استراتيجية استهداف الرموز (قطع الرأس Decapitation Strategy): قراءة تحليلية في ضوء علم الاجتماع العسكري وحرب غزة

المقدمة
تعد استراتيجية استهداف الرموز أو ما يعرف بـ”قطع الرأس” (Decapitation Strategy) إحدى أبرز الأدوات التي تلجأ إليها الجيوش النظامية وأجهزة الاستخبارات في مواجهة الحركات غير النظامية.
تقوم هذه الاستراتيجية على محاولة اغتيال القادة الميدانيين والسياسيين للحركات المقاومة من أجل تفكيك بنيتها التنظيمية وإضعاف قدرتها على الفعل العسكري والسياسي. ورغم انتشار استخدامها في العقود الأخيرة، بخاصة في فلسطين والعراق وأفغانستان، فإن فعاليتها محل جدل واسع في أوساط الباحثين في العلوم السياسية والاجتماعية والعسكرية.
أولًا: الأسس النظرية للاستراتيجية
من منظور علم الاجتماع العسكري، تنبع هذه الاستراتيجية من فكرة أن التنظيمات المسلحة تعتمد بدرجة كبيرة على القيادة الكاريزمية والرمزية، وأن ضرب هذه القيادة يؤدي إلى:
- شلل وظيفي في القدرة على القيادة والسيطرة (C2).
- تراجع الروح المعنوية للمقاتلين.
- تفكك الروابط التنظيمية نتيجة غياب القيادة المرجعية.
غير أن نظرية “قطع الرأس” تواجه تحديًا جوهريًا يتمثل في قدرة التنظيمات على إعادة إنتاج القيادة بسرعة، خصوصًا عندما تكون البنية التنظيمية غير هرمية، بل شبكية أو لا مركزية.
ثانيًا: الأبعاد النفسية والسياسية للاستراتيجية
1. البعد النفسي:
تهدف الاستراتيجية إلى زرع الخوف وعدم اليقين داخل صفوف المقاومة. بيد أن التجربة أثبتت أن اغتيال الرموز قد يتحول إلى عامل تحفيزي ومعنوي، إذ يصبح القائد المستهدف “شهيدًا” ورمزًا يلهم الأجيال اللاحقة.
2. البعد السياسي:
تسعى إسرائيل عن طريق استهداف القادة إلى إضعاف المقاومة أمام المجتمع الدولي، وإظهارها ككيان هشّ فاقد للثبات الاستراتيجي. لكن في المقابل، تؤدي هذه السياسة أحيانًا إلى تعزيز الشرعية الشعبية والسياسية للمقاومة، كما حدث بعد اغتيال الشيخ أحمد ياسين (2004).
3. البعد الرمزي:
الرموز ليست محض أفراد، بل هي حاملة للمعنى الجمعي. وعليه، فإن اغتيالها لا يلغي المعنى، بل يعيد إنتاجه بأشكال أعمق، كما يفسر علم الاجتماع العسكري من منظور “إعادة هندسة المعنى”.
ثالثًا: تطبيقات الاستراتيجية في حرب غزة (2023–2025)
شهدت حرب غزة الأخيرة تصعيدًا غير مسبوق في عمليات استهداف الرموز من الجيش الإسرائيلي وأجهزة الاستخبارات (الموساد، الشاباك، أمان). فقد ركزوا على:
- القادة الميدانيين لكتائب القسام وسرايا القدس.
- القيادات السياسية لحماس والجهاد الإسلامي.
لكن النتائج جاءت متباينة:
- على المستوى التكتيكي: حدث ارتباك مؤقت في بعض الجبهات.
- على المستوى الاستراتيجي: نجحت المقاومة في تفعيل آليات القيادة البديلة واستمرار العمليات، ما أظهر محدودية الفعالية طويلة المدى للاستراتيجية.
رابعًا: التقييم السوسيولوجي – العسكري
من زاوية علم الاجتماع العسكري، يمكن تقييم الاستراتيجية وفق ثلاثة مستويات:
1) المستوى التنظيمي:
الاستراتيجية قد تنجح إذا كان التنظيم مركزيًا وضعيف المرونة. أما إذا كان شبكيًا أو يعتمد على “القيادة بالمهام”، فإنها تفشل غالبًا.
2) المستوى الاجتماعي:
استهداف الرموز في مجتمع يتميز بثقافة المقاومة والشهادة (مثل المجتمع الفلسطيني) يحوّل القائد المستهدف إلى “أيقونة اجتماعية”، ما يعزز الالتفاف حول المقاومة بدلًا من إضعافها.
3) المستوى النفسي – المعنوي:
علم الاجتماع العسكري يبرز هنا “نظرية الأثر العكسي” (Backfire Effect)، إذ يؤدي الحدث المتوقع أن يضعف الجماعة إلى تقويتها.
خامسًا: النتائج والدروس
- استراتيجية “قطع الرأس” فعّالة مؤقتًا، لكنها محدودة التأثير طويل الأمد.
- التنظيمات المقاومة طورت آليات مضادة، مثل:
- القيادة اللا مركزية.
- التدريب على سيناريوهات فقدان القادة.
- التعبئة الأيديولوجية والقيمية التي تجعل استشهاد القادة مصدر قوة لا ضعف.
.3. الدرس الأبرز من حرب غزة أن اغتيال القادة يزيد من تماسك المقاومة ويسرّع من دورة تجديدها التنظيمي والرمزي
الخاتمة
تكشف دراسة استراتيجية استهداف الرموز من منظور علم الاجتماع العسكري أنها سلاح ذو حدين: قد يحقق مكاسب تكتيكية، لكنه يفشل غالبًا في تحقيق أهداف استراتيجية. بل إن التجربة الفلسطينية، وبخاصة في غزة، أثبتت أن هذه الاستراتيجية تفضي إلى نتائج معاكسة، إذ يتحول “قطع الرأس” إلى “إعادة إنتاج للرموز” على نحو مضاعف. ومن ثم، فإن هذه الاستراتيجية تعكس قصورًا في فهم القوى المحتلة السوسيولوجي – الثقافي للمجتمعات المقاومة، ما يجعلها عاجزة عن كسر إرادة الشعوب.
مقالات ذات صلة:
غزة وصبر استراتيجي.. من التراب للسحاب
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا