العقل ومدارس الفلسفة الإسلامية .. الجزء الخامس والثمانون
المدرسة المشّائية: (83) إسحاق بن حنين بن إسحاق: الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، وكتابه: "تاريخ الأطباء والفلاسفة": تاريخ الحكماء عن طريق أسماء الأعلام

تحدثنا –صديقي القارئ صديقتي القارئة– في الدردشات السابقة، عن أبي زيد حنين بن إسحاق: الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، وكتابه: “نوادر الفلاسفة والحكماء”. [راجع: ج 79، ج 80، ج 81، ج 82، ج 83،ج 84]: حوار الحضارات بين فلاسفة الأمم.
ولنبدأ –في هذه الدردشة– مقاربتنا التأويلية لإسحاق بن حنين بن إسحاق: الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، وكتابه: “تاريخ الأطباء والفلاسفة”.
أبو يعقوب إسحاق بن حنين بن إسحاق طبيب وفيلسوف نصراني نسطوري، توفي في بغداد سنة 298 ه/ 910 م وكتابه “تاريخ الأطباء والفلاسفة”. تحقيق فؤاد سيد، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، 1405 ه– 1985.
إسحاق بن حنين: من متقدمي فلاسفة الإسلام
قلت: رغم أن حنين ابن إسحاق (توفي 260 ه) وابنه إسحاق بن حنين (توفي 298 ه) من النصارى إلا أن أبا سليمان السجستاني (توفي بعد 391 ه)، الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة المسلم، يعدهما –في كتابه “صوان الحكمة”– “من متقدمي فلاسفة الإسلام”، فيقول عنهما: “هما من متقدمي فلاسفة الإسلام ونقلة الكتب الكثيرة إلى اللغة العربية: من الطب والفلسفة والرياضيات. ولشهرتهما واستفاضة أخبارهما لم أقتص شيئًا منها” (راجع ج 77، ج 79).
إسحاق بن حنين: مواصلة المهمة الحضارية للمترجم العربي
كان إسحاق من ندماء المكتفي بالله، وكان أبوه حنين بن إسحاق رئيسًا لبيت الحكمة في بغداد (راجع ج 77، حنين بن إسحاق: الترجمة مشروعٌ حضاري والمترجم رسولٌ بين الحضارات). ولقد واصل إسحاق المهمة الحضارية للدولة بعد أبيه، فتولى الترجمة إلى العربية عن اليونانية مباشرة أو عن السريانية. ومن أهم كتب الرياضيات والفلسفة التي نقلها: أصول الهندسة لإقليدس، والمجسطي لبطليموس، والكرة والأسطوانة لأرخميدس، وسوفسطس لأفلاطون، والمقولات لأرسطو. وله بالسريانية كتاب البرهان، وقد نقله إلى العربية متّى بن يونس.
كتاب “تاريخ الأطباء والفلاسفة”: أقدم نص عربي في المشرق الإسلامي
لا شك أن إسحاق بن حنين يعد أول مؤرخ في الإسلام، أفرد كتابًا خاصًا لتراجم الأطباء والفلاسفة الحكماء. فكتاب “تاريخ الأطباء والفلاسفة”، أقدم نص عربي في المشرق الإسلامي. وكان أول من دوّن تاريخ الحكماء عن طريق أسماء الأعلام. وهو نص قصير دخل في معظم كتب تاريخ الفلسفة التالية. مثل ابن النديم في الفهرست، والقفطي في إخبار العلماء بأخبار الحكماء، وابن أبي أصيبعة في طبقات الأطباء، والشهرزوري في تاريخ الحكماء: نزهة الأرواح وروضة الأفراح.
كتاب “تاريخ الأطباء والفلاسفة”: سبب التأليف
إن كل مؤرخ يتناول التاريخ وفق ما وقع إليه أو ما سمع عنه. أمّا المؤرخ الفيلسوف فهو الأقدر على التاريخ. فطلب الوزير أبو الحسين من إسحاق بن حنين كتابة تاريخٍ صغير يحلّ فيه مسألة بداية تاريخ الطب، ومن هو أول الأطباء؟ وكان ذلك قرابة سنة 290 ه. قال إسحاق بن حنين:” جرت مناظرة بين أبي العباس بن فراس وأبي العباس بن شمعون، في أي الأطباء أقدم وأيهم الأول، وكان ذلك بحضرة أبي الحسين الوزير ولي الدولة. فقال لي الوزير أعزه الله: أي القولين عندك أصدق يا أبا يعقوب؟ فقلت له: أعز الله الوزير: الكلام في التاريخ صعب جدًا، لا سيما البعيد منه، وليس كل أحد لا يحقه، لأن كل أحد يتكلم فيه وفق ما وقع إليه أو سمع منه. لكن الذين ارتاضوا العلوم الفلسفية أعرف بذلك من غيرهم، ثم قال لي سيدي: أحب أن تؤلف لي كتابًا في هذا المعنى يكون صغيرًا. تذكر فيه ابتداء الطب كيف كان؟ وعلى أي جهة خرج؟ واجعل تاريخه إلى هذه السنة التي نحن فيها، وهي سنة تسعين ومائتين للهجرة، واذكر فيه أول الأطباء من هو؟ واجعل لهم آخرًا ينتهون إليه وقف عنده، واذكر ما كان من الفلاسفة من هؤلاء الأطباء. وعجله عليّ ولا تؤخره، فإن النفس قد مالت إليه وصبت نحوه. قال إسحاق: فخرجت من عند سيدي الوزير، وبدأت بتأليف الكتاب على ما أمرني”.
كتاب “تاريخ الأطباء والفلاسفة”: المصدر الرئيس: يحيى النحوي
وقد استقى إسحاق بن حنين معارفه من تاريخ يحيى النحوي (يوحنا فيلوبونوس جراماتيكوس). وقد ترجمه إسحاق عن اللغة اليونانية. وشخصية يحيى النحوي لم تكن معروفة بدقة تاريخية عند المؤرخين العرب، وأجمع أكثرهم على أنه عاش في صدر الإسلام، وهو الذي تتلمذ له خالد بن يزيد بن معاوية حكيم آل مروان، مع أن يحيى مات قبل ظهور الإسلام بأكثر من قرن، وكان في النصف الأول من القرن السادس الميلادي مع الشخصيات الكبيرة في مكتبة الإسكندرية، وقام بكثير من الشروح والتفاسير لكتب أرسطو (عن يحيى النحوي السكندري راجع ج 77). وقد عرف يحيى النحوي باسم يحيى فيلوبولونس” التي ترجمها العرب بمعنى “المحب للتعب “أو “المحيط بالاجتهاد”.
كتاب “تاريخ الأطباء والفلاسفة”: إضافة إسحاق بن حنين
نقل إسحاق عن يحيى النحوي في كتابه من أول الأطباء وهو أسقلبيوس، إلى آخرهم وهو جالينوس. ويبدو أن إسحاق قد اقتصر على أطباء الوافد دون أطباء الموروث، رغم أنه قد عاش في هذه القرون الثلاثة الأولى للإسلام بعض الأطباء النابهين الذين تركوا لنا مصنفات هامة. وكذلك لم يورد اسم أي من فلاسفة الإسلام المعاصرين لهم.
وزاد إسحاق الفلاسفة المعاصرين للأطباء اليونان ليكون أتم وأشمل. نسخه إسحاق وصححه، وأكمل ما بدأه يحيى النحوي، وحوله من عمل تقريبي ظني إلى عمل يقيني تاريخي، كما يقول حسن حنفي.
قال أبو يعقوب إسحاق بن حنين: “لما كان الخلف والتباين في هذا على ما صار (يعني الاختلاف حول تاريخ بداية الطب: متى بدأ الطب لأول مرة في العالم؟) فبقي طلب أوله صعب جدًا إلا أنني لما فتشت عن جميع التواريخ ونظرت فيها، لم أر أجود تاريخًا ولا أصح ابتداءً من التاريخ الذي عمله يحيى النحوي وهو الذي يسميه الناس: المحب للتعب، من قبل أنه كان إذا هَمّ بتأليف شيء من الأشياء، بحث عنه بحثًا مستقصىً وتعب فيه تعبًا كثيرًا، ولم يأت به إلا على صحة، فنسخت ما قاله في ذلك وصححته، وذلك لأنه عمله على التقريب، وجعل أوله من أسقلبيوس الأول. لأن جماعة قد أجمعوا على أنه أول من تكلم في شيء من الطب، وجعل جالينوس آخر تاريخه. فأما يحيى النحوي فإنما أرخ الأطباء، وأنا قد أدخلت خلال ذلك من كان من الفلاسفة في عصر كل واحد من الأطباء، ليكون ذلك أتم وأكمل”. أما أنا فسوف أهتم فقط بما أدخله إسحاق بن حنين من فلاسفة على تاريخ يحيى النحوي للأطباء.
أسماء الفلاسفة: ثلاث فترات رئيسة
قسم إسحاق بن حنين تاريخ الفلاسفة وفقًا لتقسيمه تاريخ الأطباء، إذ وزع أسماء الفلاسفة على ثلاث فترات زمنية رئيسة: الأولى: الفترة التي بين أسقلبيوس الأول وأبقراط. الثانية: الفترة التي بين أبقراط وجالينوس. الثالثة: الفترة من جالينوس إلى سنة 290 ه. وذلك على النحو الآتي:
الفترة الأولى: أسماء الفلاسفة التي بين أسقلبيوس الأول وأبقراط:
“وكان في هذا الوقت من الفلاسفة: فوماغورس (فوثاغورس)، وذيوفليس (دوبوفيلس)، وثاون، (مارن) وأنباذقليس، وأقليدس، وساوري، وطيماتاوس، وأنكستمانس (أناكسيمانس)، وذيمقراطيس، وأبقراط الطبيب الفيلسوف”.
الفترة الثانية: أسماء الفلاسفة التي بين أبقراط وجالينوس:
“ومن كان في هذه الفترة من الفلاسفة: زينون الكبير، وزينون الصغير، وأفراطس المنطقي، ورامون (دامون) المستوفي، وأغلوقن النصيبي، وسقراط، وديمقراط، وأرسطوطاليس، وثاوفرطس (ثاوفرسطس) ابن أخيه، وأوذيموس، وفاماس (فافامس)، وأخروسيس، وذيوجانس (ديوجانس) الكلبي، وفيلاطس، وفيماطرس، وأسقلبيوس، وأرمسيس (أرمنيس) الرومي معلم جالينوس، وأغلوقن المحب لجالينوس، والإسكندر الملك، والإسكندر الأفروديسي، وطالينوس الإسكندراني، ومولوموس الإسكندراني، وفرفوريس (فورفوريس) الساوري، وأبرقليس الأفلاطوني، واسطفانيس المصري، وسيحس، ورامس”.
الفترة الثالثة: أسماء الفلاسفة من وفاة جالينوس إلى سنة تسعين ومائتين للهجرة:
“ومن الفلاسفة المذكورين في هذه الفترة: ثامسطيوس، وفرفوريوس الصوري، ويحيى النحوي، ودرابوس (درانوس)، وأنقيلاوس، وأمرسوس (أموسوس)، وفولوس (قولوس)، وأفروطرخس (أفروطوخس)، وأوذيمس (أذونيس)، وماعار العين زربي (ماعارالب زرلي)، وساروس (ميادوس) الأثيني، وأدي الطرسوسي”.
“فجملة السنين من وقت أسقلبيوس الأول، إلى سنة ست وتسعين ومائتين للهجرة، ستة آلاف وثلاثمائة وسبع عشرة سنة”.
الفلسفة خارج الزمان
لا شك يوجد خلل في حساب التواريخ، لكن المقصد ليس الترتيب الزماني، بل الترتيب الذهني. والغرض جمع أسماء أشهر الحكماء إلى زمان المؤلف أبي يعقوب إسحاق بن حنين. ولا يهم الترتيب الزماني فالفلسفة –على حد تعبير حسن حنفي– خارج الزمان. وإنما المهم صورة هذه الأسماء وتعريف المسلمين بها، بداية للتأريخ الفلسفي عند المسلمين، الذي استمر بعد ذلك على يد جمال الدين القفطي في كتابه “إخبار العلماء بأخبار الحكماء” الذي اتبع فيه طريقة التأريخ بالأسماء، وقد رتبها ترتيبًا أبجديًا. وسيكون ذلك هو المنهج السائد في الموسوعات الفلسفية والقواميس والمعاجم التي أرخت للفلاسفة والحكماء والعلماء، وفقًا لترتيب أسمائهم ترتيبًا أبجديًا، مثل: موسوعة عبد الرحمن بدوي “موسوعة الفلسفة”، و”معجم الفلاسفة” لجورج طرابيشي وغيرهما، فلا يزال التأريخ بالأسماء ساريًا في الثقافة الإسلامية منذ إسحاق بن حنين وحتى الآن.
تواصل الجهود الحضارية من حنين وابنه إسحاق إلى أبي سليمان السجستاني وتلاميذه
وإذا كان حنين بن إسحاق قد اهتم بالنوادر والأقوال والآداب الفلسفية في كتابه “نوادر الفلاسفة” دون التركيز على ذكر أسماء الفلاسفة، واهتم ابنه إسحاق بمحض سرد لأسماء الفلاسفة في كتابه “تاريخ الأطباء والفلاسفة” دون إيراد لأي قول من أقوالهم، أو سيرة من سيرهم، أو نادرة من نوادرهم، فإن التأريخ الذي قدمه أبو سليمان السجستاني استكمل النقص في كل منهما، فجاء كتابه “صوان الحكمة”: أول عمل تأريخي فلسفي متكامل كتبه فيلسوف، يجمع بين أسماء الفلاسفة وسيرهم ونوادرهم. ولا شك أن ذلك لم يكن ليتم لولا جهود حنين وابنه إسحاق، في القرن الثالث الهجري، لتستكمل هذه الجهود – على يدي السجستاني– في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي): قرن أهم الفلاسفة المسلمين الذين شكلوا ندوة أبي سليمان السجستاني في بيته، ومنهم: الفيلسوف أبو الحسن العامري.
في الدردشة القادمة –بإذن الله– نبدأ رحلتنا التأويلية مع عَلمٍ فلسفي آخر، من أعلام القرن الرابع الهجري، مع الفيلسوف أبي الحسن العامري وكتابه: “الأمد على الأبد”: فلسفة الزمان والأبد [1]: أبو الحسن العامري الفيلسوف وكتابه الأمد على الأبد: فلسفة الزمان والأبد.
مقالات ذات صلة:
الجزء الرابع والثمانون من المقال
الجزء الثالث والثمانون من المقال
الجزء الثاني والثمانون من المقال
الجزء الواحد الثمانون من المقال
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا