طبق بيض

دخلت السوبر ماركت لبعض شأني، فإذا بي أراه قائمًا هنالك، وقد نزع الله من قلبه الرحمة، وكشف عنه رداء الخجل، رأيته وقد حمله بين يديه، واحتضنه بين ساعديه، يتيه به بين الجموع، ولا يخبئه بين الضلوع، لا يراعي فيمن حوله إلًا ولا ذمة، والناس ينظرون إليه، وقد جحظت أعينهم، وتسمرت أحداقهم، وبين شفاههم ألف سؤال وسؤال.
ها هو يتوجه، غير آبه بأحد، وبخطى ثابتة نحو “الكاشير”، وبتوأدة وضعه أمامه، ثم أنقده مئة جنيه، نعم مئة جنيه كاملة، ورقة واحدة، فردَّ عليه الآخر بعشرة جنيهات أو أقل، والناس وقد فغرت أفواهها، وتركت أغراضها، معلقة أبصارها نحو هذا الشيء، قد ازدادت حيرتهم، واتضحت دهشتهم، متشوفين، منتظرين، لكنهم لم ينبسوا، بل لم يجرؤوا على مجابتهه بما أجرم، أو مواجهته بما عليه قد أقدم.
بيد أنني لم أطق صبرًا، وأنا أتابع الموقف عن كثب، فلم يعد في القوس منزع، فنظرت إليه وحنقي به يشتد، وغضبي منه يتصاعد ويحتد، مخاطبًا إياه، وقد ضاق صدري، وانطلق لساني: “أية طينة من البشر أنت؟! تُرى ما الذي فعلت أيها الرجل؟! وما الذي حملك على هذا؟! نعم، قل: بالله عليك ما الذي حملك على هذا؟! فهل انتزعت الرحمة من قلبك حتى تتجرأ أن تقتنيه، وتقبل عليه وتشتريه؟! قل لي من أنت؟! من؟! من؟!”.
إذا به وقد أحس بجرمه الذي فعل، وبخطيئته التي إليها بنفسه قد مضى وارتحل، يقول لي: “العذر، العذر! لم أقصد شيئًا، كل ما هنالك أنني اشتهيته وأولادي الصغار، ولم يكن من بد إلّا أن أبتاعه لهم”، فقلت له: “قاتلك الله من رجل! أو كلما اشتهيت اشتريت؟! ألا ترى ما نحن فيه من الغلاء، وما عمنا من الفقر والوباء، ومن الشظف والعناء؟! وكيف طاوعتك نفسك الأمارة بالسوء أن تدفع تسعين جنيهًا كاملة فيه؟! ألا تعلم أن بيضة واحدة لم تدخل البيوت المصرية أخيرًا، ناهيك عن طبق كامل، طبق كامل، ثلاثين بيضة؟! حسبنا الله ونعم الوكيل! قاتلك الله من رجل! قاتلك الله!”.
إذا به وقد تأثر من كلامي، وكاد يتهاوى من شدة ملامي، ثم قال لي: “وماذا أنا فاعل الآن؟! نعم، قل لي بالله عليك، ماذا أفعل، وقد فعلت ما فعلت؟!”، يدور هذا الحوار بينما يصغي الناس إلينا وقد تعلقت أبصارهم بطبق البيض، منتظرين ما سيسفر عنه كلامنا، والرجل يكاد يبكي من وقع عباراتي، وشدة ألفاظي، ووخز حوارتي، وهو يقول لي: “ناشدتك الله، طهِّرني، فقد أخطأت، وتجاوزت، طهِّرني، أريد أن أتطهر، فقل لي بالله عليك ماذا أفعل؟! نعم لقد أخطأت، وقد فعلتها إذن، وأنا من الظالمين!”.
قلت له، وقد هززت رأسي: “سأتركك وضميرك، ولن أملي عليك شيئًا، والأمر جلل، فانظر بنفسك ماذا أنت فاعل؟!”، فإذا به وقد فتح طبق البيض، والدموع تترقرق من عينيه، والتوبة الصادقة تتلألأ على جبينه، وبين ثنايا فيه، مناديًا القوم: “هلموا إليه، تعالوا، فهو لكم، خالصًا لله”، ثم شمَّر عن ساعديه، بعد أن بسمل، واسترجع، وقام بتوزيع الطبق كاملًا على الناس، وسط فرحة عارمة وتصفيق حاد، مع دعاء حار له بطول العمر، وبركة في الأجل مدى الدهر.
ثم إذا به بعد أن فرغ من تلكم المهمة المقدسة، فاستراحت نفسه، وهدأ قلبه، ثم إذا به وقد انتبذ مكانًا قصيًا، يجهش بالبكاء على ما اقترفته يداه، فذهبت إليه، وأنا أهدهده، وأربت على كتفه، وهو ينظر إليّ قائلًا نظر المريد إلى شيخه: “أترى، هل سيغفر الله لي حوبتي؟ أجبني بالله عليك، هل سيتجاوز الله عني، ويقبل توبتي؟! فها أنذا وقد وزعته كاملًا، نعم كاملًا، كما ترى، ولم أبقِ لأولادي شيئًا، أتراني قد وفيت؟ أتراني؟!”.
قلت له: “نعم، وفيت، ووعدت وأوفيت، وتكفيك الفرحة وإدخال السرور على ثلاثين أسرة”، فقال لي وهو ينهنه، وقد رفع يديه ضارعًا: “اللهم لك الحمد، اللهم لك الحمد، اللهم تقبل مني، واغفر لي خطيئتي يوم الدين”، فقلت له، وأنا أربت على كتفه: “لكن اعلم يا هذا أن من شروط التوبة العزم على ترك الذنب وعدم الرجوع إليه مرة أخرى، فإياك أن تفعلها مرة أخرى، إياك!”، فمسح دموعه وقد سالت على خده، ثم أقسم لي بالأيمان المغلظة والأقسام المبرمة ألا يعود لمثلها أبدًا، ثم غادرني خالي الوفاض، إلا من نظرات ترمقه، ودعوات تلاحقه!
مقالات ذات صلة:
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا