العقل ومدارس الفلسفة الإسلامية .. الجزء الخامس والسبعون
المدرسة المشَّائية: (73) أبو سليمان السجستاني: الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، وكتابه: "صوان الحكمة" [10] تأريخ عالمي للفلسفة: اليونانية والإسكندرية والصابئية والمسيحية والإسلامية: رأي آخر في ظهور الفلسفة في بلاد اليونان

تحدثنا –صديقي القارئ صديقتي القارئة– في الدردشة السابقة، عن أبي سليمان السجستاني: الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، وكتابه: “صوان الحكمة” [9] تأريخ عالمي للفلسفة: اليونانية والإسكندرية والصابئية والمسيحية والإسلامية: الحكماء الخمسة وأصحاب التجارب.
ولنواصل –في هذه الدردشة– مقاربتَنا التأويليةَ: أبو سليمان السجستاني: الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، وكتابه: “صوان الحكمة”.
رأي آخر في ظهور الفلسفة
لم يكن تأريخ الفلسفة وظهورها عند القدماء خاضعًا لرأي واحد، بل لأكثر من رأي، ويذكر السجستاني رأيًا آخر في تأريخه لظهور الفلسفة فيقول:
ثالس الملطي
“وقيل إن أول ظهور الفلسفة كان في زمن بختنصر. وأول من ابتدأ بها ونجّم كان ثالس الملطي هذا الذي ذكرنا”.
تنبأ طاليس بكسوف الشمس:
ثم يذكر قصة تنبأ طاليس بكسوف الشمس.
مدرسة طاليس: المدرسة الملطية التي أخذت عن المصريين
“وصار إليه جماعة فتتلمذوا له. ولم يكن قبل ذلك في بلاد اليونان شيءٌ من العلوم البرهانية. وإنما كانت حالهم كحال أمة العرب الجاهلية ليس عندهم إلا علم اللغة وتأليف الأشعار والخطب والأمثال والرسائل. إلى أن نجّم ثالس بالفلسفة، وكذلك علم الحساب والهندسة أخذوها عن المصريين”.
ظهور الشعر اليوناني قبل الفلسفة
“فأما وجود الشعر في أمة يونان فإنه ظهر فيهم قبل الفلسفة. وأبدعه وميروس (هوميروس) الشاعر، وهو عندهم بمنزلة امرئ القيس في العرب”.
“وثالس كان بعد أوميروس بثلثمائة واثنتين وثمانين سنة. فمن كون ثالس إلى ابتداء ملك بختنصر ثمان وعشرون سنة وأيام. وأمة اليونانيين نجمت بعد موسى عليه السلام، وإن الشعر بدأ فيهم قبل الفلسفة ثمانين من السنين. وأول فيلسوف كان منهم في سنة تسعماية وإحدى وخمسين من وفاة موسى عليه السلام. وهذا ما خبر به يوزبيس (يوسبيوس) في كتابه الذي رد فيه على هيروقلس فيما ناقض الإنجيل (يقصد كتاب يوسبيوس “ضد هيروقليس)”.
ظهور طاليس وديموقريطس وأناكساغوراس وأبقراط
“وذكر فرفوريوس أن ثالس (طاليس) ظهر في سنة ثلاث وعشرين ومائة من ملك بختنصر، وغلب خسرو بن دارا على مدينة أثينية من اليونانيين والروم. وفي زمانه كان ما خلا النبي عليه السلام، وظهر في بلاد فلسطين، ونجم في زمانه ديمقريطيس وأنكساغورس في بلاد اليونانيين بالفلسفة. وفي زمان ملك أردشير ظهر ديمقراط وأبقراط. وشهر أبقراط بالطب”.
ظهور الكتابة اليونانية وأول من وضع الكتابة أهل مصر
“وفي ملك دارا بن أردشير عرف اليونانيون كتابتهم التي هي على أربعة وعشرين حرفًا، لأنه لم يكن لهم قبل ذلك إلا ستة عشر حرفًا. ذلك أن قدمس وأضون، اللذين من مصر، جاءا إلى مدينة أثيناس (أثينة)، وحملا معهما ستة عشر حرفًا، وهي التي كان اليونانيون يكتبون بها أولًا، وهذه تسمى حروف فونيقية (فينيقية). ومن بعد ذلك وجد فالاديميس أربعة أحرف أخرى. ومن بعد ذلك وجد سيمونيدس أربعة أحرف أخرى”.
“ويقال إن أول من وضع الكتابة أهل مصر، ومن بعدهم أهل فونيقية، وهي التي جاء بها أولًا قدموس إلى ما هناك ثم من بعدهم اليونانيون”.
“وفي ذلك الزمان ولد أفلاطون. وفي سنة ست عشرة من ملك أردشير بن دارا كان أفلاطون متعلمًا تلميذًا لسقراط. ثم اغتيل سقراط بالسم ومات، بعد أن مهر أفلاطون في الفلسفة وقام مقامه. وفي أول سنة من ملكه ولد أرسطوطاليس. ونجّم فيثاغورس في زمان دارا الثاني”.
كيف وصلت كتب الفلسفة والحكمة إلينا؟
“قال: وقد افتتح ملوك فارس كورا لليونانيين في الروم (آسيا الصغرى) وغلبوا على مدائن كانت معادن لكتبهم التي تشتمل على الفلسفة والحكمة، كالجزيرة، والشام، ومصر وقسطنطينية وغيرها من البلدان. فأخذوا ما كان فيها من كتب الحكماء: بعضها بالقوة وبعضها بالهدية. وأما كتب النجوم والهندسة والعدد والموسيقى والطب والحيل فأهداها غورديانوس ملك الروم أشابور بن أردشير الملقب بذي الأكتاف”.
ذكر تواريخ الأطباء وكتاب يحيى النحوي “المحب للتعب”
بعد أن تحدث السجستاني عن بدايات علم الموسيقى واختراع العود وتأليف اللحون، وعلم النجوم وعلم المساحة والهندسة وعلم الحساب وإسهامات الأمم المختلفة مثل بابل ومصر والشام قال: “ولما كانت صناعة الطب من فروع العلم الطبيعي وكثر استعمال أهل زماننا لأحد قسميه المنسوب إلى يونان، دون القسم المنسوب إلى الهند حتى صار كالملغي المستغنى عنه، وجب ذكر طرف من تواريخ الأطباء اليونانيين، ولخصلة أخرى وهي دخول أخبار جماعة منهم معدودين في جملة أهل الفضل والحكمة في أثناء من نريد أن نقص أخبارهم ونحكي المستحسن من نوادرهم: فلاسفة وحكماء”.
فرق الأطباء ومناهجهم: التجربة، القياس، الحيلة وكيف ظهر الطب في العالم
ويذكر السجستاني أن: “الأطباء على فرقتين: إحداهما تدعي أن الله تعالى ألهم الناس صناعة الطب، والأخرى تدعي أن الناس استخرجوها. والله أعلم. لكنني اعتمدت من بين جملة التاريخات على تاريخ يحيى النحوي، وهو الذي يسميه الناس “المحب للتعب” لأن ما قاله أصح ما قيل فيه وأقربه من النظام. وقد أدخلت أنا في ما قاله ذكر كثير من كان في عصر كل واحد من الفلاسفة، ليكون ذلك أتم وأكمل”.
رواية السجستاني عن كتاب “المحب للتعب” ليحيى النحوي الإسكندراني
قال يحيى النحوي الإسكندراني: “أول من ظهر الطب بمدينة قو، على ما تناهى إلينا في الكتب المكتوبة والأحاديث المشهورة من العلماء الثقاة بذلك، هو أسقلبيوس من مدينة قو (كوس). وهي مدينة بقراط (أبقراط) الذي استخرج الطب بالتجربة. وكان بينه وبين ظهور جالينوس خاتم الأطباء ثمانية أطباء”، “وكان كل واحد من هؤلاء ينتحل رأي أستاذهم أسقلبيوس، رأي التجربة، إذ كان الطب إنما خرج بالتجربة”، “فلما ظهر “منيس” نظر في مقالات من تقدم، فإذا التجربة خطر عنده، فضم إليها القياس وقال: ليس يجب أن تكون تجربة بلا قياس، لأنه تكون على خطر”، ثم ظهر “برمانيدس” فقال إن التجربة، وحدها كانت أو مع القياس، فهي خطر. فأسقطها، وانتحل القياس وحده. فلما مات خلف من التلاميذ.. وافترقوا ثلاث فرق. وادعى “أقرن” التجربة وحدها، وادعى “ذيوفليس” القياس وحده، وادعى “ثاسلس” الحيل، وذكر أن الطب إنما هو حيلة. فلما ظهر فلاطون (أفلاطون الطبيب) ونظر في المقالات علم أن التجربة وحدها رديئة خطر. والقياس وحده لا يصح. فانتحل الرأيين جميعًا، وأحرق الكتب التي ألفها ثاسلس ومن انتحل رأيًا واحدًا: من التجربة، أو القياس. وترك الكتب القديمة التي فيها الرأيان جميعًا.
وهذه إحدى المزايا الكثيرة لكتاب “صوان الحكمة”، الذي يعرفنا عن طريقه الفيلسوف المسلم ومؤرخ الفلسفة: السجستاني بكثيرٍ من المصادر الإسكندرانية المهمة لتأريخ الفلسفة والطب (مثل يحيى النحوي). كما يرسم لنا صورةَ “تأويلية” لتأريخ الفلسفة والطب، كما عرفها الفلاسفة المسلمين، ولا تهم الدقةُ التاريخيةُ، فليبحث عنها المؤرخون الخُلَّص كيفما شاؤوا، بل المهم التفاعل الحضاري والصورة “التأويلية” لانتقال الفكر الفلسفي الحضاري بين الأمم، وكيف تلقف الفلاسفة المسلمون نتاج الحضارات الأخرى استيعابًا وهضمًا وتأويلًا وإضافةً حضاريةً وإبداعًا جديدًا عليه.
في الدردشة القادمة –بإذن الله– نواصل رحلتنا التأويلية مع أبي سليمان السجستاني وكتابه: “صوان الحكمة” [11] السجستاني مؤرخ الفلسفة: تأريخ عالمي للفلسفة: اليونانية والإسكندرية والصابئية والمسيحية والإسلامية: من فلاسفة اليونان إلى فلاسفة الإسكندرية.
مقالات ذات صلة:
الجزء الثاني والسبعون من المقال
الجزء الثالث والسبعون من المقال
الجزء الرابع والسبعون من المقال
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا