العقل ومدارس الفلسفة الإسلامية .. الجزء الثامن والسبعون
المدرسة المشّائية: (76) أبو سليمان السجستاني: الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، وكتابه: "صوان الحكمة" [13] تأريخ عالمي للفلسفة: اليونانية والإسكندرية والصابئية والمسيحية والإسلامية: تأريخ الفلاسفة الإسلاميين: الفلاسفة المسلمين

تحدثنا –صديقي القارئ صديقتي القارئة– في الدردشة السابقة، عن أبي سليمان السجستاني: الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، وكتابه: “صوان الحكمة” [12] تأريخ عالمي للفلسفة: اليونانية والإسكندرية والصابئية والمسيحية والإسلامية: تأريخ الفلاسفة النصارى والصابئة.
ولنواصل –في هذه الدردشة– مقاربتنا التأويلية: أبو سليمان السجستاني: الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، وكتابه: “صوان الحكمة”.
بداية تأريخ الفلسفة الإسلامية
بدأ الفيلسوف أبو سليمان السجستاني بالتأريخ للفلسفة الإسلامية بحنين ابن إسحاق وإسحاق ابنه، وهما من النصارى (راجع ج 77)، ثم بالكندي فيلسوف العرب وأول الفلاسفة المسلمين، وينتهي بأبي سليمان المقدسي الذي ينسب له تأليف “رسائل إخوان الصفا”.
أبو يوسف ابن يعقوب الكندي
الكندي: أول من تخرج من المسلمين في الفلسفة
“أول من تخرج من المسلمين في الفلسفة وسائر أجزائها، وفي الرياضيات وما يتعلق بها، سوى تبحره في علوم العرب، وبراعته في الآداب بين النحو والشعر وأحكام النجوم والطب وضروب من الصناعات والمعارف التي قلما تجتمع معارفها في إنسان واحد”. “وفهرست كتبه يزيد على دست كاغد (ملازم أوراق كثيرة) مثنى”. “وكان أستاذ أحمد بن محمد المعتصم، وباسمه عمل أكثر كتبه، وإليه كتب تحل رسائله وأجوبة مسائله”.
الكندي صاحب طريقة جديدة
“وهو أول من أحدث هذه الطريقة التي احتذاها بعده من جاء من الإسلاميين. وإن كان قد تقدمه من ارتفع اسمه وحسنت حاله في أيام المأمون من الذين كانوا جلّهم نصارى. وتصانيفهم يجري الأمر فيها على الرسم القديم”.
اشتهار كتب الكندي في عصر السجستاني
“ولاشتهار كتبه ورسائله وتداول الأيدي لها وسعة وجودها في كل موضع، لم استقص بطلب النكت واستخراجها منها على العاثرة بأمثالها، إلا اليسير الذي لم أجد بدًا من تزيين هذا الكتاب (يعني صوان الحكمة) به”. ولو كان السجستاني يعلم أن أكثر هذه المؤلفات للكندي سوف يضيع ويفقد على مر الزمان لأتحفنا بمزيد من آراء الكندي، ولزين كتابه بمزيد من نكت كتبه ورسائله، مثلما فعل أبو سليمان حين نقل رسالة الكندي المسماة: “رسالة الكندي إلى بعض إخوانه في الأمراض البلغمية العظام”، إذ رسم له “علة المرض المسمى بالصرع”. ولقد تغير الزمن فلم يصل لنا من كتب فيلسوف العرف إلا أقل القليل، وقد كانت في عصر السجستاني، في القرن الرابع الهجري، “تتداولها الأيدي” ولها “سعة وجود في كل موضع”! فما أعجب ما يفعله الزمن في الكتب وكاتبيها معًا!
ثم ينقل عن الكندي نكتًا وأقوالًا من بعض رسائله الفلسفية والطبية. ومن أقواله:
الله يعلم الجزئيات: “بعد عن الحق بعدًا كثيرًا من ظن أن العلة الأولى لا تعلم الجزئيات”.
كتب الحكمة أعياد النفوس: وقال الكندي: “النظر في كتب الحكمة أعياد النفوس الناطقة”.
ثم ذكر السجستاني من تلاميذ الكندي:
أحمد بن الطيب السرخسي
أحمد بن الطيب السرخسي تلميذ الكندي: ويقول عنه السجستاني: “كان من تلامذة الحكيم أبي يوسف يعقوب بن إسحاق والمختصين به”.
الأفعال الاختيارية والطبيعية والبهيمية: ومن أقواله: “الأفعال التمييزية واقعة بإرادة المختار، والأفعال الطبيعية سواء في ذي التمييز والبهيمة. والعادة أرذل من الطبيعة. فالعادة إذًا من الأفعال البهيمية. فقبيحٌ بمن له الفضل النطقي أن تكون عادته أغلب عليه من التمييز”.
الحسن بن إسحاق بن محارب القمي
افتخار ابن العميد به: “ذكروا أن الرئيس أبا الفضل ابن العميد يفتخر بابن محارب ويقول: لو لم يخرج من بلدنا، يعني: قمًا، سواه لكان كافيًا”.
أبو عثمان سعيد بن يعقوب الدمشقي
“هو من متقدمي الأفاضل ونقلة كتب الأوائل، ومن له السبق في ذلك حنين وابنه وثابت بن قرة الحرّاني”.
أبو الحسن محمد بن يوسف العامري
الفيلسوف التام الذي شرح كتب أرسطو وشاخ فيها: “تفلسف بخراسان. وقد قرأ على أبي زيد أحمد بن سهل البلخي، وسيذكره الساوي في “تتمة صوان الحكمة” وقصد بغداد وتصدر بها وإن لم يرض أخلاق أهلها. وعاد وهو فيلسوف تام. وقد شرح كتب الحكيم أرسطوطاليس وشاخ فيها”.
كتاب العامري “الأمد على الأبد”: “وهذا فصل من كتابه الملقب بـ”الأمد على الأبد”، ذكر فيه تصانيفه، فأتيت به على وجهه”.
كتاب العامري النّسك العقلي: “وقال في آخر الكتاب المسمى: “النسك العقلي”.
ظهوره منع من إدراكه: وقال في بعض كتبه في صفة الباري: “ظهوره منع من إدراكه، لا خفاؤه. انظر إلى الشمس هل منعك من مقابلة قرصها إلا سلطان شعاعها وانتشار نورها!”.
أبو سليمان محمد بن طاهر بن بهرام السجزي أو السجستاني
السجستاني الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة: يؤرخ لنفسه أو –وهو الأرجح– يؤرخ له الساوي راوية ومختصر كتابه “صوان الحكمة”: “كان قديم الدرس للفقه أيام الشبيبة، متمسكًا بطريق العفاف والسداد”. “صحب أبا جعفر بن بابويه ملك سجستان”. ويروي عنه تلميذه أبو حيان التوحيدي أنه رآه في المنام “كأنه غائص في النور، على غير سحناته التي كنت أراه في حياته عليها”.
أبو جعفر بن بابويه ملك سجستان الحكيم: قال أبو سليمان السجزي وكان زينة مجلس الملك: “كان الملك أبو جعفر قويًا في علم السياسة، ثم يتصرف في غيرها ببصيرة حسنة. وكان آخذًا نفسه بجوامع السياسة مع المروءة الظاهرة والعفاف الغالب وضبط النفس عند عارض الهوى. ولا أقول إنه شاعر إلا من جهة النظم والوزن والقافية، لكن أقول: هذا الحكيم، وكان يحفظ من كلام اليونانيين ونوادرهم وسيرهم وأحوالهم ما لم أر أحدًا عليه”.
ثم يأتي ذكر عديد من الحكماء: الأستاذ الرئيس أبو الفضل ابن العميد القمي– الحسن بن مقداد، ثم:
– أبو بكر الحسن بن كردة القومشي: “وكان كبير الطبقة في الفلسفة”.
– عيسى بن علي بن عيسى ابن الجراح الوزير: “كان كبيرًا في علوم الأوائل، جامعًا لفنون الفضائل. وكان مع توجهه في هذه العلوم له رأس مالٍ في علم الحديث وعلوم الإسناد، والمعرفة بالقراءات وسائر الآداب والمحاسن”.
– أبو علي عيسى بن زرعة البغدادي: “هو آخر من يُرتضى نقله لكتب الحكيم أرسطوطاليس البسائط والجوامع”.
– أبو تمام النيسابوري: “هو من فحول الحكماء والمبرّزين في هذه الصناعة (الحكمة) وله تصانيف كثيرة منها رسالة في “الحدود” ما صنف مثلها أحد”.
– أبو علي أحمد بن محمد مسكويه: من أعيان الزمان، وله تصانيف كثيرة مثل “الفوزين: الكبير والصغير” في علم الأوائل. وكتاب “ترتيب السعادات”، و”منازل العلوم”، و”تهذيب الأخلاق”، ورسالة “المسعدة”، وتعاليق حواشي الكتب المنطقية، وغير ذلك مما صنفه في جميع الرياضيات والطبيعيات والإلهيات والحساب والصنعة والطبيخ، مما هو متداول في الأيدي، يقرأ عليه في أيام مجالسه إلى غير ذلك من مصنفاته في الأدب، مثل كتابه “المستوفى في فن الشعر” المشتمل على حل المختار منه، وكتابه المسمى “تجارب الأمم وعواقب الهمم”، وجموعه الذي يسمّى “أنس الفريد”، وكتاب “جاويدان خرد (الحكمة الخالدة)”، وغير ذلك مما يطول شرحه. هذا مع البلاغة الجيدة، والخط الحسن، ولطف الصنعة. وإياه قصد أبو حيان التوحيدي بمسائله التي يسميها “الهوامل”، فأجابه عنها بالأجوبة التي سمّاها “الشوامل”.
أبو سليمان المقدسي: “له الرسائل الإحدى والخمسون المسماة “رسائل إخوان الصفا” وكلها مشحونة بالأخلاق وعلم الألحان. وهي موجودة فيما بين الناس، قد تداولتها الأيدي. لكني ذكرت هاهنا فصولًا يسيرة، على الرسم في أمثالها. وبه نختم الكتاب (يعني كتاب صوان الحكمة)”. وهو أقدم خبر لدينا عن مؤلف هذه الرسائل وبه يختم كتاب “صوان الحكمة”. وكذلك يختم الساوي مختصره لصوان الحكمة: “هذا ما وعدنا من الاختصار من كتاب “صوان الحكمة”. ويتلوه كتاب “تتمة صوان الحكمة” بعون الله وحسن توفيقه. والسلام!”.
أقوال وحكم ونوادر للفلاسفة:
– أبو الخير الحسن بن سوار بن بابا بن بهنام – أبو النفيس (كان أحفظ الناس لنوادر الفلاسفة وفقرهم ولمحهم) – ابن السوار – أبو القاسم الأنطاكي المعروف بالمجتبي – أبو زكريا الصيرمي – طلحة النسفي – نظيف الرومي – وهب بن يعيش الرّقي – علام زحل – ابن بيلس – البديهي (الذي صحب يحيى بن عدي دهرًا طويلًا) – النوشجاني – أبو محمد العروضي.
الرازي والفارابي: ولم يذكر السجستاني سيرة محمد بن زكريا الرازي الطبيب (توفي 315 أو 320ه)، ولا ذكر اسمه، بل أغفله وتجاهله تمامًا. أما الفارابي، الذي توفي عام 339ه، فقد اكتفى السجستاني بذكره كراوية لحكم الفلاسفة السابقين مع أنه وصفه بـ “المعلم الثاني قدس الله روحه”! وذلك في معرض حديثه عن المعلم الأول أرسطو. “قال المعلم الثاني أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي –قدس الله روحه!– في بعض كتبه: “ما فرّط أرسطوطيلس (هكذا ورد اسم أرسطو) في وضع المنطق. ولقد محض النصيحة، وانفرد به كمال الفضيلة وبان من جلالة قدره وجزالة رأيه فيه ما ذلت له الرقاب، وخضع له أولو الألباب، وأقرت الألسن له بالعجز عن لطيف ما أتى به ودقيق ما أرى، وبديع ما ألف، وغريب ما صنف، حتى صار في الناس علمًا، وعليهم حكمًا”. وقد توفي الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة أبو سليمان السجستاني بعد عام 391ه.
خلاصة تأويلية لتأريخ السجستاني العالمي للفلسفة: صورة تأريخ الفلسفة عند الإسلاميين:
“صوان الحكمة”، أي “خزانة الحكمة”. اسمٌ على مسمى، فهو بالفعل يعد كتابًا “جامعًا” و”خزانة” كبيرة لتأريخ عالمي للفلسفة: اليونانية والإسكندرية والصابئية والمسيحية والإسلامية و”نماذج” من تأريخ أبي سليمان السجستاني للفلاسفة والفلسفة حتى عصره، القرن الرابع الهجري. وعلينا تجاوز الدقة التاريخية (أحيانًا، في بعض الروايات)، فهي لا قيمة لها هنا، أعني في هذا التأريخ التأويلي، لأننا إذا أردنا أن نحدد صورة الفلسفة والفلاسفة كما وصلت إلى الحضارة الإسلامية، وهي مهمة في غاية الأهمية، فلإعادة تأويل الفلسفة الإسلامية ذاتها، تلك الفلسفة التي أوّلت ما وصل إليها من أخبار وأقوال فلاسفة اليونان وفقًا لحاجتها هي الحضارية، وبنت عليه وأبدعت فلسفتها الخاصة بها، ولذلك وصفناها بـ”التأريخ” ولم نصفها بـ”التاريخ”، فمهمة تحري الدقة الزمانية هي مهمة المؤرخ الغربي والمستشرقين وتلاميذ المستشرقين من العرب، وليس مهمة المؤرخ الوطني المؤول لكل فكرة لمصلحة حضارته، وما يتفق منها ويشترك مع الحضارات الإنسانية الأخرى، إذ كلها: حضارة العقل الواحد، رغم اختلاف التأويل والتوظيف الخاص بكل حضارة على حدة، وتأريخ العقل الفلسفي يعني استكشاف اللا زمني المتعالي في سياق الزمني المادي، والخالد الأبدي في سياق المتغير الفاني.
في الدردشة القادمة –بإذن الله– نستكشف نوعًا آخر من فلسفة التأريخ الفلسفي في الحضارة الإسلامية. سوف نبدأ رحلتنا التأويلية مع حنين ابن إسحاق وكتابه: “نوادر الفلاسفة”: حوار الحضارات بين فلاسفة الأمم.
مقالات ذات صلة:
الجزء الرابع والسبعون من المقال
الجزء الخامس والسبعون من المقال
الجزء السادس والسبعون من المقال
الجزء السابع والسبعون من المقال
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا