العقل ومدارس الفلسفة الإسلامية .. الجزء السابع والسبعون
المدرسة المشّائية: (75) أبو سليمان السجستاني: الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، وكتابه: "صوان الحكمة" [12] تأريخ عالمي للفلسفة: اليونانية والإسكندرية والصابئية والمسيحية والإسلامية: تأريخ الفلاسفة الإسلاميين: النصارى والصابئة

تحدثنا –صديقي القارئ صديقتي القارئة– في الدردشة السابقة، عن أبي سليمان السجستاني: الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، وكتابه: “صوان الحكمة” [11] تأريخ عالمي للفلسفة: اليونانية والإسكندرية والصابئية والمسيحية والإسلامية: من فلاسفة اليونان إلى فلاسفة الإسكندرية.
ولنواصل –في هذه الدردشة– مقاربتنا التأويلية: أبو سليمان السجستاني: الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، وكتابه: “صوان الحكمة”.
من تأريخ الفلاسفة النصارى
يعد السجستاني فلاسفة النصاري ضمن فلاسفة المسلمين ويؤرخ لهم باعتبارهم فلاسفة إسلاميين: حضارةً وثقافةً.
يحيى النحوي السكندري
صورة يحيى النحوي (يوحنا فيليبوس جراماتيكوس 490– 566 م) عند المسلمين:
روى السجستاني في تأريخه الفلسفي “صوان الحكمة” كثيرًا من الروايات الواردة في تاريخ الطب عن يحيى النحوي وخصوصًا من كتابه المسمى “المحب للتعب”.
ويقول السجستاني عن يحيى: “أول من رؤى في ابتداء الإسلام في أيام عثمان ومعاوية، رضي الله عنهما، اشتغل بكتب الأوائل وتبحر في الفلسفة والطب. وقد طب لهما وخدمهما. ومنه –فيما أقدر– قد أخذ خالد بن يزيد بن معاوية القليل الذي كان له من مطالعة هذا الشأن”.
والتأويل التأريخي لهذ النص، غير الدقيق تاريخيًا، هو: إثبات الصلة بين فلاسفة الإسكندرية وفلاسفة المسلمين وربط الفلاسفة النصارى وعدهم ضمن فلاسفة المسلمين.
اضطهاد النصارى ليحيى النحوي بسبب شرحه لكتب أرسطو:
يقول السجستاني: “وكان نصرانيًا. فنقم عليه النصارى خوضه في شرح كتب الحكيم أرسطوطيلس (أرسطو) المنطقية والطبيعية منها خصوصًا. وهموا في بابه بأنواع من الاضطهاد له، إلى أن أظهر لهم مخالفته في أصوله، وتفادى منهم بعمل كتابه الذي يرد فيه على الحكيم وينقض مذاهبه، وبالكتاب الذي عمل في الرد على أبروقلوس”.
كتاب يحيى النحوي “في الرد على أبروقلوس في أبدية العالم”:
ولكتاب يحيى النحوي “في الرد على أبروقلوس في أبدية العالم”، الذي يشير إليه السجستاني، أهمية كبرى في تأييد دعوى خلق العالم في الزمان عند الفلاسفة المسلمين. وقد ترجم هذا الرد إلى العربية، ودافع ابن الخمّار (توفي بعد 407 هـ) برسالته: “في أن دليل يحيى النحوي على حدوث العالم أولى بالقبول من دليل المتكلمين أصلًا”. وهذا دليل على مدى انتشار حجج برقلس ورد يحيى النحوي عليها في العالم الإسلامي.
حنين بن إسحاق وإسحاق ابنه
الفلسفة الإسلامية يدخل ضمن تأريخها الفلاسفة النصارى أيضًا
رغم أن حنين ابن إسحاق (توفي 260 ه تقريبًا) وابنه إسحاق بن حنين (توفي 291 ه) من النصارى إلا أن أبا سليمان السجستاني يعدهما “من متقدمي فلاسفة الإسلام”، فيقول عنهما: “هما من متقدمي فلاسفة الإسلام ونقلة الكتب الكثيرة إلى اللغة العربية: من الطب والفلسفة والرياضيات. ولشهرتهما واستفاضة أخبارهما لم أقتصّ شيئًا منها”.
وهذه هي رحابة الفلسفة الإسلامية، واستيعابها لأهل العقل، بصرف النظر عن الدين أو القومية، وتلك هي سعة الأفق الحضاري عند فلاسفة المسلمين الأولين في قبول الغير المخالف لهم في الدين.
أبو زكريا يحيى بن عدي
يحيى بن عدي (توفي في سنة 364 ه/974م، وهو في سن الواحد والثمانين) أستاذ المشتغلين بعلوم الأوائل: شيخ أبي سليمان السجستاني نفسه. وقد اجتمع به في بغداد وأخذ عنه كما روى ابن أبي أصيبعة، وكان السجستاني يقول عن يحيى بن عدي –كما يروي التوحيدي– “شيخنا يحيى بن عدي”. ويقصد أنه أستاذه في علوم الأوائل، “الذي قرأ عليه كتب يونان، وتفسير دقائق كتبهم بغاية البيان”. كما كان يحيى بن عدي أستاذ جماعة المشتغلين بعلوم الأوائل البارزين في القرن الرابع الهجري، مثل: ابن زرعة، وابن الخمّار، وابن السمح، والقومسي، ومسكويه، ونظيف النفس الرومي، وعيسى بن علي، وأبي الحسن العامري. وأربعة منهم كانوا من كبار المترجمين لكتب الأوائل من اليونانية أو عن السريانية، وهم: أبو علي عيسى بن زرعة، ونظيف النفس الرومي، وأبو الخير الحسن بن سوار المعروف بابن الخمّار، وعيسى بن علي (وهو المسلم الوحيد بينهم).
من الراسخين في الحكمة: يقول السجستاني أن يحيى بن عدي: “من العلماء الراسخين في الحكمة”.
من التأريخ لفلسفة الصابئية
الفلسفة الصابئية تدخل ضمن تأريخ الفلسفة الإسلامية كذلك
وحتى الصابئة يدخلهم السجستاني ضمن فلاسفة الإسلام، إذا فهمنا من معنى الإسلام المعنى الحضاري والثقافي، لا الديني والعقدي. ويذكر السجستاني من فلاسفة الصابئة: ثابت بن قرة، وأبا إسحاق، وأبا الخطاب الصابئين.
أبو الحسن ثابت بن قرّة الحرّاني
ثابت بن قرة (836– 901م): ويقول عنه السجستاني: “كان من الصابئة. وله سوى براعته في علوم الأوائل رأس مال كثير ورياسة عظيمة في الصابئة. وقد رأيت له عدة كتب مصنفة في مذاهبهم هي عمدتهم الآن وقد بلغ من جلالة قدره وعظم محله في العلم أن جعل كالمتوسط بين يحيى النحوي وبين برقلس، وله عليهما كلام طويل تشتمل على دسوت كاغد (ملازم أوراق كثيرة)”.
الملك أبو جعفر بن بابويه يفضل الحرّاني على الكندي: قال السجستاني: “اجتمعنا ليلة عند الملك أبي جعفر بن بابويه بسجستان. فجرى حديث فلاسفة الإسلام، فقال الملك: ما وجدنا فيهم، على كثرتهم، من يقوم في أنفسنا مقام سقراط، أو أفلاطون، أو أرسطوطاليس. فقيل له: ولا الكندي؟ قال: “ولا الكندي!، وثابت ابن قرة ألزم للقطب وأشد اعتناقًا لهذا الفن. ثم جميع الناس يتقاربون بعدهما، ولهما (يعني الكندي وثابت بن قرة) السبق”.
أبو إسحاق وأبو الخطاب الصابئان
المذاهب والمقالات والنحل والآراء: “قال أبو حيان: سمعت أبا إسحاق الصابي الكاتب يقول لأبي الخطاب، ابن عمه: اعلم أن المذاهب والمقالات والنحل والآراء وجميع ما اختلف الناس فيه وعليه كدائرة في العقل: فمتى فرض فيها قول وجعل مبدأ للأقوال انتهى منه إلى آخر ما يمكن أن يقال. فليس من قول إلا وقد قيل أو يقال. وليس من فعل إلا وقد فعل أو سيفعل، وليس من شيء يعلم إلا وقد علم أو يعلم. وهكذا في الظن والرأي وغير ذلك”.
أثر الوراثة والبيئة: “قال أبو الخطاب: هل للخواطر والألفاظ والآراء والمقالات نسبة إلى المزاج والطينة والهواء، وإلى العناصر بالجملة؟ قال: إن لها نسبة قوية وعلاقة شديدة ورباطًا متينًا إلى هذه الأمور التي تبطن فيه أو تطيف، أو تطل عليه. ولا سبيل مع ذلك إلى اتفاق الناس في حالٍ من الأحوال وسبيل من السّبل. ولو أمكن ذلك لوجد، فعلى هذا كل أحد ينتحل ما شاكله مزاجه ونبض إليه عرقه، ونزع إليه شوقه، وعجن به طينه، وجرى به بعد ذلك دأبه وديدنه”.
فصول في آداب الملوك وآداب الرعية: “وهذه عشرة فصول عملها أبو إسحاق الصابي، فيها للملوك آداب، وأتباعهم آداب، كتبها إلى عضد الدولة”. ومن هذه الفصول: “الملك محتاج من الناس إلى كثير، وهم محتاجون منه إلى واحد. ومن هاهنا وجب أن يوازن حلمه أحلامهم، ويوازي فهمه أفهامهم، وأن يعمهم بفضله”.
خلاصة: علينا أن ندخل الفلاسفة النصارى والصابئة ضمن فلاسفة الإسلاميين –كما فعل السجستاني– ونعيد النظر في كتابة تاريخ الفلسفة الإسلامية من جديد. وهذه ميزة أخرى من مزايا هذا الكتاب المهم: “صوان الحكمة” للفيلسوف ومؤرخ الفلسفة أبي سليمان السجستاني.
في الدردشة القادمة –بإذن الله– نواصل رحلتنا التأويلية مع أبي سليمان السجستاني وكتابه: “صوان الحكمة” [13] السجستاني مؤرخ الفلسفة: تأريخ عالمي للفلسفة: اليونانية والإسكندرية والصابئية والمسيحية والإسلامية: تأريخ الفلاسفة الإسلاميين: الفلاسفة المسلمين.
مقالات ذات صلة:
الجزء الرابع والسبعون من المقال
الجزء الخامس والسبعون من المقال
الجزء السادس والسبعون من المقال
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا