في ذكرى نكبتها القريبة

يروي أحد الصحفيين الإسرائيليين عن حادثة طريفة حدثت لأحد الكتاب الإسرائيليين التي تعكس الحقيقة في مسألة إسرائيل والدولة اليهودية، ذلك أن صاحبنا الكاتب هذا، ذهب إلى طبيب في عيادته الخاصة، فسأله الطبيب السؤال التقليدي الذي يسأله لكل مريض عن عمله ومهنته فأجاب بفخر: “أنا كاتب”، وفي نهاية الكشف الطبي سأله الطبيب متوددًا: “ماذا تكتب الآن؟” قال أيضًا بكل فخر: “عن مستقبل إسرائيل”، فضحك الطبيب وقال: “آه، إذًا أنت تكتب القصة القصيرة!”.
هذا هو المزاج العام الحقيقي السائد في إسرائيل وهي تحتفل بذكرى تأسيسها هذه الأيام، مزاج الشعور بالنهاية، أو نهاية القصة القصيرة على حد تعبير الطبيب. الكل يكابر ويغالط لكن الجميع يشعرون بأنها آتية آتية لا محالة!
إنها الحقيقة التي تتأكد لنا كل يوم ومن باطن وأحشاء المجتمع الإسرائيلي، وهو أننا أمام أكذوبة ولدتها خدعة، لأن الحقيقة النهائية ما قاله الشاعر الإسرائيلي حاييم جوري: “كل إسرائيلي يولد وفي داخله السكين الذي سيذبحه”.
المجتمع الإسرائيلي مشروع سياسي وكيان روحي وكيان ثقافي أكذوبة كبيرة وما طال زمن الأكذوبة إلا من الخيبات والخيانات من حولها.
إسرائيل الدولة الوحيدة في العالم التي محض وجودها –وليس أمنها فقط– مثار جدل ونقاش حتى الآن.
سيقول لنا المفكر الأمريكي الأشهر والأب الروحي للنزاهة والتجرد الفكري والإنساني في العصر الحديث ناعوم تشومسكي إن المجتمع الإسرائيلي لم ينتج سوى هتلرات (جمع هتلر) صغيرة، وأن هذه الدولة خطر على اليهود أنفسهم وهي تتجه في خطى ثابتة نحو العدم.
تذكروا جملته هذه وهم يتفاخرون بهذه “الهتلرية” وهم يهاجمون أسطول الصمود الذي جاء من أوروبا ليرفع الحصار عن أهل غزة، أو وهم يتفاخرون بعمليات القتل والعربدة في المنطقة.
موضوع نهاية إسرائيل متجذر في الوجدان الصهيوني، وحتى قبل إنشاء الدولة أدرك كثير من الصهاينة أن المشروع الصهيوني مشروع مستحيل البقاء والاستمرارية.
نحن أمام دولة تعيش على حافة الهاوية بين الحياة والفناء.
هاجس النهاية الذي يطارد الإسرائيليين له أسباب كثيرة أهمها أن هناك نظرية تاريخية تسري على كل المجتمعات الاستيطانية، وهي أن المجتمعات التي استطاعت أن تبيد السكان الأصليين (مثل أميركا وأستراليا) كتب لها البقاء، أما تلك التي أخفقت في إبادة السكان الأصليين (الممالك الصليبية والجزائر وجنوب أفريقيا) فكان مصيرها الزوال.
يدرك الإسرائيليون أنهم ينتمون إلى النوع الثاني، والمفارقة أنهم يعيشون على الأرض نفسها التي أقيمت فيها الممالك الصليبية التي تذكرهم بالإخفاق والزوال القريب.
أستاذي وأستاذ العصر د/عبد الوهاب المسيري رحمه الله، ذلك العلامة الذي مرت من تحت قلمه الحكايات كلها عن اليهود والدين اليهودي والصهيونية، ذكر أن هناك دراسات إسرائيلية لا تنتهي عن المقومات البشرية والاقتصادية والعسكرية، ومشكلات الاستيطان والهجرة، التي قامت عليها الممالك الصليبية التي بادت، وعن العلاقة بين هذه المجتمعات الإحلالية، وبين الوطن الأصلي المساند لها في محاولة –تبدو يائسة– لفهم عوامل الإخفاق والفشل التي أودت بها.
وتحاول إسرائيل اليوم أن تبدو مستندة إلى أمريكا كليًا كما كانت تستند الممالك القديمة إلى أوروبا، خصوصًا بعد أن بدأ الرأي العام في أوروبا يدرك بعد “طوفان الأقصى” أنه كان مخدوعًا ومغيبًا.
الأمر نفسه في أمريكا، لكنه متأخر قليلًا لطبيعة النظام السياسي في أمريكا، وقدرة اللوبي الصهيوني التي ما زالت قادرة على التأثير في انتخابات الكونجرس، وقد سمعنا عضو الكونجرس الأمريكي “توماس ماسي” أن انتخابه (في الانتخابات القادمة) سيحدد ما إذا كانت إسرائيل ستتمكن من الاستمرار في شراء السياسيين الأمريكيين، أم لا.
ويحذر من أن إسرائيل أصبحت تشكل أحد أكبر التهديدات للسياسة الأمريكية، ويؤكد على ضرورة وقف هذا النفوذ فورًا وأهميته.
الكاتب الإسرائيلي الشهير “يوري أفنيري” كتب عام 1983 بعد غزو بيروت دراسة بعنوان: “ماذا ستكون النهاية؟”، وذكر أن الممالك الصليبية احتلت رقعة من الأرض أوسع من تلك التي احتلتها الدولة الصهيونية، وأنهم كانوا قادرين على كل شيء، ومع ذلك فقد ذهبوا مع الريح.
المختل هو ذاك الذي يكرر الخطأ نفسه بالطريقة نفسها مرات متتالية، وها هم في جنوب لبنان يقاسون الويلات من “حزب الله”، وفي عجز لم يتمكنوا من كتمانه عن مواجهة مسيراته وتكتيكاته، خوفًا من تآكل هيبة الردع!
بعد كل ما رأوه في طوفان الأقصى، وما يرونه الآن يتحدثون عن “هيبة”؟! ما أخيبه حين يستخدم عديدًا من الطائرات التي تمده بها أمريكا ليغتال بطلًا من هنا أو من هناك.
هناك قلق محموم مكتوم مخفي في إسرائيل اسمه المستقبل، الرعب كله والقلق كله والخوف كله، وهو ما تعززه دراسات وبحوث إسرائيلية علمية ومتجردة، فغير التهديد الخارجي من الحالة العدائية المتزايدة وفشل محاولات التطبيع كلها والدمج مع الشعوب التي عقدت معها معاهدات سلام، وغير تهديد داخلي متمثل في الفساد المستشري، وتآكل ما يسمى “منظومة القيم الصهيونية” التي استند إليها الصهاينة في إقامة كيانهم.
هناك ما هو أكثر رعبًا وقلقًا وهلعًا، وهو الحضور الإسلامي في الصراع، خصوصًا بعد الحرب الأخيرة، وللمفارقة أنهم يقاتلون فيها “الشيعة” في إيران ولبنان! لينكشف الغطاء عن حقيقة صراعهم مع أمة الإسلام.
وقد تكون “المنن في المحن” كما يقول أهل الطريق، لتعرف الأمة كلها طريقها الواحد، وهي تعبد ربها الواحد، وتدين بدين واحد، وتنتمى لنبي واحد (صلى الله عليه وسلم).
ما أقوله عن قرب نهاية الدولة الصهيونية ليس من دروب التمني والتعزي، لكنه حقيقة، القادة الدينيون والعلمانيون عندهم يعلمونها جيدًا.
لكن العبرة لدينا بأن لا “تنطفئ” شعلة المقاومة، ليس فقط لأنها حق وواجب وطني، وليس فقط لأنها من أفضل وسائل السعي للآخرة، لكن صونًا لكرامة الأمة كلها عبر تاريخ الأجيال.
مقالات ذات صلة:
هذا هو ما سيصنع نهاية المجرمين
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا