مقالات

العقل والألفاظ … الجزء الثاني

النسبة بين الألفاظ

تحدثنا -صديقي القارئ صديقتي القارئة- في الدردشة السابقة (العقل والألفاظ جــ 1) عن تقسيمات اللفظ الواحد من حيث معناه، سواء أكان له معنى واحدًا أم كان له أكثر من معنى.

وفي هذه الدردشة نتحدث عن تقسيمات أخرى للألفاظ، التي تمنع معرفتُها من وقوعنا في الخطأ عند التفكير. وقد غلط فيها -على بساطتها- بعضٌ من أعلام الفلاسفة الغربيين، فخلط ولم يستطع أن يفرق بين النقيضين، والملكة وعدمها، والمتضادين والمتضايفين.

إذا نسبنا لفظًا إلى آخر، فإن الأمر لا يخلو عن أحد احتمالين: إما أن يدل الاثنان على معنى واحد، فيسمى “الترادف”، أو يدل كل واحد منهما على معنى مختص به، ويسمى “التباين”، وذلك على النحو الآتي:

الترادف والتباين بين الألفاظالترادف والتباين بين الألفاظ

الترادف:

هو الكلمات المتعددة التي وضعت لمعنى واحد، مثلًا: سبع، غضنفر، ليث، أسد. فإن لهذه الألفاظ معنى واحدًا”.

التباين:

هو التباعد والتفارق والانفصال، والتنافي، والتطارد. والتباين بين الألفاظ يكون باعتبار تعدد معناها -من حيث المفهوم- بحيث يدل كلُ لفظٍ منها على معنى يخصه هو، غير ما يدل عليه اللفظ الآخر.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

وللتباين ثلاثة أقسام: التقابل، التماثل، التخالف، على النحو الآتي:

أ. المتقابلان:

هما المعنيان المتنافران بالذات، اللذان لا يجتمعان في محل واحد، من جهة واحدة، في زمان واحد، اللذان يدل كل منهما على معنى مختلف عن الآخر، ولكنهما يقابل كل منهما الآخر، مثل إنسان ولا إنسان (تقابل النقيضين)، العمى والبصر (تقابل الملكة وعدمها)، السواد والبياض (تقابل الضدين)، الأبوة والبنوة (تقابل المتضايفين).

وعليه، ينقسم التقابل إلى أربعة أقسام: اثنان منهما أمران وجودي وعدمه، وهما النقيضان والملكة وعدمها. واثنان منهما وجوديان، وهما الضدان والمتضايفان:

  1. تقابل النقيضين

النقيضان هما: أمران أحدهما وجودي والآخر عدمي (أي عدمٌ لذلك الوجودي). والتقابل بينهما هو تقابل إيجاب وسلب ذلك الإيجاب، مثل: إنسان ولا إنسان، حجر ولا حجر، سواد ولا سواد فيقال للأول أمر وجودي، وللثاني أمر عدمي.

والنقيضان -ببداهة العقل- لا يجتمعان ولا يرتفعان معًا، ولا واسطة بينهما. وهذا هو مبدأ استحالة اجتماع النقيضين.

هذا المبدأ هو الذي يهبُ الحياةَ والبقاءَ لسائر أفكارنا، وبدونه تموتُ كلُ أفكارِنا، وندخلُ إلى دائرة العبثية، واللا معنى، والعدمية المطلقة، والإلحاد، والانتحار العقلي السريع! (راجع دردشة العقل واليقين ج 3).

  1. تقابل الملكة والعدم

الملكة (مثل البصر) وعدم الملكة (العمى)، هما: أمران أحدهما وجودي والآخر عدم ذلك الوجود. والتقابل بينهما هو تقابل إيجاب وسلب ذلك الإيجاب، إلا أنهما يفترقان عن التناقض في اشتراط قابلية الموضوع للاتصاف بالملكة أو بالوجود،

مثل: التقابل بين البصر والعمى، فالبصر هو الوجود أو الملكة، والعمى هو عدم هذه الملكة، ولكن هذا العدم لا يكون إلا في أمر تصح فيه الملكة فيقال للإنسان بصير وأعمى لأن الإنسان يصح أن يوصف بالبصر والعمى ولا يقال ذلك للحائط، فهو لا تصح فيه الملكة.

والملكة والعدم لا يجتمعان ولا يرتفعان، ولكن يجوز أن يرتفعا في موضع لا تصح فيه الملكة، فالحائط لا يقال له بصير أو أعمى، لأنه ليس من شأنه الاتصاف بملكة البصر أو عدمها (العمى)، ولذلك أمكن ارتفاع الملكة وعدمها في الحائط.

  1. تقابل الضدين

الضدان هما: الأمران الوجوديان المتعاقبان على موضوع واحد، ولا يتصور اجتماعهما فيه، ولا يتوقف تعقل أحدهما على تعقل الآخر، مثل: السواد والبياض. والضدان لا يجتمعان في محل واحد، ولكن يجوز أن يرتفعا عنه معًا،

فالسواد والبياض لا يجتمعان على جسم واحد، في زمان واحد، بأن يكون أسود أبيض، ويجوز أن يرتفعا معًا بأن يكون المحل أحمر. ولا يتوقف تعقل السواد على تعقل البياض، بخلاف المتضايفين، كالأبوة والبنوة، فإنهما يتعقلان معًا.

  1. تقابل المتضايفين

المتضايفان هما: أمران وجوديان، يُتعقلان معا، ولا يجتمعان في موضوع واحد من جهة واحدة، ولكن يجوز أن يرتفعا معًا، مثل: الأبوة والبنوة، والفوقية والتحتية، والعلية والمعلولية، والخالقية والمخلوقية.

ففي هذه الأمثلة إذا لاحظت أحد المتضايفين فلا بد أن تتصور مقابله، فإننا لا نستطيع أن نتصور أبًا من غير ابن أو ابنًا من غير أب، كما لا يجتمعان في شخص واحد فيكون أبًا وابنًا لشخص واحد، نعم يكون أبًا لشخص وابنًا لشخص آخر، ويجوز أن يرتفعا مثلًا في الحجر، فلا يقال للحجر أب أو ابن.

اقرأ أيضاً:

العقل والتناقض

جاهل مش شتيمة على فكرة

“الانطباع الأول وحدوث الخطأ في التفكير”

ب. المتخالفان:

هما اللفظان المتباينان اللذان يدل كل منهما على معنى مختلف عن الآخر، دون أن يكون بينهما تقابل، (كالمتقابلين)، ودون أن ينظر لهما من حيث اندراجهما تحت نوع واحد، (أي لم يلحظ فيهما جهة الاشتراك، وهي الحيوانية، كالمثلين).

مثال ذلك: الإنسان والفرس متخالفان من حيث النوع، أي جهتي الناطقية للإنسان والصاهلية للفرس. والمتخالفان لا يجتمعان إذا كانا من الذوات كالإنسان والفرس. وقد يجتمعان في مكان واحد إذا كانا من الصفات، مثل الكرم والشجاعة يجتمعان في الرجل الشجاع.

ج. المِثْلَان:

هما اللفظان المتباينان اللذان يدل كل منهما على معنى مختلف عن الآخر، ولكنهما يندرجان تحت نوع واحد أو جنس واحد، أي يشتركان في حقيقة واحدة، مثل: الإنسان، والفرس، والأسد، أسماء لأجناس مشتركون في الحيوانية، بما هم مشتركون فيها (أي لوحظ فيهم جهة ما يشتركون فيه في الجنس، أي جهة الحيوانية، بقطع النظر عن تخالفهم في موارد الاختلاف في خصوصياتهم).

والمثلان لا يجتمعان -ببداهة العقل- إذا تماثلا في الذوات، لأن اجتماعهما من جميع الجهات معناه صيرورتهما شيئًا واحدًا، وهو محال، ويمكن أن يجتمعا إذا كانا من الصفات، كالسواد والحلاوة يجتمعان في التمرة السوداء.

الخلاصة:

يجب أن نتعامل مع الألفاظ تعاملًا صحيحًا حين نستخدمها في التعريفات المنطقية وحين نستخدمها في الاستدلالات العقلية. وذلك لتصحيح عملية التفكير، لأن الخطأ في اللفظ يؤدي إلى الخطأ في الفكرة، فإذا كانت معاني ألفاظنا صحيحةً كانت أفكارُنا صحيحةً، والعكس صحيح كذلك.

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

*****************

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ.د شرف الدين عبد الحميد

أستاذ الفلسفة اليونانية بكلية الآداب جامعة سوهاج