علم نفس وأخلاق - مقالاتمقالات

اضطراب الجسدنة .. الجزء الأول

أولًا: مقدمة:

يصنف اضطراب الجسدنة (Somatization disorder) في أدلة التشخيص والتصنيف الإكلينيكي المعتمدة في الوقت الحالي تحت فئة “اضطراب العرض الجسماني” (somatic symptom disorder – SSD)، ويتصف بامتلاء التكوين النفسي للمصاب به بأفكار ومشاعر وسلوكيات مفرطة تتعلق بالأعراض الجسمانية على نحو يسبب له ضيقًا ومشقة وكربًا جوهريًا و/أو اختلالًا وظيفيًا دالًا في جوانب حياته المختلفة.

عادة ما يعاني ذوو اضطراب العرض الجسدي أعراضًا جسمانية مزعجة منها الشعور الدائم بالألم، الإعياء والتعب والإجهاد المستمر، ضيق التنفس، مع اقتران ذلك بالخوف والانشغال السلبي الدائم بهذه الأعراض، مع السعي المتواصل لطلب الرعاية والفحص الطبي.

وتتمثل الجوانب الأساسية لاضطراب العرض الجسمي فيما يلي:

1-  التركيز على الأعراض الجسمانية (Focus on physical symptoms):

يخبر ذوو اضطراب الجسدنة عديدًا من الأعراض الجسمية المؤلمة التي قد تترافق أو لا تترافق مع حالات طبية مشخصة، إلا أن ردود أفعالهم تجاه هذه الأعراض مبالغ فيها وغير متناسبة معها على الإطلاق.

2-  الأفكار والسلوكيات المفرطة (Excessive thoughts and behaviors):

قد يكون لديهم أفكار مستمرة ومفرطة ومزعجة حول خطورة أعراضهم، أو قلق بشأن صحتهم، أو يخصصون وقتًا وطاقة مفرطة لأعراضهم أو مشكلاتهم الصحية.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

3-  الضيق والتوتر والعجز الوظيفي (Distress and dysfunction):

تسبب هذه الأفكار والسلوكيات المفرطة مشقة وكربًا أو ضيقًا نفسيًا بدرجة يكون لها تأثيرات سلبية سيئة على حياتهم اليومية، بما في ذلك العمل أو المدرسة أو الأنشطة الاجتماعية.

4-  لم يُنتَج أو يُزَوّر عمدًا أي أنها أعراض فعلية حقيقية (Not intentionally produced or feigned):

وليست قائمة على الادعاء أو التزييف.

5-  المؤثرات الثقافية (Cultural influences):

يمكن للعوامل الثقافية أن تؤثر على كيفية التعبير عن الأعراض وكيفية إدراك الأفراد للمرض و”الأدوار المرضية”.

أدخلت تعديلات كثيرة في الدليل التشخيصي والإحصائي الخامس للاضطرابات النفسية الصادر عن الجمعية الأمريكية للطب النفسي على فئة اضطرابات الجسدنة بحيث جُمِع ما كان يُشخَّص تحت اسم الاضطراب جسدي الصيغة واضطراب الجسدنة إلى مسمى تشخيصي واحد تحت فئة اضطراب العرض الجسمي (SSD)، مع التأكيد على الأفكار والمشاعر والسلوكيات المفرطة المتعلقة بالأعراض الجسمانية كملمح جوهري لهذا الاضطراب بدلًا من التركيز على الطبيعة غير المسوغة للأعراض.

وعلى ذلك فاضطراب العرض الجسدي حالة يخبر فيها المصاب بها ضيقًا نفسيًا جوهريًا وربما عجزًا أو تعوقًا نتيجة الأعراض الجسمية المزعجة وما يترافق معها من أفكار ومشاعر وسلوكيات.

وأفادت كريستينا روب-دوفر (Kristina Robb-Dover 2025) في سياق إجابتها عن سؤال مفاده: ما المقصود بالاضطرابات النفسية جسمانية الهيئة أو الصيغة؟ (What Are Somatoform Disorders?)، بأن الغالبية العظمى من الناس يصابون بأمراض غامضة من حين لآخر. على سبيل المثال، قد تشعر بألم في الظهر مجهول السبب يزول تلقائيًا في النهاية، أو تعاني من أعراض حساسية متقطعة لا يمكن ربطها بمسبب حساسية محدد. ويصعب تحديد أسباب مشكلات المعدة، وقد عانى كثيرون ألمًا بطنيًا يزول في النهاية دون اكتشاف السبب الدقيق للمشكلة. ومع ذلك، إذا كنت تعاني بانتظام أعراضًا جسدية لا يمكن تفسيرها بحالات صحية طبية مرضية معروفة أو قابلة للاكتشاف، فقد تكون مصابًا باضطراب الأعراض الجسدية (somatic symptom disorder – SSD).

ثانيًا: فهم اضطرابات العرض الجسدي أو الجسماني (Understanding Somatic Symptom Disorders):

الاضطرابات النفسية جسمانية الهيئة أو الصيغة أو الشكل (Somatoform disorders)، وتعرف أيضًا باسم “اضطرابات العرض الجسمي” (somatic symptom disorders)، حالة اعتلال أو اضطرابات نفسية يعبر عنها بمعاناة المصاب بها أعراضًا جسمانية مرضية فعلية، تتضمن الألم والإعياء أو التعب والإجهاد يتعذر عزوها إلى حالات مرضية جسمية طبية معروفة أو مشخصة أو محتملة.

قد تتبدى على المصاب باضطراب العرض الجسماني أعراضًا جسمانيًة مزعجة حتى مع ما تسفر عنه الاختبارات الطبية مثل نتائج التحليلات الطبية والفحوص الطبية من عدم وجود سبب طبي واضح لهذه الأعراض.

تشير التقديرات الإحصائية لوبائيات اضطرابات العرض الجسماني أنه يصيب ما بين (5%) إلى (7%) من سكان أي مجتمع، مع ارتفاع معدلات الشيوع بين الإناث مقارنة بالذكور ربما لأسباب متعلقة بطبيعة شخصية كل من الإناث والذكور.

من جانب آخر يجدر التنبيه إلى أن بعض الحالات الطبية المرضية المزمنة مثل الألم العضلي الليفي (fibromyalgia) قد تزيد من عوامل الخطورة المفضية إلى إمكانية الإصابة باضطرابات العرض الجسماني.

وما تجدر الإشارة إليه أيضًا لعل حالة الكرب والمشقة، كدالة للتعرض للضغوط وما يقترن بها من ضيق واستياء وتوتر وعجز عن التحمل وعدم القدرة على الوفاء بما يفرضه الضغط على الإنسان من مطالب وأعباء– العدو الأساسي للإنسان عندما يكون لديه ما يعرف بمتلازمة فيبروميالجيا (fibromyalgia -FMS) أو متلازمة “الإعياء المزمن” (chronic fatigue syndrome)، ويفيد من يعانون هذا المرض النفسي أن “الكرب والمشقة والضغوط” تزيد ما يتبدى عليهم من أعراض سوءًا وتدهورًا، للدرجة التي تجعل الشخص في حالة عامة من الإنهاك والوهن التام.

وقد تتمثل الأعراض الأساسية لاضطراب العرض الجسماني فيما يلي:

1-  أعراض جسمانية مزعجة ومستمرة يصعب تفسيرها أو عزوها إلى أسباب محددة (Persistent physical symptoms that aren’t otherwise explained):

قد تتمظهر في الدوخة، والتعب، وآلام المعدة أو البطن، والصداع، وآلام العضلات، وآلام المفاصل. ومع ذلك، قد تشير أعراض جسدية أخرى إلى اضطراب جسدي.

2-  الضيق المستمر والمفرط بشأن الجسم أو الصحة (Ongoing and excessive distress about the body or health):

تسبب بعض أنواع اضطراب العرض الجسماني أو الحالات المرتبطة به قلقًا بشأن الصحة أو آلية عمل الجسم، مما يسهم في زيارات متكررة لعيادات الأطباء وغرف الطوارئ وغيرها من المرافق الطبية. ويشمل ذلك القلق من أن الأعراض الخفيفة قد تشير إلى حالة صحية خطيرة، أو القلق بشأن وظائف الجسم الطبيعية نسبيًا.

3-  عدم قبول ضمانات مقدمي الرعاية الصحية وتطميناتهم لك بأنك بصحة جيدة (Not accepting health care provider assurances of good health):

قد لا يتمكن المصابون باضطراب العرض الجسماني من قبول شهادة صحية سليمة من الطبيب بسهولة، لأنهم لا يصدقون أن لا شيء يعيقهم بالنظر إلى أعراضهم.

4-  التأثير السلبي المباشر على الأداء (Negative impact on performance):

يمكن أن يؤدي اضطراب العرض الجسماني إلى نتائج سلبية في العمل، أو في العلاقات الشخصية، أو مع الأهداف الشخصية.

ثالثًا: أنماط الاضطرابات النفسية جسمانية الهيئة أو الصيغة (Types of Somatoform Disorders):

ترتبط عديد من الاضطرابات الأخرى باضطراب العرض الجسمي أو أنماط الاضطرابات جسدية الصيغة أو الشكل، التي قد تتخذ الأنماط التالية:

1-  اضطراب التحول، أو اضطراب العرض العصبي الوظيفي (Conversion disorder, or functional neurological symptom disorder):

تتعلق هذه الحالة تحديدًا بأعراض عصبية لا يبدو أن لها سببًا طبيًا. وقد تشمل الأعراض فقدان البصر ومشكلات السمع، والرعشة، والنوبات، والشلل، وضعف الأطراف، وفقدان الإحساس في أجزاء من الجسم.

2-  اضطراب قلق المرض (Illness anxiety disorder):

يشار إلى هذه الحالة غالبًا باسم “توهم المرض أو وسواس التوهم المرضي” (hypochondria). يشعر المصاب باضطراب قلق المرض بقلق بالغ من احتمال إصابته بمرض خطير، ويربط الشكاوى البسيطة بمشكلات طبية خطيرة. على سبيل المثال، قد يعتقد المصاب بهذه الحالة أن ألم عضلات البطن بعد التمرين علامة على الإصابة بسرطان المعدة.

3-  اضطراب الألم (Pain disorder):

تسبب هذه الحالة ألمًا غير مرتبط بحالات طبية معروفة. قد يكون الألم عرضًا جسديًا مرتبطًا بحالة صحية نفسية كامنة، مثل القلق أو التوتر والمشقة.

4-  اضطراب تشوه بنية الجسم (Body dysmorphic disorder):

ينشغل المصاب بهذه الحالة بعيب جسدي متصور لدرجة أنه يصبح خطيرًا أو قد يؤثر تأثيرًا كبير على جودة حياته. قد يكون العيب المعني حقيقيًا، مثل وحمة، أو متخيلًا.

من الممكن أيضًا أن يكون هناك تشخيص لاضطراب الجسدنة غير محدد بطريقة أخرى، مما يشير إلى وجود الجسدنة ولكن لا توجد عوامل أخرى كافية لتشخيص أكثر تحديدًا

مقالات ذات صلة:

أعراض الاكتئاب الجسدية

العلاج النفسي في مقابل العلاج: هل ثمة فروق؟

فقد الشغف

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د . محمد السعيد أبو حلاوة

اختصاصي الصحة النفسية والإرشاد النفسي، كلية التربية جامعة دمنهور