قضايا وجودية - مقالاتمقالات

العقل ومدارس الفلسفة الإسلامية .. الجزء السادس والثمانون

المدرسة المشّائية: (84) أبو الحسن العامري الفيلسوف وكتابه: "الأمد على الأبد": فلسفة الزمان والأبد [1]: مقدمة: الإنسان بين الأمد والأبد

تحدثنا –صديقي القارئ صديقتي القارئة– في الدردشة السابقة، عن أبي يعقوب إسحق بن حنين بن إسحاق: الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، وكتابه: “تاريخ الأطباء الفلاسفة”. [راجع: ج 85].

ولنبدأ –في هذه الدردشة– مقاربتنا التأويلية للفيلسوف أبي الحسن العامري وكتابه: “الأمد على الأبد”: فلسفة الزمان والأبد.

العامري: الفيلسوف النيسابوري

أبو الحسن محمد بن يوسف العامري (300–381 ه) وكتابه: “الأمد على الأبد”، بتصحيح أورت. ك. روسن، مؤسسة مطالعات إسلامي، دانشكاه مك كيل (تهران)، دار الكندي، بيروت، 1399 ه– 1979 م. وقد فرغ العامري من تصنيفه كتاب الأمد على الأبد ببخارى، في شهور، سنة خمس وسبعين وثلاثمائة (375ه–/ 985 م)، أي قبل وفاته بنحو ست سنوات.

العامري: الفيلسوف التام الذي شرح كتب أرسطو وشاخ فيها

وصف أبو سليمان السجستاني، في كتابه صوان الحكمة”، أبا الحسن العامري بالفيلسوف التام: حين قال: “تفلسف بخراسان. وقد قرأ على أبي زيد أحمد بن سهل البلخي (ت 322 ه/ 933 م)، قصد بغداد وتصدر بها وإن لم يرض أخلاق أهلها. وعاد وهو فيلسوفٌ تام. وقد شرح كتب الحكيم أرسطو طاليس وشاخ فيها” (راجع ج 78).

العامري: خريج مدرسة الكندي الفلسفية

وكان العامري تلميذًا لأبي زيد أحمد بن سهل البلخي الفيلسوف (توفي 322ه) الذي هو بدوره كان تلميذًا لفيلسوف العرب الكندي، فالعامري ينتمي إلى مدرسة الكندي الفلسفية. وعلى ذلك كان العامري وجها فلسفيًا هامًا بين الفارابي وابن سينا كما يقول هنري كوربان الذي يشير كذلك إلى أن فلسفة العامري “لا تخلو من الأصالة”. وقد ذكر الشهرستاني العامري مع كبار الفلاسفة في الإسلام، من أمثال: الكندي والفارابي وابن سينا، ونقل عنه أبو حيان التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة، فهو يراه “من أعلام عصره”، واقتبس –كما يقول التوحيدي– من “كلماته الشريفة”، في كتابه المقابسات (مقابسة 90– المقابسات)، وكذلك اقتبس منه مسكويه، في كتابه الحكمة الخالدة، وغيرهم.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

العامري: الفيلسوف الجامع بين علمي الحكمة والملّة

جمع العامري بين العلوم الحكميّة (الفلسفية العقلية)، والعلوم الملّية (الدينية الإسلامية) الأمر الذي سمح له بتجاوز مناهج أصحاب الكلام –كما يقول أحمد عبد الحليم عطية– في الجدل إلى مناهج البرهان لدى الفلاسفة، فهو يعرض لموضوع المعاد في “الأمد على الأبد” على طريقة الفلاسفة ومنهجهم واستخدامه لمصطلحاتهم واقتباسه أقوالهم فيذكر أعلام الفلاسفة اليونان أنبذقليس وفيثاغورس وفورفوريوس والإسكندر الأفروديسي وبالطبع سقراط وأفلاطون وأرسطو، والرواقيين، والكندي والبلخي والفارابي من الفلاسفة المسلمين.

كتاب العامري “الأمد على الأبد”: دراسة مقارنة لعقيدة البعث والحساب والخلود في الفلسفة اليونانية والإسلامية

ويمكن أن نعد كتاب الأمد على الأبد للفيلسوف العامري أول دراسة فلسفية مقارنة بين عقيدة البعث والحساب في الفلسفة اليونانية والفلسفية الإسلامية.

دواعي تأليف الأمد على الأبد: أدعياء الفلسفة في عصر العامري

يفصح العامري عن بعض دوافعه لكتابة كتابه الأمد على الأبد، ومنها مواجهة أدعياء الفلسفة في عصره (وما عصرنا عنهم ببعيد!)، فيقول: “والعجيب من أهل زماننا أنهم متى رأوا إنسانًا قرأ كتب إقليدس (في الهندسة)، وضبط أصول المنطق (الأرسطي)، وصفوه بالحكمة، وإن كان خلوًا من العلوم الإلهية، حتى إنهم ينسبون “محمد بن زكريا الرازي” لمهارته في الطب إليها. وهذا –أعزك الله– مع صنوف هذيانه في القدماء الخمسة، وفي الأرواح الفاسدة. ولقد كان شيخنا “أبو زيد أحمد بن سهل البلخي” رحمه الله –مع توسعه في أصناف المعارف، واستقامة طريقته في أبواب الدين– متى نسبه أحدٌ من موقّريه إلى الحكمة يشمئز منه، ويقول: لهفي على زمانٍ ينسب فيه ناقصٌ مثلي إلى شرف الحكمة، كأنهم لم يسمعوا قول الله تعالى: “يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا وما يذكر إلا أولوا الألباب”. وهذه حال أستاذه يعقوب بن إسحق الكندي”.

أدعياء الفلسفة يغضون من علم الدين

يقول العامري موضحًا طريقة بعض أدعياء الفلسفة في عصره (مرة أخرى: وما عصرنا عنهم ببعيد!): “وربما تحلى (من يدعي الفلسفة) في ذلك بالفلسفة زورًا، وانتمى إلى واحد من المشهورين بها كذبًا، ليكون أكتم لما تقنّع (استتر) به من الجهالة وأبلغ في إيهام ما يفتعل به من البراعة. وذلك ليقينه أن كتب الفلسفة أكثرها مرموزة منغلقة، وقد خلّد لها ذكرٌ وسمعةٌ، ولن يتحقق معانيها إلا ببليغ العناية: فيدعي التبريز (التفوق) فيها ويواظب على التفخيم لشؤونها، متدرعًا (متخذًا) إلى الغض من علم الدين والتنقص لأئمة المسلمين”.

الفلسفة الحقة: علاج أدعياء الفلسفة

وإذا ما سألنا العامري، وما هو علاج أدعياء الفلسفة هؤلاء؟ أجابنا: “وعلاج أدعياء الفلسفة هؤلاء (مرة ثالثة: ما أدعياء الفلسفة في عصرنا ببعيد!) هو الفلسفة الحقة”، فكان منهج العامري هو الرد على هؤلاء بذكر مذاهب الفلاسفة وخصوصًا الفلاسفة الإلهيين منهم، وأن يشرح مذاهبهم في توحيد الله وفي المعاد. يقول العامري: “وإذ كانت الآفة من هذه الجهة غير مأمونة على أهل الملة، رأينا من بليغ العلاج لها أن نذكر الجمل من مذاهب المتسمين بالفلسفة، وخصوصًا المشهورين منهم بالحكمة الإلهية، وأن نصف دعاوى أئمتهم في التوحيد، ونومئ إلى مجامع مذاهبهم في المعاد (الآخرة)”.

أهمية مسألة المعاد: مصير الإنسان

إن أخطر مسألة على الإطلاق –برأي العامري– هي مسألة المعاد ومصير الإنسان الذي سيحل به الموت لا محالة، وفي ذلك يقول العامري، كما ينقل عنه التوحيدي في المقابسات (مقابسة 43): “فماذا ينتظر اللبيب بنفسه بعد هذه الآيات المتلوة، والأعلام المنصوبة، والحالات المنقلبة، والنعم المتقلبة، والأعمار القصيرة، والآمال الكاذبة؟ أما يتعظ! أما يعلم أنه من جنسه ومحمول على تدبيره، وأنه لا فكاك له مما لا بد من حلوله به، من انحلال تركيبه، واستحالة عنصره، وانتقاله إلى حال بسيطة إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر؟ بلى يعلم، لكن علمًا مدخولًا، ويعقل، لكن عقلًا كليلًا، ويحس لكن حسًا عليلًا!”.

هدف العامري من كتابه

إذًا فهذا هدف العامري من تأليف كتابه: “وبعد، فإن الله جل جلاله لما وفقني لتصنيف الكتب المفتنة في إيضاح المعاني العقلية، قصدًا لمعونة ذوي الألباب على تقرير المعالم النظرية، ويسر لي التأليف في: الإبانة عن علل الديانة، وفي الإعلام بمناقب الإسلام (حققه د. أحمد عبد الحميد غراب)، وفي الإرشاد لتصحيح الاعتقاد، وفي النسك العقلي والتصوف الملي، التقرير لأوجه التقرير، وإنقاذ البشر من الجبر والقدر، والإبصار والمبصر، (والأربعة الأخيرة حققها المفكر الأردني الدكتور سحبان خليفات، في كتابه: رسائل أبي الحسن العامري وشذراته الفلسفية، مع بعض الشذرات من مؤلفاته المفقودة: المنطقية والطبيعية والميتافيزيقية والأخلاقية، عمان 1988 م)، السعادة والإسعاد في السيرة الإنسانية (تحقيق المفكر المصري الدكتور أحمد عبد الحليم عطية، في كتابه: الفكر السياسي والأخلاقي عند العامري، القاهرة، 1991 م)، وغيرها من الرسائل الوجيزة، وأجوبة المسائل الدينية المتفرقة، وشرح الأصول المنطقية، وتفاسير المصنفات الطبيعية، ثم علمت أن معرفة الإنسان بحاله بعد موته وعقيب مفارقة روحه لجسده إلى أن يحشر في القيامة ويبعث في النشأة الآخرة، يعد مما لا يعذر العاقل في جهله، ويستحب أن يوقف على كنهه (حقيقته)، وليس يوجد لطبقات المصنفين كتاب يتضمن تحقيق هذا الفن، وقد كثرت فيه شبهات الملحدين، واعتراضات الطبيعيين، وشكوك المتكلمين، ومطاعن أعداء الدين، استخرت الله في تصنيف محض لنعته، مؤيدٍ بالأدلة الواضحة الصادقة عليه، وسميته كتاب “الأمد على الأبد”، وتحريت به ثواب الأحد الصمد. وجعلته مفصلًا ليقف الناظر بفهمه على تأمل كل فصلٍ منه على حدته، ولا يتجاوزه إلى الذي يتلوه إلا بعد الإحاطة بمضمونه”.

وسوف أحاول أن أعرض لفلسفة العامري في الأمد (الزمان المتناهي) والأبد (الزمان اللا متناهي)، وفقًا لعنوان كتابه البديع “الأمد على الأبد”، في ثلاثة أقسام، يمثل الأول والثاني مقدمتين، ويمثل الثالث نتيجة مستنبطة من المقدمتين، وعلى ذلك تكون الأقسام ثلاثة:

الأول: الأمد: فلسفة الزمان المتناهي.

الثاني: الأبد: فلسفة الزمان اللا متناهي.

الثالث: المعاد: أبد الزمان اللا متناهي.

في الدردشة القادمة –بإذن الله– نواصل رحلتنا التأويلية مع الفيلسوف أبي الحسن العامري وكتابه: “الأمد على الأبد”: فلسفة الزمان والأبد [2]: الأمد: فلسفة الزمان المتناهي ونظرية المعرفة.

مقالات ذات صلة:

الجزء الخامس والثمانون من المقال

الجزء الرابع والثمانون من المقال

الجزء الثالث والثمانون من المقال

الجزء الثاني والثمانون من المقال

الجزء الواحد الثمانون من المقال

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ.د شرف الدين عبد الحميد

أستاذ الفلسفة اليونانية بكلية الآداب جامعة سوهاج