأن الإنسان حين يجعل قيمته مرتبطة بالمقارنة المستمرة فإنه لن يشعر بالاكتفاء أبدًا.

وأقولها على لساني بوضوح: تعلمت أن أكثر الناس راحة هم الذين انشغلوا بإصلاح أنفسهم لا بتفتيش حياة الآخرين. فالذي يزرع أرضه لا يجد وقتًا لعدّ ثمار الناس. أما الفارغ وحده فهو الذي يراقب كل شيء إلا ذاته. وقد رأيت نماذج مؤلمة لأشخاص استهلكوا أعمارهم في الحسد والمقارنات، حتى فقدوا نعمة الرضا. أحدهم كان يملك حياة مستقرة، لكنه لم يكن يرى نعمته، لأنه كان منشغلًا بمن يملك سيارة أفخم أو بيتًا أكبر. فخسر راحته وهو يطارد صورة وهمية للسعادة.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

وقد وضع الإسلام قاعدة عظيمة لحماية النفس من هذا الاستنزاف حين قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ (131)﴾ [طه].

وقال أيضًا: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ﴾ [الحجرات: 13]. فالقيمة الحقيقية ليست فيما يملكه الناس، بل فيما يملكه الإنسان من سلام داخلي وأخلاق ورضا وطمأنينة. والنبي ﷺ اختصر فلسفة الراحة النفسية كلها حين قال: “مِنْ حُسْنِ إسلامِ المرءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ” مجمع الزوائد. فيا لها من قاعدة لو طبقها الناس لوفّروا على أنفسهم جبالًا من القلق والتوتر. فليس مطلوبًا منك أن تعرف كل شيء عن الجميع، ولا أن تدخل كل معركة، ولا أن تفسر كل تصرف، ولا أن تنافس كل إنسان. الحياة أقصر من أن تضيعها في مطاردة ما فات، أو مراقبة من حولك.

في النهاية أؤمن أن الإنسان لا يبدأ حياته الحقيقية إلا حين يغلق باب الأمس دون كراهية، ويغلق نافذة المقارنات دون حسد، ثم يلتفت إلى نفسه قائلًا: ماذا أستطيع أن أفعل اليوم؟ لأن المستقبل لا يبنيه الحنين، ولا تصنعه مراقبة الناس، بل يصنعه إنسان تصالح مع قدره، وآمن أن رزقه لن يأخذه غيره، وأن لكل شخص رحلته المختلفة. ومن يفهم هذه الحقيقة، يعيش أخف قلبًا، وأهدأ عقلًا، وأكثر قربًا من الله، وهذه وحدها نعمة تستحق أن يعاش العمر كله لأجلها.

مقالات ذات صلة:

علاقة الماضي بالحاضر

حتى يغيّروا ما بأنفسهم

ثقافة التطفل وآفة الانشغال بالآخر

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

ا.د. هشام الخولي

أستاذ القياس والتقويم النفس التربوي كلية التربية – جامعة السويس رئيس قسم علم النفس التربوي