من دفتر الهزيمة

كشفت الحرب الأخيرة أننا أمة مهزومة هزيمة قوية، مهزومة على الأصعدة كلها، فخطاب هذه الأمة خطاب التسليم والهزيمة، لم تعرف منذ قرون سوى هذا الخطاب الذي توغل داخلهم، حتى أصبحوا صورًا حقيقية للهزيمة، بل النموذج المثالي الذي يدرّس للخنوع والهزيمة والاستسلام.
لا أعرف حقيقة لماذا هذا الاستسلام المترسخ في المجتمعات العربية وأنظمتها؟ هل هي جينات مهزومة تعيش بداخلنا؟ أم هو الانتقاء السلوكي الذي يضرب الأمم من شدة ما عانت؟ لا أستطيع التحديد الآن، لماذا العرب هكذا؟!
أظنهم لا يدرسون التاريخ أو يدرسونه لكنه يؤذيهم، لذلك لا يتوقفون عنده ولا يأخذون عبرة، ولا يشكلون وعيهم منه، بل وعيهم قد تشكل عن طريق النفعية والرأسمالية الجشعة التي هيمنت على بعضهم بعد الثراء الفاحش، وبعد خضوعهم للهمينة، وبعضهم الآخر وقف متفرجًا يعاني الفقر والعوز وقلة الحيلة والقهر والاستبداد.
تعادي الأنظمة العربية العلم والتاريخ والعلوم
الإنسانية تعادي العلم، لأنها –على ثراء بعضها– تكتفي بالاستيراد، استيراد التكنولجيا الجاهزة المعلبة، التي يتحكم فيها مُصدِّرها لهم، يحركها ويحركهم عن طريقها، وبعضهم يعادي العلم –على كثرة العقول النابهة من شعبه– لأنه يخاف على وجوده، فهو يرى العلم أكبر خطر على استمراره، لذلك يبالغ في معاداة العلم.
يعادون التاريخ لأنهم يريدون أن يدفنوا رؤوسهم في التراب كالأنعام، ولا يفكروا، ولا يستخلصوا العبر، لأنهم ارتضوا –كما ذكرت– معلبات الغرب كلها دون جهد يذكر منه، ودون فهم، حكّموا مصالحهم الضيقة القائمة على مصالح الفرد الواحد وليس الدولة، ويعادون العلوم الإنسانية لأنها تدفع الإنسان إلى التفكير والتساؤلات، والتساؤلات المصحوبة بالتفكير تقلقهم، فالعقل المستنير يزعجهم: فهمه ووعيه، وهم يريدون القطعان التي تتحرك خلفهم دون عقل أو وعي أو تفكير، يمسون آلات تنفذ فقط دون أن تسأل أو تطلب أو تفهم.
في أتون هذه الحرب التي طالت وستطال الكل سألت نفسي بتركيز عميق، هل الدول العربية، الدول التي تنطق باللغة العربية، لديها مؤسسات بحثية تتبع قصور الحكم أو مؤسساته؟! بمعنى آخر هل الرئيس أو الأمير أو الملك عندما يهم بأخذ قرار مهم أو مصيري يعتمد على الدراسات العلمية (سياسية – اجتماعية – تاريخية – عسكرية – اقتصادية – نفسية – علمية) التي تُقدَّم له من مؤسسات بحثية متخصصة تقول له: هذا مناسب، وهذا غير مناسب، هذا عالي التكلفة والمخاطرة، وهذا مخاطره بسيطة ونتحملها، وتطرح عليه البدائل التي يختار منها ترجيحًا فقط لدراسة على أخرى؟ هل فعلًا نمتلك مثل هذه المؤسسات البحثية التي تمثل عصب الأمن القومي للدول؟!
لو كانت الإجابة أننا لا نمتلك مثل هذه الدوائر البحثية التابعة لمؤسسات الحكم، هل ستفكر الدول العربية في أن يكون قرارها نابعًا من دراسات علمية دقيقة وموضوعية يقوم بها متخصصون؟! أم ستظل هذه الدول خاضعة للميول الشخصية والخاصة لكل حاكم دون وعي بالظرف الراهن، دون وعي بدراسات المستقبل؟!
من مدة قصيرة قرأت مقالًا عن دراسات المستقبل التابعة للصين، مفادها أن الصين كانت على علم تام –منذ سنوات– بأن الحرب بين الغرب وإيران ستحدث لا محالة، وجاءت معرفتها من تلك الدراسات المستقبلة الاستراتيجية التي ترسم سياسات الدول التي تريد أن تصنع حضارة ويكون لها وجود حقيقي في العالم، لكننا للأسف خارج هذه المنظومة الحضارية وأتوقع أن تستمر هكذا.
واستكمالًا لنفس مسار الدراسات الاستراتيجية والمستقبلية، هل فكّر العرب الذين يساعدون إثيوبيا في استغلال مياه نهر النيل وتعطيش مصر في تأثير ذلك عليهم هم وعلى مستقبلهم، وعلى وضعهم الأمني عندما يتزعزع الاستقرار المائي لهذه الدولة الكبيرة؟! هل فكّر هؤلاء عندما زعزعوا السودان وسعوا في تقسيمه وأمدوا ويمدون الخائن حميدتي بالسلاح والمال في مستقبلهم الاستراتيجي؟! الإجابة لا، لقد فكروا في مصالحهم الزائفة، وقامت أفكارهم على رؤى شخصية لحكامهم دون دراسات واعية وجادة تخبرهم بخطر سياساتهم على العالم العربي وعليهم، ناهيك عن شراكتهم مع العدو الإسرائيلي!
مقالات ذات صلة:
التربية العربية والمنظومة القيمية الغائبة
مناعة المجتمع العربي الاجتماعية
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا