فن وأدب - مقالاتمقالات

معضلة الثعالب

“نظر الثعلب للثعلبة نظرة ذات مغزى لا يفهمها أحد! ثم استدار موجهًا حديثه الناصح للضغابيس الصغار، فبدأ نصائحه لهم بألا يصدقوا أي نصيحة من ثعلب!

تلك كانت بداية معضلة الثعالب فالتوقعات مخيبة! والمنطق مراوغ! والدهاء هو الأصل والأساس!

خداع الحمير سهل وممهد لكنه غير ممتع لعدم وجود تحديات! فلا تهدر وقتك في خداع الحمير، الحمير تتكفل بمعظم ذلك لنفسها! إبداعكم فقط في إقناعهم أنكم حمير أكثر منهم! وأنهم الثعالب الحقيقية!

ضعوا أقنعة ثعالب! تلك خدعتنا التقليدية المبالغ فيها! تظن الغابة أن الأرانب أو الحمير تختبئ خلف أقنعة الثعالب! فتكون المفاجأة أن خلف قناع الثعلب ثعلب! مع الحمير كرروا الخدعة نفسها آلاف المرات بتعديلات سهلة بسيطة! سوف تنجح في كل مرة ليس لأنكم الثعالب، بل لأنهم الحمير!

لا تجددوا في حيلكم مع الأرانب الساذجة، فالقديم المُعاد من تلك الحيل يتكرر نجاحه دائمًا! لكن مللكم الشخصي قد يدفعكم أحيانا للابتكار والتجديد بتحفيز ذاتي كي لا تضعف حيلكم ويهمد ذكاؤكم نتيجة قلة الاستخدام! عليكم بالاقتصاد في استخدام الذكاء فلا تهدروا عبقريتكم مع الأغبياء! ولا تركضوا فيما يأتي به المشي! ولا تمشوا عندما تقوم الحيل البسيطة بإجبار الأرانب الساذجة نفسها على المشي نحوكم!

اضغط على الاعلان لو أعجبك

لا تقدموا إجابات مباشرة أبدًا، واجعلوا المراوغة أسلوبًا لحياتكم، ردوا على الأسئلة بأسئلة أصعب منها! ولا تتوقفوا بين حين وآخر عن طرح سؤال فلسفي لولبي عميق، يستفز الحمير إلى الغرق في بحار النهيق! مع ظنهم أنهم يقدمون الإجابات الأعمق في حين أنتم تتجهون نحو أهدافكم الخفية، يتناوب النهيق بينهم في صناعة الإلهاء الصوتي نيابة عنكم!

لستم في قوة الذئاب ودمويتهم وشراستهم، فتجاوزوهم بالخدع والحيل، تجدوا الأرانب تهرب منهم، وتركض نحوكم!

الود الزائف والتملق الهادف يحسّن دوركم كأصدقاء! وهو دور سهل وبسيط، فاجعلوا فرائسكم تظن بكم الود والصدق، ويكون الاكتشاف المتأخر لحقيقة ذلك وهم في بطونكم!

الخدع الذكية تقدم لكم معظم الفرائس بأقل مجهود للركض! فقط التركيز على المكر والمراوغة والدهاء! بهذه الأدوات يمكنكم إشعال الصراعات بين الأسود والأفيال! وزراعة الفتن بين الفهود والنمور! وضرب قيادات الغابة وزعاماتها بعضها ببعض، كي يسهل لكم التفرغ لانتزاع فرائسهم وجعلها فرائسكم!

استخدموا حيلكم اللغوية، جمل تحمل المعاني المتعددة “المتناقضة” أحيانًا! كي تستخدموا تفسيرها المناسب في الدفاع عن أنفسكم أو في إسقاط الآخرين!

فعندما يقول أحدكم هذه الجملة البسيطة، التي تبدو واضحة:

“قد يكون للخنازير تأثيرًا قويًا على عملية النظافة”.

“قد”: تفتح هذه الكلمة المراوغة أبوابًا متعددة للاحتمالات وآليات التراجع عنها أو تبديل معناها! و”تأثيرًا قويًا” غير محدد إيجابي أم سلبي! حتى “عملية النظافة” فكرة هلامية غامضة، وهناك أيضًا التلاعب بالدقة والصحة النحوية أو ترك خطأ متعمد مثل “تأثيرًا قويًا” والصحيح “تأثير قوي” فيكون هذا الخطأ “المتعمد” بابًا للنقاش من الطرف المقابل كأنه تصيد الخطأ فيضيع ويتشتت عن المعنى المقصود وهدفكم المراوغ! بتفاصيل لا قيمة لها! بل مخطط لها من جانبكم!

كما يمكنكم التلاعب المتكرر بتراكيب لغوية شائعة، “معضلة النمور المذهلة”، قد تكون المعضلة المذهلة أو النمور المذهلة! ويتطور الأمر في السياق المعقد لقصص تحتمل كثيرًا من الزوايا للرؤية! وإليكم المثال الكبير في القصة التالية:

“خرج للحمار “جني” “مننا”، من الثعالب، وأعطاه “ثلاث” أمنيات، فتمنى الحمار أن “يصبحوا أربعة”، فأتى الثعلب بديكين، ثم قال: لديك “ثلاثة”! لا أحد في الغابة يعرف ما حدث على وجه الدقة!”.

تستطيعون أن تقفوا عند كل كلمة وتقدموا لها أكثر من تفسير وعدد من التوضيحات المختلفة لتستخدموا كل واحد منها في الحالة التي تحقق مصالحكم وفق المعطيات المتغيرة!

سأوضح ذلك ببعض الأمثلة (على سبيل المثال لا الحصر) وأترك إبداعكم للزيادة وللتطوير! النص واحد، القراءة والتلاعب مختلف والتفسيرات لا نهائية! مع كل كلمة وكل تكوين وبكل جملة ومن المعنى الخاص والتفصيلي إلى المعاني العامة والإجمالية!

كما بالأمثلة التالية للكلمات والجمل:

خرج: تحتمل الخروج من منزل أو مبنى وتحتمل الخروج من قمقم أو مصباح أو ما شابه ذلك!

للحمار: أي أنه خروج خاص بالحمار ويستهدفه، أو خروج مصادفة! أو خروج المواجهة!

جني: واحد من الجن أو الجن الخاص بي “نسبة إليّ”!

مننا: نحن الثعالب أو نحن الذين ننتسب للثعالب!

وهكذا!

والتلاعب الأساسي في هذه القصة هو تلاعب بالسياق والاحتمالات المتعددة!

مثلًا “فتمنى الحمار أن يصبحوا أربعة” تحتمل أن تزيد الأمنيات من ثلاثة إلى أربعة وفي هذه الحالة إن وافق الجني فتكون الأمنيات الناتجة ثلاثة بعد أخذ أمنية في زيادة الأمنيات لأربعة! وإذا لم يوافق تظل الأمنيات ثلاثة أيضًا! كما كانت من البداية دون تغيير!

وقد يكون “فتمنى الحمار أن يصبحوا أربعة” أي أن يصبح الجني مع الحمار وبحضور كائنين إضافيين فيكون المجموع أربعة! ويكون الإتيان بديكين يحقق ذلك! ولماذا “ديكين”؟! وهل “لديك” تعني “لدى شخصك” أي مما يخصك أم تعني “إضافة اللام إلى ديك”؟!

احتمالات كثيرة وتأويلات متعددة وتشتيت متعمد ومراوغة تنتقي ما تريد وتجادل وتناقش بما يحقق المصالح الخفية!

يا ضغابيسي الصغار لا ضمير لديكم لكن يمكنكم دائمًا تفسير “الضمير” بطريقة مراوغة! الهاء تعود لمن؟! حتى لو كانت القواعد اللغوية واضحة يمكنكم دائمًا التلاعب بوجود خطأ ما أو سوء فهم!

يمكنكم دائمًا توضيح أن بالفهم خطأ ما وبخاصة لو بالقصة حمار! دائمًا يمكن “تحميله” كثيرًا! يمكن التلاعب اللغوي بين نكرة ومعرفة وتحديد المقصود أو غموضه هل هو “حمار”؟ أم “الحمار”؟ اللعب بالتباديل والتوافيق والاحتمالات المختلفة!

أظهروا الصداقة والصدق للجميع، ونفذوا ما يناسب مصالحكم فقط! ويمكنكم دائمًا التفريق بسهولة بين الحمير والثعالب المحتملة، فالثعالب قد تشك أحيانًا أنها حمير! أما الحمير فلديها يقين تام دائم بأنها الثعالب!

ضغبوسي العزيز، حاول إقناع الأرانب بأنك تطارد ذيلك! كي تنجح في إتقان اللف والدوران!

ضغبوسي المراوغ، بمستوى قليل من الذكاء في حيلك سوف تحترمك الغابة وتراك ذكيًا جدًا جدًا!

ضغبوسي العبقري، بمستوى مذهل من الذكاء سوف تراك الغابة غبيًا جدًا! فلا تهتم ولا تتأثر في الحالتين ولا تكشف عن أهدافك وخططك العبقرية لأحد مهما اتهمت بالغباء!

لا تحتاج إلى إثبات عبقريتك! فلا تنخدع وتغتر بالمدح على ذكاء بسيط يتخطى متوسط الغابة بقليل، كن نفسك وثق بنفسك! راوغ الآخرين ولا تراوغ نفسك! لا تهتم برأي الآخرين لكن عليك من وقت لآخر أن تتهم نفسك بالغباء! لا تقلد الحمار الواثق دائمًا، المتأكد أبدًا، المغرور طوال الوقت!

معضلة الثعالب عندما تلتقي بثعالب أخرى فتكون الحيل المتبادلة كلها مكشوفة ومعروفة للطرفين! فيحتاج الأمر إلى مجهود عبقري إضافي لتجاوز تلاعب الثعالب بالثعالب!”.

مقالات ذات صلة:

أمثلة معاصرة لقصة الثعلب مقطوع الذيل

نبل ولُؤم

معضلة الأرانب

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

م. أبو سفيان

مهندس وكاتب وفنان تشكيلي مصري، مدرب ومتحدث تحفيزي وصانع محتوى، باحث في الخطابة والتغيير الإيجابي والتطوير القيادي