فيزياء الصوت
يمكن واحدة من أكتر الظواهر الفيزيائية المهمة والمبهرة في طريقة عملها، واللي محدش فينا بياخد باله منها من كتر ما بنتعامل معاها في حياتنا اليومية، هي الصوت، بس تخيل لو في يوم من الأيام صحيت لقيت العالم مفيهوش صوت تمامًا! يا ترى لو حذفنا الصوت من قايمة الظواهر والتأثيرات الفيزيائية الأساسية اللي بتأثر في الواقع اللي احنا عايشينه، شكل حياتنا هيبقى إيه؟!
عشان نقدر نعرف حاجة زي كدا ونتخيلها بشكل واقعي ومنطقي، لازم الأول نفهم ميكانيكا عمل الصوت من الأساس، والحقيقة إن الموضوع رغم إنك ممكن تكون متخيل إنه ممل أو إنك تعرفه قبل كدا، فغالبًا هيبقى مختلف عن تصوراتك خالص، فحضر كوباية الشاي الحلوة بالنعناع، وتعالى بقى معايا النهاردا نتكلم عن الموضوع دا، وحضر عقلك معايا لرحلة علمية جديدة هتختبر حدود استيعابك نفسه.
يلا بينا!
بص يا صديقي، أول حاجة لازم نفهمها مع بعض عشان نستوعب اللي جاي إيه الصوت دا أصلًا، والإجابة ببساطة شديدة إن الصوت دا الطاقة التي بتنتجها الأشياء لما بتهتز وبتتحرك ذهابًا وإيابًا بسرعة.
يعني مثلًا لو انت جيت وضربت بكفك على طبلة، فالسطح الجلدي المشدود للطلبة هيهتز بسرعة كبيرة جدًا انت مش هتشوفها بعيونك، لحد ما يوصل لمرحلة الرنين، وهنا الهواء المحيط بالطلبة هيبدأ يهتز بردو، وهبتدأ الطاقة تنتقل من سطح الطبلة في صورة موجات بتنتشر في جميع الاتجاهات ثلاثية الأبعاد المحيطة بيها، والموجات دي بقى لما بتمر على ودنك، هي اللي بينتج عنها الصوت اللي بتسمعه.
يعني تجربة سماعك للأصوات دي في الواقع بتتكون من حاجتين، الحاجة الأولى عملية فيزيائية حركية (Kinetic) زي ضرب الطبلة، بتنتج عنها موجات صوتية بتنتشر في الهواء، والحاجة التانية عملية بيولوجية بتحصل جوه ودانك اللي بتعالج الموجات دي بطرق معقدة، وبتترجمها للأصوات اللي بيختلف استيعابك ليها على حسب اختلاف مصدرها، سواء طبلة أو كلام أو موسيقى أو غيرها من المصادر الفيزيائية.
الفكرة بقى إن الصوت بيشبه جدًا الضوء في بعض النواحي، يعني لو قارنت ما بينهم، هتلاقي إن الصوت بيتكون من موجات، والضوء بردو نفس الكلام بيتكون من موجات كهرومغناطيسية، بس الفرق إن الموجات الصوتية بتحتاج وسط مادي لانتقالها، وعشان كدا مش بتنتقل في الفضاء الخارجي، إنما موجات الضوء مش بتحتاج لأي وسط مادي، وعشان كدا بنشوف ضوء الشمس والنجوم، وضوء أي حاجة في العالم حوالينا.
طريقة انتقال موجات الصوت نفسها عبر الهواء، مش هي نفسها الطريقة اللي ممكن تتصورها في خيالك، يعني مثلًا لو قارنت الموضوع بالطريقة اللي بتنتشر بيها أمواج البحر، هتلاقي إن أمواج البحر بتنتقل على شكل اهتزازات بتطلع لفوق وتنزل لتحت، ودا عشان تأثير جاذبية القمر بيخلق حركة مد وجذر بتشد المية لفوق على امتداد سطح المية، وبعدين لما التأثير دا بيخلص المية بترجع تاني لوضعها الطبيعي، وفي الحالة دي بيسموا النوع دا من الموجات باسم الموجات المستعرضة أو الموجات العرضية (Transverse waves).
إنما موجات الصوت بقى بتنتشر بطريقة مختلفة خالص، ودا عشان الصوت بيأثر في جزيئات الهوا نفسه، وبينقل طاقة حركية ما بينها، فبالتالي دا بيخلخل التماسك بتاعه ويزق جزيئاته لقدام، والجزيئات دي بتتخلص من طاقتها لما بتنقلها للجزيئات اللي بعدها، وهكذا، ومن هنا بتلاقي إن موجات الصوت في الواقع بتنتشر بزاوية مختلفة، وبتمتد لقدام وورا في نفس اتجاه انتشارها، وبكده، هتلاقي إن الموجات الصوتية بتنتمي لنوع اسمه موجات الضغط أو الـ(Pressure Waves)، وساعات بيسموها الموجات الطولية.
طيب تمام.. كل دا جميل..
لو هنكمل مقارنة مع أمواج المحيط، هنلاقي إن الأمواج اللي بتنتقل على سطح المية بتتسبب في أشكال دائرية أو طولية، ودايمًا بتبقى ثنائية الأبعاد عشان بتنتشر على سطح مستوي، وساعات ممكن تلاقيها خبطت في جدار مثلًا وارتدت وانعكست في اتجاه مختلف، وكل دا بيحصل في الواقع بسبب انتقال الطاقة الحركية دي عبر وسط المية، يعني الموضوع مالوش علاقة بالمية نفسها، بل انتقال الطاقة عبر المية، ونفس الكلام ممكن تطبقه على الصوت لما بينتشر في الهوا.
الموجات الصوتية بردو بتنعكس عن أي حاجة بنفس الطريقة اللي بينعكس بها الضوء عن المراية، أو طريقة انعكاس أمواج المحيط لما بتخبط في جدار سفينة أو غيره، بس انعكاس موجات الصوت بيتسبب في ظاهرة غريبة شوية، ومش كل الناس بتركز معاها، الظاهرة دي إنك بتلاقي نفس الصوت اللي انت سمعته لما مر على ودنك في المرة الأولى، بتسمعه مرة تانية لما بيمر عليك تاني بس في نقطة مختلفة من الزمن في المستقبل!
هو دا بقى اللي بيسموه صدى الصوت، إنك بتسمع نفس الحدث بيتكرر مرة تانية في أوقات مختلفة في الزمن، بنفس النغمة والتفاصيل! وسبب التأخير دا إن موجات الصوت سرعتها بطيئة جدًا بالمقارنة بالضوء مثلًا، وعشان كدا الارتداد والانعكاس دا بيكون ملحوظ بالنسبة لك، بعكس مثلًا ارتداد موجات الضوء اللي بيحصل بالنسبة لك بشكل فوري، نظرًا لإن سرعة الضوء هي سرعة الفيزياء نفسها، وسرعة انتقال المعلومات القصوى في الفضاء، فعمرك ما هتلاحظ ارتداد موجات الضوء، ودايمًا هتلاقيه بيحصل قدامك بشكل فوري!
يعني ارتداد وانعكاس موجات الصوت بيديك نظرة حقيقية وواقعية على اللي بيحصل بعيد عن مستوى إدراكك لما موجات الضوء بتنتقل في الفراغ، بس بيخليك تسمعها بدل ما تشوفها! ودا طبعًا بيشكل وسيلة ممتازة للعلماء عشان يدرسوا خصائص الضوء ويفهموه أكتر، وبيستعملوا دا كتير في التجارب الفيزيائية لما يكونوا عايزين يعملوا تجربة نتايجها تكون بسرعة مناسبة لإدراك البشر.
طيب، سؤال بقى، احنا ساعات بنسمع أصوات عالية وأصوات هادية، وأصوات ليها تردد عالي وأصوات تانية ليها تردد منخفض، وحتى الآلات الموسيقية اللي بتعزف نفس النغمة الموسيقية بتنتج موجات صوتية مختلفة تمامًا وبنسمعها ونستوعبها بشكل مختلف، يا ترى دا بيحصل ليه؟!
هقولك، الفكرة يا صديقي إن أي موجات صوتية بتتولد لما بيُبذل طاقة حركية أو (Kinetic) في التأثير على أي جسم فيزيائي، بيبقى ليها نمط محدد أو (Pattern) زي ما بيسموه، والنمط دا بيسموه سعة الشدة أو الـ(Intensity)، وطبعًا كل ما كان الصوت أعلى، كل ما سعة شدته بتكون أعلى.
بس سبب إن نغمة الصوت نفسها بتبقى مختلفة إن الموجات الصوتية مش بس بيكون ليها سعة شدة، لأ دي كمان بيبقى ليها خاصية تانية اسمها التردد أو الـ(Frequency)، ودا تعريفه باختصار غير مُخِل: السرعة اللي بتنتج بيها الموجات في الثانية الواحدة، وعشان كدا مثلًا بتلاقي إن مغني الأوبرا أو السوبرانو صوته مسرسع، عشان تردد موجات صوته بيكون عالي، بعكس مثلًا مغنيين الباس (Bass Singers) اللي بيكون صوتهم عميق و(Deep)، عشان تردد صوتهم بيكون ضعيف.
نفس الكلام بردو بيحصل في الآلات الموسيقية، ممكن يبقى وتر آلة معينة مشدود أكتر فيدي تردد أعلى ويبقى صوته مختلف عن وتر تاني مرتخي شوية، زي مثلًا الفرق بين الكمان وآلة الـ(Double Bass)، الاتنين آلات وترية وشبه بعض، بس الكمان العادي تردده أعلى وسعة شدة صوته أعلى بكتير من كمان الـ(Double Bass).
الفكرة إن العلماء بيقيسوا شدة الصوت بوحدة اسمها الديسيبل، وكل حاجة في الكون ليها وحدة صوت، حتى السكوت نفسه، عشان العالم دايمًا فيه صوت حتى لو انت مش سامعه لإنه ضعيف جدًا، يعني مثلًا صوت الهمس بيوصل لـ30 ديسيبل، والمحادثة الطبيعيّة بين أي اتنين ممكن توصل لـ60 ديسيبل، أما بقى الأصوات اللي شدتها 85 ديسيبل أو أكتر، فدي ممكن تُسبب خطر على الإنسان، وممكن تؤدي لضرر سمعي دائم أو مؤقّت، ودا عشان شدة الصوت ساعتها بتعمل ضرر لعظميات الأذن الوسطى، وبتتسبب في ضغط كبير على طبلة الأذن ممكن يوصلها لإنها تتمزق أو يحصل فيها ثقب، دا غير الضرر اللي بيحصل للخلايا الشعريّة اللي موجودة في الأذن الدّاخلية.
بس عارف انت بقى إيه أكتر حاجة مثيرة في موضوع الصوت دا؟! سرعته، عشان سرعته محدودة لدرجة إننا ممكن نلاحظها أو نسبقها، بعكس الضوء اللي بيشكل سقف أي سرعة فيزيائية ممكنة التحقيق!
سرعة الصوت هي السرعة اللي بتتحرك بيها الطاقة في شكل موجات بين مكانين مختلفين، ومثلًا لما بنقول إن في طيارات اخترعها البشر بتقدر تخترق حاجز الصوت، فده بيكون معناه المباشر إن الطيارة دي بتبقى وصلت لسرعة أعلى من الـ340 متر اللي بتقطعهم موجات الصوت في الثانية! وهنا بينتج عن دا ظاهرة مذهلة اسمها الانفجار الصوتي أو الـ(Sonic Boom)، اللي بتبقى صوت فرقعة قوي جدًا بتسمعه لما الطيارة بتعدي سرعة الصوت، عشان هي في الواقع بتكسر حاجز جزيئات الهوا اللي قدامها اللي بيزقها الصوت، وبتخترقه تمامًا!
طبعا لو قارننا سرعة الصوت مع سرعة الضوء، هنلاقي إن سرعة الموجات الصوتية بطيئة جدًا لدرجة لا تستوعب، لدرجة إنها مينفعش تتقارن معاها أصلًا، وبسبب التفاوت الرهيب في السرعات دا، ممكن مثلًا تشوف الطيارات النفاثة وهي طايرة فوق دماغك لمده ثانية أو اتنين الأول، قبل ما تسمع صوت المحركات بتاعتها بعد كدا. أو تشوف البرق الأول قبل ما تسمع صوت الرعد.
الحقيقة إن الصوت دا واحد من أهم الظواهر الفيزيائية اللي بتحصل في عالمنا الحقيقي كل يوم وبتشكل واقعنا نفسه، واللي مستحيل حد يلاحظها أو يستوعب مدى أهميتها الا لما يجرب يعيش من غيرها لحظة، فتخيل انت بقى كدا كان ممكن يكون شكل العالم دا إيه لو الصوت دا مكانش موجود؟!
الأغرب من دا، تخيل لو خصائص موجات الصوت كانت مختلفة، وكان الصوت بيقدر ينتقل في الفراغ زيه زي الضوء، تخيل مدى قوة وعنف الانفجارات الشمسية والنجمية اللي كانت هتوصلنا هنا على الأرض، وترعبنا في كل لحظة من كل يوم بنعيشه! وممكن لو شدتها زادت لثانية واحدة، يوصل الأمر لانها تقضي على وجودنا تمامًا!
فالحمد لله على نعمة قوانين الفيزياء اللي بتمنع دا تمامًا!
مصادر:
https://www.britannica.com/science/acoustic-impedance
https://www.explainthatstuff.com/sound.html
مقالات ذات صلة:
الأوتار الفائقة ونظرية الكون الحلقي
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا