مقالات

المعنى العسكري لما يعرف بحالة اللا يقين (Military Uncertainty).. وهل وصل جيش الدفاع الإسرائيلي (IDF) إلى هذه الحالة في حرب غزة؟

الجانب الأول: معنى المصطلح ودلالاته:

مصطلح “اللا يقين” بالمعنى العسكري (Military Uncertainty) يشير إلى حالة الغموض وعدم القدرة على التنبؤ التي تحيط بمجريات العمليات العسكرية ومستقبلها. وهو مفهوم مركزي في الفكر العسكري والاستراتيجي، ويُستعمل للدلالة على أن القادة والجنود لا يمتلكون معلومات كاملة أو دقيقة عن:

  • نية العدو: ما خططه، اتجاه ضرباته، أهدافه النهائية؟
  • قدرات العدو: حجم قواته، أسلحته، مستوى تدريبه، ومدى استعداده النفسي.
  • البيئة العملياتية: طبيعة الأرض، الطقس، السكان المحليين، تأثير الإعلام والسياسة.
  • نتائج القرارات: حتى القرارات المدروسة قد تُنتج عواقب غير متوقعة بسبب تفاعل العوامل الكثيرة والمتغيرة في ساحة القتال.

في الأدبيات العسكرية يُوصف هذا الوضع أحيانًا بـ”ضباب الحرب” (Fog of War – كارل فون كلاوزفيتز)، أي أن الحرب بطبيعتها تولّد مستوى عاليًا من الارتباك وعدم الوضوح.

دلالاته العملية

  • تجعل التخطيط العسكري محدود الدقة وقابلًا للتعديل المستمر.
  • تفرض على الجيوش مرونة تكتيكية وسرعة في اتخاذ القرار.
  • تخلق ضغطًا نفسيًا على القادة والجنود، إذ لا يستطيعون توقع الاحتمالات كلها.
  • تُستخدم أحيانًا كأداة سياسية أو إعلامية: إعلان أن “الجيش في حالة لا يقين” يعني أنه يفتقد المبادرة ويعيش ارتباكًا ميدانيًا واستراتيجيًا.

الجانب الثاني: أمثلة محدّدة وواضحة على تجليات اللا يقين (fog of war) في حرب غزة، مع دلالة كل مثال على لماذا ينتج عنه غموض ميداني واستراتيجي:

مفاجأة 7 أكتوبر.. فشل تحصين التنبؤ باحتمال هجوم واسع

الهجوم المفاجئ في 7 أكتوبر كشف عن ثغرات ومفارقات في قدرة الاستخبارات على كشف نوايا الخصم وقدراته، وهذا نموذج كلاسيكي للا يقين الاستراتيجي (لم تترجم التحذيرات أو لم تُعطَ الأولوية المطلوبة). (Combating Terrorism Center at West Point)

عدم اليقين في تحديد مصدر انفجارات كبيرة (خلافات بشأن مسؤولية تفجيرات المستشفيات)

حوادث مثل الانفجار في مستشفى (حادثة ألطاف والأهلي وما شابهها في مرحلتي النزاع) أظهرت تناقضات سريعة في روايات الأطراف ووسائل الإعلام: تقارير أولية متضاربة، تحقيقات لاحقة تُغيّر التقديرات أو تطرح شكوكًا، هذا كله يزيد من غموض الصورة الحقيقية على الأرض.

إحصاءات الضحايا والنسب القتالية غير الثابتة

حسابات الضحايا والتمييز بين مقاتلين ومدنيين عرضة لخطأ أو مبالغة أو اختزال لأسباب منهجية وسياسية. النتيجة: أطراف متعددة تُظهر أرقامًا مختلفة مما يولّد “لا يقين معرفي” بخصوص حجم الخسائر الحقيقية. (gaza-patterns-harm.airwars.org)

اضغط على الاعلان لو أعجبك

ضبابية الهدف والتمييز داخل المدن المكتظة (أخطاء استهداف)

القتال الحضري في غزة (أنفاق، مبانٍ مختلطة مدنيّة وعسكرية، شبكات مسلحة مبعثرة) يصعِّب تمييز الأهداف ويزيد احتمال الأخطاء في الاستهداف، ما يسبب قرارات تكتيكية تُعدّ لاحقًا خاطئة أو متنازعًا عليها. (Begin-Sadat Center for Strategic Studies)

معلومات استخباراتية متنافرة وقيود تقنية قانونية على استخدامها

تداخل استخدام تقنيات متقدمة (مثلًا تصفية بيانات الاتصالات وتحليلات على منصات سحابية) مع مخاوف قانونية وأخلاقية أدى إلى جدل بشأن مصادر المعلومات وصلاحيتها، وهو ما ينعكس في مستوى ثقة القرار العسكري. (تطورات حديثة أشارت إلى قيود شركات تقنية على خدمات استخدمتها جهات عسكرية في النزاع).

حرب المعلومات (معلومات مضلّلة، تلاعب على وسائل التواصل)

حملات تضليل وتسريع نشر مقاطع وصور غير مؤكدة تؤدي إلى تكوين انطباعات خاطئة لدى الجمهور وصانعي القرار على السواء، وتزيد من اللا يقين، لأن أي معلومة أولية قد تكون خاطئة أو محرّفة. (Lieber Institute West Point)

حالات عدم اليقين بخصوص الأسرى والمفقودين وحالتهم الصحيّة

عدد المختطفين والأسرى وحالتهم كانت ولا تزال موضوع تقارير متغيرة وغير مؤكدة في كثير من اللحظات (من جهة إسرائيلية، فلسطينية، جهات دولية)، ما يؤثر على خيارات التفاوض والضربات العسكرية.

انعكاسات سياسية وقيادية على الوضوح (قرارات سياسية تخلق غموضًا تكتيكيًا)

التباينات بين الأهداف السياسية والقدرات العسكرية، أو تغيّر الأولويات السياسية، تجعل القادة العسكريين يعملون ضمن نطاق من القرارات غير المستقرة أو المتوقعة، وهذا يضاعف اللا يقين العملي.

الجانب الثالث: النتائج العملية لهذا اللا يقين:

  • للقيادة: ضرورة اعتماد خطط مرنة، احتياطيات معلوماتية وتدرّجات قرار سريعة.
  • للمقاتلين في الميدان: ارتفاع معدلات الأخطاء، الحاجة إلى عمليات تحقق متكررة، وضغط نفسي أكبر.
  • للسكان المدنيين والإغاثة: صعوبة اتخاذ قرارات سلامة (أين يلجأون؟ أي مناطق آمنة؟) وتقلبات في إمكانية الوصول إلى المساعدات.
  • للمجتمع الدولي والإعلام: تحدٍّ في إصدار أحكام فورية دون تحقيق مستقل، مع خطورة استغلال المعلومات المبكرة سياسيًا.

الجانب الرابع: قراءة في تقرير المراسل العسكري لصحيفة معاريف “آفي أشكنازي” عن حالة اللا يقين في الجيش الإسرائيلي

السياق الذي قاله فيه “أشكنازي”

في مقالاته، يتحدث أشكنازي عن تزايد الفشل العسكري والاستخباراتي في العمليات داخل قطاع غزة، إذ لا تستطيع أجهزة الأمن والاستخبارات تفسير بعض الخروقات أو الكمائن التي تنفذها المقاومة.

يرى أن الجيش الإسرائيلي يعاني إنهاكًا شديدًا؛ جنود الاحتياط والنظاميون مرهقون، المعدات تتآكل، القدرة على التخطيط والتنفيذ تتراجع.

كما ينتقد أن القيادة السياسية لا تملك رؤية استراتيجية واضحة أو القدرة على التقدم خطوة وراء أخرى، وهي بمعزل عن الواقع الميداني.

من هذا السياق، عندما يقول “اللا يقين” فهو لا يعني حرفيًا أن الجيش لا يفهم ما يفعل على الإطلاق، بل يُشير إلى أن الثقة والتماسك في الأداء والتخطيط قد بدأت تنهار جزئيًا.

ما المقصود بـاللا يقين في هذا السياق؟

اللا يقين هنا يعني مزيجًا من العوامل  على النحو التالي:

  • أول ما يقصده أشكنازي بحالة “اللا يقين”: فقدان السيطرة على المعلومات، إذ لم يعد الجيش قادرًا على التنبؤ بتحركات المقاومة أو كشف الكمائن التي تنفذها على نحو مباغت. ثم يأتي عنصر تذبذب الأداء الميداني، إذ تنجح بعض العمليات وتفشل أخرى دون وجود قدرة ثابتة على الحسم أو التقدم المستمر.
  • إلى جانب ذلك هناك ضعف الثقة الداخلية، سواء بين القادة والجنود أو بين الأجهزة الأمنية المختلفة، مثل الاستخبارات والقيادات الميدانية والقرار السياسي. وهذا مرتبط بدوره بوجود غياب لرؤية استراتيجية واضحة، فليس هناك خطة بعيدة المدى أو تصور عملي لمستقبل العمليات، مما يجعل المؤسسة العسكرية في حالة تردّد ونفاد خيارات.
  • وأخيرًا، لا يمكن تجاهل عامل الإرهاق والتآكل؛ المقاتلون يعانون التعب الجسدي والنفسي بفعل طول المعركة، والمعدات تتعرض لاستنزاف مستمر، وهو ما يضعف القدرة على الحفاظ على أداء متماسك وفعّال.

بعبارة أبسط: جيش يواجه صعوبة في التنبؤ، في التعامل مع مفاجآت المقاومة، في تنسيق أفراده، ويعيش في “مساحة ضبابية” بين ما يُفترض أن يفعله وما يقدِر فعله فعليًا.

كيف يعبّر أشكنازي عن هذا الأمر عمليًا؟

  • يشير إلى كمائن في خان يونس أثبتت أن المقاومة قادرة على اختراق توقعات الجيش وتشغيل مفاجآت فتاكة.
  • يتحدث عن إخفاق في أجهزة الاستخبارات الأمنية (الشاباك والجيش) في كشف بعض الهجمات أو التنبؤ.
  • يُشير إلى أن القيادة السياسية لا تدرك الأبعاد الحقيقية للوضع، وتظل تتخذ قرارات بعيدة عن الميدان، ما يزيد شعور اللا يقين في المؤسسة العسكرية.

خلاصة تقرير “أشكنازي”

أشكنازي عندما يتحدث عن وصول الجيش الإسرائيلي إلى حالة “اللا يقين” يقصد جملة من الأبعاد المترابطة، فالجيش فقد السيطرة على المعلومات ولم يعد قادرًا على التنبؤ بتحركات المقاومة أو كشف الكمائن التي تفاجئه باستمرار، وهو ما أدى إلى تذبذب الأداء الميداني بين نجاحات محدودة وإخفاقات متكررة دون قدرة على الحسم أو التقدم المستدام. هذا الواقع انعكس على الثقة الداخلية، سواء بين القادة والجنود أو بين الأجهزة الأمنية والعسكرية المختلفة، وزاد من تفاقمه غياب رؤية استراتيجية واضحة تُحدد مسار العمليات على المدى المتوسط والبعيد، بحيث أصبح القرار العسكري يعيش في مساحة ضبابية تتأرجح بين التردّد ونفاد الخيارات. وإلى جانب ذلك كله، يعاني الجنود الإرهاق الجسدي والنفسي نتيجة طول أمد القتال، في حين تتعرض المعدات إلى استنزاف مستمر، الأمر الذي يجعل المؤسسة العسكرية في مجملها عاجزة عن الحفاظ على تماسكها أو فرض معادلة ميدانية مستقرة.

مقالات ذات صلة:

منذ السابع من أكتوبر

المشمئزون .. والتاريخ من ثقب إبرة!

استراتيجية استهداف الرموز

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. أحمد إبراهيم خضر

أستاذ بكلية التربية – جامعة الأزهر دكتوراه علم الإجتماع العسكري