فيلم درب المهابيل .. ورقة التوت التي كشفت خفايا النفوس

ورقة صغيرة تدخل الحارة فتقلبها رأسًا على عَقب، تُغير الطِّباع والأخلاق، وتهز المبادئ، وتزعزع مواقف البشر وتبُدلها، تُظهر حقيقة رغباتهم الدفينة المكبوتة داخل ذواتهم.
ورقة واحدة تستطيع أن تكشف وترفع الغطاء عن أستار النفس الإنسانية، تُعريها وتزيل الغشاوة عنها، وتهتك ما ظلت تعمل على تخبئته، حتى وإن بدا أمام الجميع وأمام مرآة النفس أن المبدأ ثابت لا يمكن أن يتزحزح أو يرضخ أمام المُغريات.
حارة نجيب محفوظ
في فيلم درب المهابيل قصة نجيب محفوظ، وإخراج توفيق صالح الذي شارك في كتابة الحوار مع جودة السحار، تبدو حارة نجيب محفوظ التي اعتدناها في أعماله القصصية والروائية بتفاصيلها المكانية، وبتوزيع شخصياتها واختلاف مشاربهم، بين شيخ صوفي يُسلِّم مقاديره لله، تقابله شخصية المومس المجبرة على الخطيئة من أجل توفير المال للعيش، هناك صاحب رأس المال وابنه اللاهي المُدلل الفاسد، وعلى الهامش شخصيات أخرى لا تتمتع بالثراء لكنها من الفئة المتوسطة مثل صاحب المطعم وصاحب محل الموبيليا وصاحب المقهى، هذه هي تنويعات شخصيات محفوظ المعروفة سلفًا، لذلك لم يبذل المخرج جهدًا لتعريف المشاهد بماضي كل شخصية أو خلفيتها بل يُلقيها كلها مرة واحدة أمام أعين المتفرجين.
لعنة المال
يبدأ المشهد التأسيسي في الفيلم بموسيقى البداية التي تمتد مع دخول الأحداث كأنها لحن طويل لا يُريد أن ينتهي، يتضارب بسرعة على الرغم من بطء المشهد نفسه، الذي يُعبر عن ضيق ذات يد الشيخ عزوز وعدم مقدرته على تجهيز ابنته خديجة «برلنتي عبد الحميد» وتزويجها لخطيبها طه «شكري سرحان»، ثم تأتي ورقة اليانصيب فيُنكرها الشيخ بداعي أن ذلك قمارًا، ويُنكرها آخرون لتوقعهم أنهم لن يحصلوا على الجائزة المقدرة بألف جنيه، وهو مبلغ ضخم بحساب زمن عرض الفيلم 1955م، لكن طه يقوم باستلاف «شلن» من صاحب محل الدراجات الهوائية الذي يعمل عنده، ويشتري الورقة آملًا في الربح، ثم يُهديها لخطيبته خديجة، ليقتسما أمنية الفوز بالمبلغ الذي سيُسهل لهما الزواج، لكنها تصطدم برفض الأب دخول ورقة «القمار» بيته، ويُقسم عليها أن تُلقيها، فتلتقطها يد طفل يعبث بها، ثم يرميها لتستقر في يد «أوفّا» الرجل المجذوب الذي يجلس مفترشًا الأرض بصحبة معزته «عزيزة» مكررًا لفظ الله حي.
شخصية أوفَّا
تعدُّ شخصية المجذوب في أعمال محفوظ شخصية أثيرة لا تنفك في الظهور في كثير من أعماله، وهي متربطة لديه بالجانب الصوفي، حيث الزهد في الحياة بمشتهياتها كلها والرغبة عن ملذاتها، وقد حمَّلَها محفوظ كثيرًا من فلسفته، وفي هذا الفيلم لا تبدو بعيدة عن المنظور السابق إلا في استشرافها للأحداث بعد فوز ورقة اليانصيب التي في حوزته بالجائزة.
يصير ذلك المجذوب الذي ينفر منه الناس، ويعتبرونه مجنونًا غنيًا فتتحول دفة الأحداث تجاهه، وترغب كل شخصية في التقرب إليه طمعًا في ماله، فالشيخ عزوز الذي كان يرى في هذا المال قمارًا وحرامًا ويستعيذ منه يتغير موقفه عندما يحصل عليه شخص لا يعبأ بالمال ولا بأي شيء من أغراض الدنيا، فتبدأ نظرته تلك في الذوبان والتلاشي ويعد ذلك المال فرصة لستر ابنته، وتجديد الزاوية.
تبدأ كل شخصية في ترك مكانها، أي موقفها من المال أو من المجذوب نفسه وتخطو خطوات نحوه، فابن الرجل صاحب محل العجلات «توفيق الدقن» يذهب للسطو على المال، طه نفسه كان يرى أنه الأحق بهذا المال لأنه صاحب الورقة في الأساس، صاحب محل الموبيليا وصاحب المطعم والقهوجي وحتى المومس سنية تتقرب إليه بجسدها –مع أنها لم تكن لتلقي بالًا لهذا المجذوب من قبل– كلهم ينتقلون إلى «كوخ أوفّا» حيث المال هناك، تجرُّهم غريزة الطمع وحب المال.
لكن ينتهي ذلك كله إلى اقتتال أهل الحارة، وهذه رمزية موجودة عند محفوظ دائمًا إذا كان بإمكاننا أن نعتبر الحارة رمزًا للدنيا، فأهلها يتقاتلون دومًا على مغانمها، وأهم تلك المغانم المال، ثم لا يصيبون شيئًا إلا الموت؛ موت صاحب محل الدراجات على يد ابنه، موت مبادئهم التي ظلت راسخة ما دامت الحياة تسير ولا يطفو على سطحها شيء مغاير لما هو معتاد، ثم موت حركة الحياة نفسها، فالمشهد قبل الأخير يصور الدكاكين كلها مغلقة، فالحارة في حالة موت وسكون بعدما كانت تشغي بالحركة والنشاط.
تطغى النظرة الفلسفية على صناع العمل فلا يتحول الفيلم إلى موعظة دينية جافة تؤكد حقارة المال الحرام بل تُفسح المجال للرمز فيموت صاحب محل الدراجات أكثرهم طمعًا، وقد مرر الفيلم لنا صفة أخرى له وهي البخل، فعندما كان رجال الحارة يسهرون في المقهى مرَّ رجل يصحب طفلًا، فأعطاه أغلبيتهم صدقة ما عدا هو أعرض عنه، ثم قُبض –في آخر الفيلم– على قاتل أبيه «توفيق الدقن» وقد زِيد على كونه شابًا مدللًا أنه الوحيد الذي استغل ظروف «سنية» المومس في حين أن الشيخ عزوز وشيخ الزاوية كانوا يدعون لها بالهداية والستر.
ثم يأتي المشهد الأخير الصامت ليؤكد تلك النظرة الفلسفية للمال الذي يأتي صدفة بلا كَد ولا عمل، فنرى «معزة أوفّا» تهرب مع قطيع من مثيلاتها، ونرى النقود وقد التهمتها الماعز، لتُوضع نقطة النهاية لهؤلاء المهابيل الذين سعوا وراء مالٍ لا يستحقونه، لكنهم عادوا إلى نفس النقطة إذ رجعت الحارة لما كانت عليه من ذي قبل من الحركة والنشاط.
مقالات ذات صلة:
نجيب محفوظ والسينما .. تبادل منافع أم خسائر؟
عندما يسير الإنسان على الطريق الخطر!
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا