مقالات

المهم أنه مثقف

ممدوح” صديقي كان مثقفًا، ما طبيعة ثقافته تحديدا؟ لا أحد يدري! المهم أنه مثقف، هكذا عرف بيننا نحن أقرانه.

هو لا يُرى أبدًا إلا وفي يده كتاب ضخم يحمل عنوانا مهيبًا، كنا في أحيان كثيرة لا نستوعب محض العنوان فما بالك بمحتويات الكتاب! أكيد من يقرأ هذا مثقف طبعًا، الأمر لا يحتاج إلى قوة ملاحظة، بالطبع كان ذلك يعني أن له رأيًا، في كل شيء كان له رأي. ولا بد أن يكون رأيًا قاطعًا حادًا كالمقصلة، حتى في تلك الأمور التي تحتمل النظر أو الاختلاف.

عند ممدوح الأمر لا يحتمل، فهو يدرك أبعادًا لا ندركها ويرى الجزء من الصورة الذي لا يمكن أن نلحظه نحن معشر البسطاء الذين لا يقرأون تلك الكتب المكتنزة! وكما قلت لك لا توجد استثناءات، أبدًا.

فهو يدلي بدلوه الثقافي في المجالات كلها بدءًا من أزمة التضخم في زيمبابوي، مرورًا بتأثير الفلسفة النيتشوية على السينما السوفيتية في السبعينيات، وصولًا إلى الخطة التكتيكية التي ينبغي على مدرب مانشستر يونايتد أن يتبعها ليعود بالفريق إلى سابق الأمجاد.

جرب أن تتحدث معه عن الطقس ستجده يشرح لك باستفاضة كيف أن الاحتباس الحراري انعكاس حتمي لأزمة “الرأسمالية المتوحشة”. وإذا طلبت أمامه طبق “كشري”، سينظر إليك بشفقة عميقة ويحدثك عن “تفكيك” الطبقية في المطبخ المصري المعاصر.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

وإذا حاولت جداله يومًا في إحدى تلك الآراء فستقابل شيئًا من ترسانة أسلحته. وأسلحة ممدوح في النقاش مخيفة والحق يقال، وهي تضمن له تفوقًا نوعيًا على أغلب الرفاق البسطاء الذين لا يعرفون أغلبها.

هي ترسانة من “المصطلحات” المبهمة يحتفظ بها في جعبته ليلقيها هنا وهناك في أي نقاش، ستفاجأ في أثناء جدل بسيط عن نتيجة الثانوية العامة بألفاظ من نوعية الميتافيزيقا المعاصرة والديالكتيك، والسردية الموازية، والبراجماتية السوسيولجية، والأيديولوجيا المعيارية. هو يمسك بهذه الكلمات كما يمسك الطباخ المحترف بالتوابل في مطبخه ينثرها بمهارة فوق أي حوار ساذج ليعطيه نكهة “العمق”.

يمكنه أن يحلل لك سبب انقطاع الكهرباء باستخدام “ميكانيكا الكم”، رغم كونه طوال عمره متعثرًا في دراسته وقد عبر بصعوبة مرحلة الثانوية العامة بقسمها الأدبي! كل ذلك لا يهم ما دام الكتاب الضخم تحت إبطه والنظارة السميكة تعلو أنفه معلنة تلك المعلومة الصارخة: ممدوح مثقف يا ناس!

ها هو يجلس على المقهى، واضعًا ساقًا فوق ساق، ممسكًا برواية مكتنزة لـ”كافكا” أو “دوستويفسكي” يردد كلماته العميقة مقدمًا كل جملة بعبارته الأثيرة: “أنا سأخبركم بالخلاصة، ما هو لو كنتم بتقرأوا كنتم فهمتم!”.

بينما نحن جالسون يومًا وجُلّ الرفاق منصتون باهتمام إلى تنظيره الذي لا ينقطع إذ لاحظت ما كنت أتابعه منذ فترة: كتب ممدوح دائمًا نظيفة، نظيفة إلى درجة مريبة كأنها خرجت من المطبعة للتو.

للكتب التي تُقرأ هيئة ما يعرفها كل من يقرأ، هيئة تخبرك بلا كلمات أن هذا كتاب قد قُرِئ.

استغللت انشغاله بعرض رؤيته الوجودية بخصوص أزمة الهوية البصرية في مسلسلات رمضان الماضي لألتقط الرواية التي يضعها إلى جواره منذ عدة أيام، أوراقها تفوح منها رائحة المطبعة، لم تُطوَ من الكتاب صفحة واحدة، ولم يكتب على حواشيه حرف واحد. وضعت الرواية بهدوء وقد بدأت تتبلور لدي الفكرة التي كونتها بملاحظة كتبه آخر بضعة أشهر.

” عن ماذا تتحدث هذه الرواية يا ممدوح؟” باهتمام مصطنع سألته، التفت إلي بارتباك ثم ازدرد ريقه وهو يعدل نظارته السميكة وقال بابتسامة غامضة مليئة بالشفقة على سطحيتي: “العمل أكبر من أن يلخص، إنه تجسيد حي لضياع الهوية الإنسانية في ظل اغتراب الإنسان المعاصر”.

إجابة تبدو عميقة، لكنها مطاطة شديدة اللزوجة، تصلح لوصف أي عمل أدبي كتب على وجه الأرض، من ملحمة جلجامش وحتى مجلة ميكي!

ابتسمت له مجاملًا وقررت ألا أضغط عليه أكثر بشأن موضوع الرواية التي كنت قد قرأتها من قبل. لكنني كنت أريد أن أعرف إلى أي مدى يمكن أن يذهب.

“يعني أنت شايف إن الرواية بتتكلم عن الاغتراب؟”، رفع عينيه عن الكتاب وقال بثقة من اكتشف سر كونيًا لا يعرفه غيره: “الاغتراب هنا مش بالمعنى التقليدي طبعًا”. هنا أدركت أنني دخلت منطقة خطرة.

سألته بشغف: “أومال أنهي معنى؟”، ابتسم تلك الابتسامة الواثقة التي كان يوزعها علينا كلما وجد نفسه أمام سؤال لا يعرف إجابته، ثم قال: “دي محتاجة نفصل بين الاغتراب كحالة وجودية، والاغتراب بوصفه بنية معرفية داخل السياق السردي”.

سكتّ قليلًا، الحق أنني لم أفهم شيئًا لكنني لوهلة شعرت أنني أنا المخطئ.

لقد قالها بطريقة تجعلك تشك في مستواك المعرفي كله وتراجع سنوات تعليمك، وربما تفكر في الاتصال بوالدتك وتسألها لماذا لم تهتم بتثقيفك وأنت صغير.

أما ممدوح فقد كان قد عاد إلى الكتاب، يقلب صفحاته ببطء، كأنه لم يقل شيئًا يستحق المناقشة.

عندها لاحظت شيئًا آخر؛ لقد كان يقلب الصفحات بسرعة غريبة. أسرع من شخص يقرأ، وأبطأ قليلًا من شخص يبحث عن صورة مفقودة في ألبوم صور قديم، كانت عيناه تتحركان بآلية متوترة، لا تستقران على سطر واحد، وساد صمت ثقيل كأن الجميع ينتظرون ما سيؤول إليه النقاش الروائي الدائر.

قررت أن ألقي حجرًا في هذه البركة الساكنة فقلت له بصوت خفيض، يحمل براءة مصطنعة: “تعرف يا ممدوح، أكثر ما أثر فيّ في هذه الرواية موقف البطل حين قرر الانتـحـار في الفصل الأخير، هل تظن أن اختياره لطريقة الانتـحـار كان امتدادًا للفلسفة العبثية التي ينظّر لها الكاتب؟”، توقفت يد ممدوح عن تقليب الصفحات وتجمدت نظارته السميكة في منتصف أنفه.

كان يبدو كجهاز كمبيوتر قديم تلقى أمرًا برمجيًا معقدًا فقرر أن يتوقف عن العمل أو ما نعبر عنه بمصطلح: “هنّج”. لكن “تهنيج” ممدوح لم يطل، سرعان ما اعتدل في جلسته بثبات انفعالي يحسد عليه، واحتسى رشفة من قهوته السادة، وقال بنبرة هادئة وواثقة:

“بالضبط يا صديقي، الانتـحـار هنا لم يكن محض فعل مادي لإنهاء الحياة، لقد كان صرخة ضد صمت الكون، هو لم ينه حياته بالمعنى الحقيقي لكنه مارس التفكيك السردي لجسده ليعيد تشكيل هويته في بعد (ميتافيزيقي) موازٍ!”.

أومأت برأسي إعجابًا، لقد كان ردًا عظيمًا منمقًا مفحمًا،  ردًا يصلح جدًا لأن يكتب بماء الذهب ويوضع في صالونات الثقافة.

لكن ثمة مشكلة واحدة صغيرة، صغيرة جدًا.

الرواية التي يتحدث عنها ممدوح، التي ادعى أنها تجسد الاغتراب ووافقني على تحليل انتـحـار بطلها، هي رواية “الجريمة والعقاب” لدوستويفسكي، والبطل “راسكولنيكوف” لم ينـتحر قط لكنه اعترف بجريمته وذهب إلى منفاه في سيبيريا ليتطهر بالمعاناة والأشغال الشاقة!

ابتسمت لممدوح ابتسامة واسعة وأومأت برأسي في حركة لا معنى لها. الحق أنني لم أحاول تصحيح المعلومة لا أمام الرفاق ولا فيما بيننا، لم أرد أن أكسر زجاجه الثقافي الهش. وما الفائدة لو فعلت؟ بل هل أضمن العواقب على نفسية بذلت كل ذلك لتبدو بهذه الصورة التي يمكنني أن أهشمها بكلمة؟

بصراحة لم أعلم، ولم أجد أي دافع نبيل يجعلني أفعل، لكنني في تلك اللحظة، أدركت الحقيقة التي كنت حتى الأمس القريب متشككًا فيها، وها هي تبدو ساطعة كشمس أغسطس، ممدوح لم يكن يقرأ الكتب، لقد كان “يرتديها”!

أو هو يمارس معها طقوس “الاستحواذ”، هو يشتري الرواية المكتنزة أو الكتاب العميق، يمسك بها متنقلًا وهي تحت إبطه لأيام، ثم يضعها في مكتبته الأنيقة لتتأملها الجماهير حين يزار.

هو في أثناء ذلك ربما يمرر عينيه سريعًا على الغلاف الخلفي ونبذة المؤلف، وربما حفظ جملتين من مراجعات الإنترنت السريعة، ثم يخرج للمجتمع حاملًا دكتوراه في الوجودية والعدمية.

لم أشعر بأي انتصار، الحق أنني شعرت بشيء من الشفقة حين أدركت الدوافع الحقيقية وراء هذه المسرحية العبثية. الكتاب تحت إبط ممدوح هو درع واقٍ يحتمي به من حقيقته الموجعة كشاب تعثر مرارًا وفشل في إثبات ذاته. المصطلحات الثقيلة والمبهمة هي “بوتوكس ثقافي” يحقن به تجاعيد جهله ليظهر نضرًا أمام الناس.

هو لا يسعى للمعرفة، هو يسعى للحصانة. حصانة “المفكر” الذي لا يجرؤ أحد على سؤاله عن مصدر دخله أو سبب فشله في الحياة العملية، لأنه ببساطة مشغول بقضايا الكون، ومهموم بأزمة التضخم في زيمبابوي.

الكتب بالنسبة إلى ممدوح لم تكن مصدرًا للمعرفة، لقد كانت “إكسسوارًا” مكملًا للأناقة، تمامًا مثل ساعة اليد الفاخرة أو ربطة العنق الحريرية.

ممدوح هو النموذج المثالي لمثقف “التيك أواي” الذي يريد أن يحصد إعجاب الجماهير بنهاية الماراثون، دون أن يضطر للركض مترًا واحدًا في المضمار.

ولقد قررت أن أترك له المسرح بكامل إضاءته. تركته ليكمل شرحه العبثي لانتـحـار بطل لم ينتـحر، وانسحبت بهدوء، خرجت من المقهى وأنا أفكر في ممدوح، وفي الكتب والثقافة، وفي تلك المسافة الغريبة بين أن تعرف شيئًا وأن تبدو كأنك تعرفه.

ترى هل أنا مختلف عن ممدوح أم أن ثمة ممدوح آخر بداخلي؟ ألا أحمل أنا الآخر أشياء لا أعرف عنها إلا عنوانها؟ ربما! حسنًا، على الأقل أنا لن أضعها تحت إبطي وأناقش بها أحدًا.

في اليوم التالي رأيت ممدوح من بعيد يتأبط كتابًا آخر، لم أسأله إن كان قد قرأه، اكتفيت بأن أومأت له محييًا ونظرت إلى الغلاف، ثم إلى وجهه، وشعرت أن بين الاثنين قصة، قصة لا أريد أن أعرف نهايتها.

مقالات ذات صلة:

المثقفون التائهون

مشروب ساخن على طاولة المبدعين

ما هي الثقافة؟ وما عناصرها؟

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. محمد علي يوسف

‏‏كاتب وطبيب أسنان‏