التائهون في الدهشة

يكاد موقف فرعون في الأحداث التي مر بها كلها، من لحظة ما جاءه نبي الله موسى عليه السلام برسالته وحتى ساعة الغرق، يكاد يتشابه تمامًا مع موقف الدولة الصهيونية الآن، في صراعها مع المقاومة في غزة، التي هي بالفعل تعد الآن تاريخيًا الكود الرمزي للشرق كله.
أما كيف كان ذلك التشابه؟ فسنرى!
سنعرف أولًا أن حالة سيدنا موسى، من وقت ما جعله الله من المرسلين، كانت قد ظهرت لها مقدمات مبكرة أمام مجتمع النخبة الحاكمة في مصر وقتها، ويبدو أنه كان هناك كثير من المواقف الساكتة والناطقة مما يشير إلى ذلك، وينذر بأن أمرًا غير عادي على وشك الحدوث.
كان الموقف كما تخيله فرعون ومستشاروه وقتها لا يزال تحت السيطرة، حتى وصلت الأمور إلى الموقف الأعظم في تلك المواجهة، موقف السحرة وتحولهم المفاجئ والفوري من الكفر والشعوذة إلى الإيمان والتسليم، ولو تمهل فرعون قليلًا وناقشهم واستمع منهم، لكان من الممكن أن يكون موقفه غير ما كان.
لكن الرغبة العارمة في الانتقام سيطرت على تفكيره تمامًا، وسيصبح مثل الضبع الجائع الخؤون، وفورًا كان الانتقام، وفورًا كان العقاب.
وأي عقاب؟ تقطيع الأيدي والأرجل والتعليق على النخيل، طبعًا للردع ونشر الخوف أمام الجماهير التي رأت بنفسها كل ما يدعوها للإيمان بموسى ورسالته.
فرعون عرف وتيقن أين تكون الحقيقة، ليس هذا فقط، بل وإنها لهي الآن سيدة الموقف كله، من النبي موسى وآياته، للسحرة ذوي النظر والعقل، للجو العام الذي كانت عليه الجماهير المندهشة التي كانت تشاهد، وكادت أن تشهد، لولا مشهد النخيل المريع.
ولو تريث قليلًا فعلًا، لكانت تلك ساعة حظه الأسعد في الدنيا والآخرة، لكن الله خلق البشر منهم مؤمن ومنهم كافر، ولنا في موقف نبي الطوفان عليه السلام، عظة عميقة، لنفهم أن هناك فارقًا كبيرًا بين علم المخلوق وعلم الملك الخلاق العليم الله.
ويقول لنا الأستاذ العقاد: اقتراحات الإنسان على الكون! كاقتراح جزء صغير على كل كبير، مثله مثل اقتراح الحجر الذي يريد أن يدخل الجدار في الوسط أو في الزاوية، كاملًا أو مكسورًا!
والإنسان قرين الزمن، لا قرين الأزل والأبد. نحن محض قصة قصيرة عابرة بسرعة، في مشهد كبير وعظيم.
الحاصل أن فرعون جهز نفسه لمطاردة سيدنا موسى، الذي كان قد غادر شرقًا ومن آمن معه من بني إسرائيل، لكن فرعون سيصر إصرارًا غريبًا على إدراك نهايته بأقدامه، وبهمة كبيرة وقصوى مثل همّة نتنياهو بالتمام والكمال.
لا بد من هزيمة حماس، عفوًا! لا بد من هزيمة النبي موسى، وانطلق بعرباته الشهيرة خلفه إلى نهايته المحتومة!
يقولون أن الحق دائمًا يأتي، وتأتي معه أنواره التي تنير طريق الوصول لمن أراد صادقًا مخلصًا، والباطل كذلك يأتي، وتأتي معه ظلماته التي تظلم طريق من يسير مستكبرًا معاندًا، فيدلهم ويحتار ويتخبط.
ولآخر لحظة، وفي آخر مواجهة، ستتجسد ساعة السحرة مرة ثانية أمام فرعون، وينشق البحر ويظهر في منتصفه طريق يابس، وسيسير فيه سيدنا موسى ومن معه.
وبكل استكبار تاريخي سيقتحم فرعون بعجلاته الطريق نفسه، الذي كان من دقائق قليلة مجرى ماء أمام عينه.
ألم يكن هناك من قادة جيشه من يقول له: ارجع يا حمار؟!
كم عدد المرات التي سمع فيها نتنياهو هذه النصيحة من كبار القادة العسكريين السابقين في إسرائيل سياسيين وأمنيين؟
قادة نابليون بونابرت قالوا له ذلك في حصار عكا الفاشل، بعد أن اكتشفوا أن القصة ليست قصة قلعة وحصار، ورغم كل ما كان في نابليون من دراماتيكية نفسية وتاريخية استمع لهم، وأعلن أن الحملة حققت أهدافها وحان الوقت للرجوع إلى فرنسا.
من الأيام الأولى لـطوفان الأقصى وظهر لـلدولة الصهيونية أن الموضوع ليس مثل ما سبقه من مواضيع الضياع الضيوعة، التي عرفوها سابقًا في الصراع مع العرب، طوال السبعين سنة الماضية.
من ينسى مشهد موشي ديان وهو يتجول في شوارع القدس بعد الهزيمة إياها، مشمرًا أكمامه والبيريه في الكتافات، وبجانبه إسحق رابين بأنفه المعكوف الشامخ، وهو يستعرض صدره، ويتصنع في مشيته مختالًا فيها، كأحد أبرز قادة جيوش الإسكندر.
لقد صنعوا عدوهم، ثم انتصروا عليه، ثم احتفلوا بنصرهم، وانتهت القصة.
لا يا خواجة، لم تنته القصة!
ذاك أنه ستنشق الأرض، من تحت أقدامهم أجمعين، عن ما سيعرف بعدها في التاريخ بـ”طوفان الحقائق”.
هناك شيء جديد الآن في ساحة الصراع الذي كان دائمًا محسومًا سابقًا قبل أي مواجهة، عن طريق التحليلات المخابراتية كلها.
ما هذا الجديد؟
داني ياتوم الثمانيني المعتق ورئيس الموساد الأسبق، كتب مقالًا مشهورًا في يديعوت أحرونوت في يناير 2024م قال فيه: “هناك قوة خفية تساعدهم وتحارب معهم منذ 7 أكتوبر، كأنهم يحاربوننا بالأقمار الصناعية”.
المقال رُفِع من الموقع، وقد يكون ذلك مفهومًا في حالة الاضطراب الإعلامي والنفسي الذي تعانيه إسرائيل من 7 اكتوبر. لكن التائهون في دهشتهم لدينا، ينفون تمامًا أن يكون الرجل قال ذلك.
هم أحرص من إسرائيل والغرب على ألا تنتصر الفكرة الكامنة في أعماق الرجال التي تخوض هذا الصراع.
بغض الطرف عن تفاهة الحاقدين..
علينا أولًا أن نضع تلك الجملة في سياقها التاريخي مع ما اكتشفه فرعون من لحظة إيمان السحرة ولحظة انشقاق طريق البحر. القصة ليست في حالة موسى وحده! هناك مدد ما، يأتي من جهة ما، لموسى.
نعم، إنه رب العالمين الذي يسمع ويرى، وهو ما أشار إليه كثير منهم، غير داني ياتوم أيها المشروخون المتصدعون.
يستطيع أي متابع لما يجرى الآن –من 630 يومًا في أرض الأنوار والعزائم– أن يتوقع أن الدولة الصهيونية وفي القلب منها الغرب/الأمريكي– حريصون الحرص كله على أن لا تخرج المقاومة منتصرة من هذا الصراع.
لماذا؟ لأن المقاومة أدخلت فيه أقوى بواعثه، البواعث الأولى لنهضة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، بواعث اليقين والإتقان.
وأستطيع أن أقول لكم إن مشهد المقاوم الذي رفع غطاء المدرعة بهدوء، وألقى فيها القنبلة بهدوء أشد، في خان يونس يوم الأربعاء الماضي 25/6، كان مزلزلًا لهم.
فأي يقين هذا وأي إتقان هذا؟ وصوت وصورة!
الروعة والاكتمال في حالة حماس والمقاومة في غزة أنها كانت عُمَرية النهج والتخطيط والتنفيذ والترقب، إنها القوة والترتيب والثقة والتوقع.
كان مسلكه رضي الله عنه: نعد لكل أمر قرينه، ونفر من قدر الله إلى قدر الله، ولو كان الحذر لغوًا لما أمرنا به.
وهو النهج الذي فرضه طوفان الأقصى على مستقبل الإصلاح في الشرق كله، وهو ما كان ينقص كثيرين في حقيقة الأمر، ناهيك بخلق الصدق والتجرد، والترفع عن الدنيا والدنايا.
هذه المعركة ليست معركة بطل واحد، هذه معركة أبطال، والمدهش فعلًا أن عنفوان المقاومة زاد كمًا ونوعًا، بعد انتقال قادتها الكبار. لقد فنى الجميع في الجميع، وأصبح الكل في الواحد، والواحد في الكل.
وذلك كله أصلًا مؤسسًا تأسيسًا راسخًا صلبًا، على حق اليقين بكل ما جاء في التنزيل العزيز، عن موضوع الصراع بين الحق والباطل.
والتائهون.. تائهون، في دهشتهم يعمهون.
مقالات ذات صلة:
غزة وصبر استراتيجي .. من التراب للسحاب
إسرائيل تخسر أكثر بكثير من الفلسطينين
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا