قضايا وجودية - مقالاتمقالات

العقل ومدارس الفلسفة الإسلامية .. الجزء الثمانون

المدرسة المشّائية: (78) حنين بن إسحاق: الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، وكتابه: "نوادر الفلاسفة والحكماء": حوار الحضارات بين فلاسفة الأمم [2] كتاب نوادر الفلاسفة وفلسفة الترجمة

تحدثنا –صديقي القارئ صديقتي القارئة– في الدردشة السابقة، حنين بن إسحاق: الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، وكتابه: “نوادر الفلاسفة”: حوار الحضارات بين فلاسفة الأمم: [1] حنين بن إسحاق: الترجمة مشروع حضاري والمترجم رسولٌ بين الأمم.

ولنواصل –في هذه الدردشة– مقاربتنا التأويلية لحنين بن إسحاق: الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، وكتابه: “نوادر الفلاسفة والحكماء”.

كتاب نوادر الفلاسفة: معنى النوادر

والنوادر: الأقوال الفلسفية النادرة التي تظهر فيها الحكمة من نصوصها: حكم وأمثال ونوادر يسهل حفظها ونقلها وروايتها والإبداع على مثالها. ولا يهمّ نسبة القول إلى صاحبه، فالقول مستقل عن القائل، والنص وحدة مستقلة عن المؤلف، ولا ضير من نسبة القول الجميل إلى أكثر من حكيم. الفكرة هي الماهية، والمعبر عنها هو العرض. وهو –كما يقول حسن حنفي– أفضل نوع أدبي لأنه يؤرّخ للأقوال وليس لأصحابها، وللماهيات وليس للأعراض. فلسفة خالدة بقطع النظر عن قائلها.

النوادر الفلسفية: حكمة البشر الخالدة

قال أبو زيد حنين بن إسحاق: “ولكل واحدم منهم (الفلاسفة والحكماء) من الكلام البين الفاضل، والأدب الكامل ما يقبله من يسمعه، وينتفع به من يعيه، ويصلح به أمر الدنيا والآخرة. ما سمعته أذن فمجته، ولا عرفته نفس فأنكرته. وما عسى أن يقول قائل في تقريظ الحكماء ووصفهم، وما سمعت كلمة من كلامهم أصبت وارتاحت النفوس إليها إلا كانت إلى أختها أشد ارتياحًا. فالقلوب معلقة بكلامهم، كتعلق النفوس بالهواء الذي هو قوامها. والعقل يشهد لمعانيهم بالبيان”.

النوادر الفلسفية: فلسفة النوادر

كان حنين بن إسحاق على وعيٍ بالأنواع الأدبية والفلسفية التي يؤلّف فيها. ويمكن القول –مع حسن حنفي– أن حنين بن إسحاق كان أول المسلمين لتوظيفه الوافد لصالح الموروث، أي توظيف الترجمة الفلسفية لمصلحة الحضارة الإسلامية، تطبيقًا لمشروع الدولة الحضاري الكبير، وتأسيسًا لمدرسة الحكمة، التي كان حنين رئيسها. لقد تمثل ذلك المشروع الحضاري على نحو ظاهر في كتابه “نوادر الفلاسفة والحكماء”. وفي ذلك يقول حنين بن إسحاق: “فمما نقلت من الأخبار عن شعراء اليونان وحكمائهم، وفلاسفة الروم وعلمائهم –من النوادر والآداب والسياسة– ما أثبتناه في هذا الكتاب من سؤال وجواب وابتداء خطاب من حكمة نافعة وآداب بارعة، ليكون إمامًا لمن بعدنا من أهل الفلسفة والنظر، ومعلمًا لمن رغب في تعلم الحكمة، وآثر الفلسفة والتعلق بالعلم بالملكوت الأكبر الروحاني الملكوتي والاتصال به، إذ كان الاتصال به هو الحياة الدائمة والنعيم الذي لا يزول، وسكنى الفراديس مع الربانيين الروحانيين الأحياء الدائمين، جعلنا الله منهم ووفقنا لما وفقهم، برحمته وجوده وكرمه”.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

أقدم مجموعٍ من الحكم الفلسفية صنف في اللغة العربية

ويعد كتاب “نوادر الفلاسفة والحكماء” أقدم مجموعٍ من حكم الفلاسفة اليونانيين صنف في اللغة العربية، ومنه سيستمد كل أو جل من سيصنف في هذا الباب، مثل: أبي الفرج بن هندو (توفي 410 ه: الكلم الروحانية في الحكم اليونانية)، ومسكويه (توفي 421 ه: الحكمة الخالدة: جاويدان خرد)، والمبشر بن فاتك (توفي 480 ه: مختار الحكم ومحاسن الكلم).

يقول حنين بن إسحاق: “ووجدت ما نقلت من مصاحف الأول رقوقًا فرفرية اللون (الرق: جلد مدبوغ يكتب فيه)، وهو اللون الخمري، مكتوبة بذهبٍ وفضةٍ، ورقوقًا مكتوبة بذهب، ورقوقًا مكتوبة بغيرها من الألوان. وفي أول المصحف (الكتاب) صورة الفيلسوف على كرسيّه، وصور التلامذة بين يديه”. “والروم إلى هذا الوقت (القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي) تفعل ذلك بمصاحفها (كتبها) ومزاميرها: من كتابة الذهب والفضة في رقوق مصبوغة بهذه الألوان مصور في أوائلها صورة الحكيم. وإن كان المصحف يجمع أقوالًا، جعل بين القولين فرق، وصوّر صورة كل فيلسوف قبل كلامه. وغشيت الكتب بجلود الأدم والكمخّت (نوع من الجلد) المموه بالذهب والفضة. فهذا لرغبتهم في الحكمة، ومحبتهم لها، وتفضيلهم إياها”.

ومن هذا النص تظهر مكانة الحكمة وأنها غالية القيمة، عظيمة القدر، وينبغي أن تكتب على أجمل وجه وأحسنه.

ثم يقول أبو زيد حنين بن إسحاق: “ولكل واحد منهم (يعني الفلاسفة والحكماء) حكمةٌ بالغةٌ، على فص خاتمه منقوشة، نحن ذاكروها. وذاكروا اجتماعاتهم في بيوت الحكمة التي اتخذت لهم. ثم نتبعها بآداب من نقل عنه أدب من الحكماء والفلاسفة بابًا بابًا، إن شاء الله والقوة لله”.

وهذه هي رسالة حنين التي ندب نفسه لتوضيحها وهدفه من كتابه: إشاعة “ذهب” الحكمة في الدولة المتحضرة، وجعله متداولًا بين الجميع.

تقسيم كتاب نوادر الفلاسفة

وينقسم الكتاب إلى عدّة أنواع من الآداب الفلسفية متداخلة، على النحو الآتي:

  1. فرق الفلاسفة.
  2. التعريف بالفلاسفة.
  3. نقوش نصوص خواتيم الفلاسفة. (وهو ما نقش على خاتم كلّ فيلسوف من حكمةٍ فلسفية).
  4. اجتماعات الفلاسفة في بيوت الحكمة. (في الأعياد وتفاوض الحكمة بينهم، حوار الحكمة الخالدة، الوحدة والتعدّد، الحقيقة ورؤاها المتعدّدة، حوار الحضارات والأمم والفلاسفة).
  5. آداب الفلاسفة المذكورين بالحكمة.
  6. سؤالات الفلاسفة الشفاهية وأجوبتهم.
  7. مكاتبات الفلاسفة الحكماء وأجوبتهم.
  8. آداب فلاسفة الجنّ وما نطقوا به أمام سليمان. (فالحكمة ليست فقط على لسان الإنس، بل أيضًا على لسان الجن، كما أنها على لسان الفلاسفة والحكماء على حدٍّ سواء!)

وعليه، سأحاول أن أعطي لمحةً سريعةً عن آداب الفلاسفة هذه الواردة بكتاب حنين بن إسحاق، ومنها: 1. آداب نقوش فصوص خواتم الفلاسفة. 2. آداب الفلاسفة المذكورين بالحكمة. 3. آداب سؤالات الفلاسفة. 4. آداب مكاتبات الفلاسفة.

وسأحاول أن أتناول –بالتأويل– الفكرتين الأكثر أهميةً في الكتاب: 5. فرق الفلاسفة والتعددية الفلسفية، 6. اجتماعات الفلاسفة وحوار الحضارات.

في الدردشة القادمة –بإذن الله– نواصل رحلتنا التأويلية مع حنين ابن إسحاق وكتابه: “نوادر الفلاسفة”: حوار الحضارات بين فلاسفة الأمم [3] من آداب الفلاسفة.

مقالات ذات صلة:

الجزء التاسع والسبعون من المقال

الجزء الثامن والسبعون من المقال

الجزء السابع والسبعون من المقال

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ.د شرف الدين عبد الحميد

أستاذ الفلسفة اليونانية بكلية الآداب جامعة سوهاج