علم نفس وأخلاق - مقالاتمقالات

التعامل مع الجمهور في بلادنا له طعم مختلف

مثلًا طبيب يقابل 100 شخص في اليوم، أو موظف في بنك، أو موظف مسؤول عن خدمة المواطنين في مؤسسة، كل يوم يلتقي بما لا يقل عن 100 إنسان لقضاء مصالح أو تقديم خدمة، طبية أو غير طبية.

من كل 100 شخص، نجد 98 شخصًا طيبًا ومحترمًا ومهذبًا وعاقلًا، لكن أيضًا نقابل الـ2% قليل الأدب، أو مريضًا نفسيًا، أو أحمقًا يحمل عقدًا وأفكارًا مريضة، إلخ.

القاعدة نفسها تنطبق على أي شخصية عامة تتعامل مع الجمهور، أو شخص مشهور، أو شخص معروف بين الناس.

المشكلة أن التعامل مع هذا الشخص الشاذ المريض النفسي غير المحترم، الـ2%، يفسد عليك يومك ويصيبك بتلوث الروح والفكر والنكد والضيق.

تجد هذا النكد يؤثر عليك بقية يومك، وقد يؤدي إلى أن تتعامل مع الـ98% المحترمين بطريقة غير صحيحة أو غير لائقة، لأنك بدأت يومك بالتعامل مع شخص أحمق، أو يؤثر على إتقانك لعملك وتركيزك وقدراتك العقلية في الإبداع أو العمل والمهنة وتأدية واجبك ووظيفتك بطريقة صحيحة.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

هذا طبيعي، فأنت بشر وإنسان، ومن يدعي أنه سوبر خارق ولا يتأثر بضيق من التعامل مع الحمقى وقليلي الأدب والتربية والمرضى النفسيين، فهو غالبًا منافق يصطنع الملائكية والفضيلة.

لكن من ناحية أخرى، فكلما كبرت في السن وتزايدت خبرتك في الحياة، وحكمتك، كلما تعلمت أن تتعايش مع هؤلاء المرضى النفسيين، لا أن تدخل في صراعات تافهة معهم، واستطعت أن تنفس عن ضيقك بطرق صحية بحيث لا تؤثر على مهنتك وحياتك وأسرتك وتعاملك مع الآخرين، ولا تؤثر على نفسيتك بدرجات كبيرة.

طرق تفادي التأثر بهؤلاء المرضى النفسيين وأصحاب القلوب الملوثة عديدة، منها:

الشكوى لله، نعم، الشكوى لله، تتكلم مع الله، فهو العليم بك وبنيتك وببواطن الأمور، لن تحتاج لشرح كثير لله، ولن تحتاج لتبرير موقفك لله، ستشكو لله وأنت على يقين أنه يسمعك وسوف يعوضك الخير وينتقم لك ممن يؤذيك.

عدم الرد وعدم الدخول في حروب مع الحمقى، لا تعتقد أنك حين تجادل الأحمق أو تصارعه سوف يقتنع بأنه على خطأ وأنك ستنتصر للحق، بل على العكس، سوف يتزايد في الحماقة والغباء والجهل، وسوف تقدم له فرصة ذهبية يبحث عنها، وهي أن يشدك إلى الوحل معه ويغرقك في مستنقع القاذورات الذي يعيش فيه، ويضيع من وقتك الثمين كثيرًا، في حين أنه أحمق فارغ ليس لديه ما يخسره أصلًا!

الحكمة الشهيرة تقول: “لا تجادل الأحمق، فقد يخطئ الناس في التفريق بينكما”. وحكمة إنجليزية أخرى تقول: “لا تصارع خنزيرًا في الوحل، فيستمتع هو وتتسخ أنت”.

ابحث عن صديق أو شخص أمين يحبك لتحكي له عن متاعب يومك، لا للبحث عن حلول، لكن للفضفضة فقط عن هموم القلب، فكتمان الهموم يصيب بالمرض والهم.

لو تستطيع أن تتفادى هؤلاء الحمقى قدر المستطاع فحاول، فإن كثرة معاشرة الحمقى تصيب الإنسان بالغباء والمرض.

الحماقة والغباء والكآبة والسخافة كلها أمراض معدية، ومن السهل الإصابة بالعدوى من كثرة المخالطة والحديث مع هؤلاء.

حاول تعويض جرعات النكد بجرعات أخرى من التفاؤل، بأن تطيل الجلوس مع الأشخاص الإيجابيين والمحترمين، مع الـ98% الآخرين المحترمين، بالابتسامة الطيبة، بالحديث الراقي في فكرة جميلة أو موضوع علمي أو ديني أو ثقافي محترم، بكلمة شكرًا، بدعاء من القلب، بتطوير نفسك أكثر والنجاح والاجتهاد في عملك أكثر.

لا تحاول تعويض النكد بأن تنقل جرعة النكد إلى شخص آخر، أو الحياة في غضب، بل حاول تعويض النكد بالتفاني في مساعدة شخص آخر والحوار الراقي مع شخص آخر يستحق الاحترام والمساعدة، وتطوير نفسك وتحقيق النجاح في حياتك.

تذكر أن الله سوف يعوضنا (بإذن الله) عن هذا الأذى الذي نتعرض له من هؤلاء الـ2%، فلا تظلم نفسك ولا تظلم الـ98% المحترمين بسبب الـ2% الملوثين والمعقدين نفسيًا.

مقالات ذات صلة:

حكمة الأحمق وحماقة الحكيم

معضلة الببغاوات

ويوما ما ستمنحك أخطاؤك حياة

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ. د. خالد عماره

الاستاذ الدكتور خالد عماره طبيب جراحة العظام واستاذ جراحة العظام بكلية الطب جامعة عين شمس