ما كل ما يتمنى المرء يدركه

في ألمانيا، وقبل موعد استلام النتائج المدرسية، تُوزع رسالة على أولياء الأمور، ترجمتها كالتالي: “قريبًا سيتسلّم أبناؤكم شهاداتهم المدرسية، ونحن نعلم أنكم جميعًا تتطلعون إلى أن يحقق أبناؤكم درجات مرتفعة ونتائج مشرفة. لكن نرجو أن تضعوا في حسبانكم أن بين هؤلاء الطلاب فنانًا موهوبًا لا يحب الرياضيات ولا يجد نفسه فيها، وبينهم رجل أعمال لا يعنيه كثيرًا تاريخ الأدب الإنجليزي، وبينهم سياسي أو قائد مستقبلي لا تشكل درجة الكيمياء أولوية في اهتماماته.
فإذا حصل ابنكم على درجات جيدة فذلك أمر جميل ومفرح، أما إذا لم يحدث ذلك، فالرجاء ألا تسلبوه احترامه لذاته أو تمسّوا كرامته بسبب نتيجة دراسية. أخبروه أنه بخير، وأنها محض شهادة لا أكثر، وأنه مهيأ لأمور أكبر وأوسع من أن تختصرها درجات أو أرقام. أخبروه أنكم تحبونه كما هو، وأنكم لن تحكموا عليه بناءً على النتائج التي حصل عليها، أيًّا كانت.
عندما يفعل الآباء ذلك سيكتشفون أن أبناءهم قادرون على غزو العالم بطريقتهم الخاصة، وأن علامة متدنية في مادة ما لن تحرمهم من النجاح أو تمنعهم من تحقيق أحلامهم. لذلك نرجو من كل أب ومن كل أم ألا يصدقا أن الأطباء والمهندسين وحدهم هم السعداء أو الناجحون في هذا العالم، فالحياة تتسع لمواهب ومسارات وإنجازات لا حصر لها”.
المشكلة ليست في الرسوب أحيانًا، بل في بعض الناس الذين يتعاملون مع النجاح كأنه الحق الوحيد للعيش بكرامة. يقول المتنبي:
ما كلُّ ما يتمنّى المرءُ يُدركهُ تجري الرياحُ بما لا تشتهي السُّفُنُ
لعل أكثر من يستحضر هذا المعنى كل عام آلاف الآباء والأمهات والأبناء وهم يقفون على أعتاب إعلان النتائج الدراسية. ففي عالمنا العربي لا تصل النتيجة المدرسية غالبًا بوصفها خبرًا تعليميًا عاديًا، وإنما تهبط على بعض البيوت كأنها بيان مصيري يحدد قيمة الإنسان ومستقبله ومكانته بين الناس.
تتسارع نبضات القلوب، وتُعقَد المقارنات، وتُستَدعى الأحلام المؤجلة، وتُحمّل ورقة صغيرة من المعاني ما لا تحتمله الجبال. ويعيش بعض الأبناء أيام الاختبارات تحت وطأة خوف لا علاقة له بالعلم نفسه، بل بالخوف من الخذلان، أو من نظرات العتاب، أو من الشعور بأن محبتهم أصبحت مشروطة برقم يكتب في خانة الدرجات. كأن الإنسان كله قد اختصر في مجموع، واختزلت سنوات العمر القادمة في نتيجة لم تتجاوز بضعة أسئلة وأجوبة.
ومن اللافت أن بعض المجتمعات المتقدمة تنظر إلى المسألة من زاوية مختلفة تمامًا (الدنيا سلامات). فقد تذكّر المدارس أولياء الأمور بأن بين الطلاب فنانًا لن تصنعه الرياضيات، وسياسيًا لن تحدد الكيمياء قيمته، ورائد أعمال قد لا يعنيه كثيرًا تاريخ الأدب، وأن الشهادات تقيس جانبًا من القدرات ولا تقيس الإنسان كله.
هذه ليست دعوة إلى التهاون أو الاستخفاف بالتعليم، وإنما تذكير بحقيقة يغفل عنها كثيرون: أن الامتحان يقيس ما يعرفه الطالب في لحظة محددة، لكنه لا يستطيع أن يقيس حجم الخيال الذي يملكه، ولا مقدار الإرادة الكامنة فيه، ولا طاقته على الإبداع، ولا مهاراته الاجتماعية، ولا قدرته على تجاوز العثرات وصناعة الفرص. فالفرق كبير بين أن تكون الدرجة مؤشرًا للاستفادة والتقويم، وبين أن تتحول إلى حكم نهائي على قيمة الإنسان ومصيره.
الحقيقة التي تحتاجها كثير من الأسر اليوم أن الأبوة والأمومة ليستا مشروعًا لإدارة حياة الأبناء بالتفصيل، وإنما رسالة هداية وإسناد ومرافقة (التربية خدمة نقدمها وليست استعبادًا نفرضه). نحن نبذل الجهد، وندفع التكاليف، ونفتح الأبواب، ونقدم النصح المستنِد إلى ما تعلمناه من الأيام، لكننا لا نملك أن نعيش الحياة بدلًا عن أبنائنا.
فالإنسان لا ينضج تحت المظلة الدائمة، بل حين يتعلم تحمل جزء من المسؤولية عن اختياراته ونتائجها. وكثيرًا ما يتحول الحرص الزائد إلى عبء يرهق الوالدين والولد معًا، بل قد يدفع بعض الأبناء إلى التمرد أو الاتكالية، لأن الآخرين يتولون عنهم مهمة التفكير والقلق والمتابعة. والحكمة ليست أن نحمل أبناءنا فوق أكتافنا طوال الطريق، وإنما أن نعلمهم كيف يمشون وحدهم إذا غبنا.
لذلك فإن أجمل ما يمكن أن يسمعه الابن بعد ظهور النتيجة ليس محاضرة طويلة ولا مقارنة جارحة، وإنما رسالة قصيرة عميقة: اجتهدت فأحسنت أو قصرت فتعلم، لكن قيمتك عندنا أكبر من هذه الورقة، ومستقبلك أوسع من هذا الرقم، وحياتك أغنى من هذا التقدير. فإن أصبت فزد، وإن أخطأت فصحح، وإن اخترت طريقًا مشروعًا يختلف عن الصورة التي رسمناها لك فلن نجد أنفسنا في مواجهتك، بل إلى جوارك.
فالدنيا لم تُبنَ على الأطباء والمهندسين وحدهم، كما أنها لم تُبنَ على المتفوقين دراسيًا فقط، وإنما قامت على تنوع المواهب واختلاف القدرات وتكامل الأدوار. وما أكثر الذين أرهقتهم النتائج في بداياتهم ثم فتحت لهم الحياة أبوابًا لم تخطر لهم على بال، وما أكثر الذين أدركوا متأخرين أن الشهادة مهمة، لكنها ليست الإنسان، وأن الدرجة مرحلة، أما الكرامة والثقة بالنفس والقدرة على النهوض بعد التعثر فهي رأس المال الذي يبقى حين تتناثر أوراق النتائج في مهب السنين.
مقالات ذات صلة:
معلم يبني وطنًا وآخر قد يهدم طفلًا دون أن يشعر
الفشل الاجتماعي في المجتمع الحديث
الرسوب الدراسي ليس نهاية الطريق
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.