فن وأدب - مقالاتمقالات

المثقفون التائهون

ظاهرة انشغال المثقفين ببعضهم، كتابة وتحليلًا وتفسيرًا، ظاهرة لافتة في توقيتها، فإذا كان المثقف شخصًا متميزًا، ويستمد تميزه من انشغاله بهموم الناس وأوجاعهم وحمل همومهم، وأداء دور “الوسيط الضرورة” بين الدولة والمجتمع، فسيكون تخليه عن هذا الدور بالفعل “خيانة” لمهمته كونه مثقفًا يؤدي دورًا طليعيًا متقدمًا في حركة الحياة.

حالة “إشغال الناس” بموضوعات لا تؤثر عمليًا ولا إيجابيًا في حياتهم اليومية أبعد ما تكون عن المثقف “العضوي” النظيف، الذي تحدث عنه المفكر الإيطالي جرامشي.

لا يفترض أبدًا في هذا المثقف أن يكون ترسًا في آلة تدور في اتجاه بعيد عن مصالح الناس وهمومهم.

ورغم كل ما كُتب عن المثقفين وأزماتهم وأدوارهم وخياناتهم وولاآتهم، فإنني أعد أن أفضل ما كتب في نقد المثقفين كتاب “المُبتسرون” للراحلة “أروى صالح”، التي فضحت فيه أسوأ جيل سياسي وفكري شهدته مصر الحديثة من التيارات والأيديولوجيات كلها.

الكتاب على أهميته القصوى يتجاهلونه بإصرار وترصد، ليس فقط لأن معظم أبناء هذا الجيل أحياء، وفي سبعينيات عمرهم، ولا يفعلون شيئًا سوى الدفاع عن أوهامهم القديمة وأخطائهم القديمة وآثامهم القديم، لكن لأنهم لا يريدون للدرس أن يصل، ولا للعبرة أن تكون، ويريدون للأجيال التالية أن تدور في “الساقية” نفسها التي داروا فيها باستمتاع ولؤم.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

وهذه هي طبيعة الأشياء في أن “المتسخ” لا يريد أن يرى “نظيفًا” حوله يذكره باتساخه.

من أوائل الكتاب الذين تناولوا مشكلة المثقفين وأدوارهم في مجتمعاتهم الأديب والناقد الفرنسي “جوليان باندا” الذي كتب سنة 1927 م كتابه الشهير “خيانة المثقفين”.

تحدث فيه عن المثقفين كما يرون أنفسهم في مرتبة تفوق مرتبة البشر العاديين، ويؤكد الكاتب على دورهم الهام في فضح الفساد وتعريته ومناصرة الضعفاء. وهذه هي أهم أدوارهم في الحياة.

الكتاب أُعيد طبعه بعد الحرب العالمية الثانية (سنة 1946م) ليفضح أكثر وأكثر المثقفين الذين تعاونوا مع الاحتلال النازي لفرنسا!

ومنذ صدور ذاك الكتاب صار مصطلح “خيانة المثقفين” يرمز للإشارة إلى تخلي المثقفين عن استقامتهم الفكرية وقبولهم بمغريات السلطة، والانحياز لمصالحهم السياسية والنفعية والشخصية على حساب دورهم ومسؤولياتهم الأخلاقية أمام مجتمعاتهم.

وحين يكون الحديث عن “المصالح السياسية والنفعية” على حساب الدور والمسؤولية الأخلاقية، سيكون علينا أن نقف وقفة قصيرة عند الكتاب المجهول للأستاذ هيكل “أزمة المثقفين”.

الذي كان نتاج حوارات طويلة دارت في أوساط المثقفين المصريين عام 1961 م، بشأن تعريف المثقف ومعرفة دوره في ذلك الوقت، الذي كان “الحاكم” وقتها لا يتسامح مع أي نقد ينال منه شخصيًا أو ينال من سياساته.

هو أصلًا قد بدأ مبكرًا في سياسة نشر الرعب منه في قلوب الجميع، وهو ما سيصفه بعد ذلك أتباعه بالهيبة والكاريزما! في تلك الفترة تحديدًا بدأ تطبيق سياسة “حظيرة المثقفين” التي أتقنها لاحقًا فاروق حسني وزير الثقافة الأسبق.

على أنه لم يأت بالتائه كما يقولون، فهذا النهج كان قد استقر في العلاقة بين الدولة القابضة على كل شيء والمثقف الذي تنكر سريعًا لمبادئه، وعاش حياته يبرر للدولة ما تفعله بالحق والباطل.

الكاتب المغربي الشهير عبد الله العروي (92سنة) كتب أيضًا عمله المعروف بخصوص الموضوع نفسه: “أزمة المثقفين العرب”، وهو يرى أن المثقف العربي على طول الخط تقاعس عن قول الحقيقة!

ولأني ضعيف أمام المفكر الكبير “د/إدوارد سعيد” لا يمكن أن نغفل كتابه الأخير، الذي صدر قبل رحيله عام 2003 م “خيانة المثقفين” الذي يحدثنا فيه عن المثقف الذي يرفض ويصادم ويحتك ويتفاعل ويتطور ولا يستجيب لحالة السكون، ويكون “صوت نفسه” لا بوقًا لأحد، ويعبر عن تصوراته قبل كل شيء، ولا يكون محض موظف كفء.

على أن كتاب “المثقفون الزائفون” له أهميته الخاصة في هذا الموضوع، ليس فقط لأهمية كاتبه “باسكال بونيفاس/70 عاما” الذي يعد من أهم المفكرين السياسيين في فرنسا حاليًا، وأحد الأصوات القوية ضد “المشروع الصهيوني”، لكن لأن الكتاب في عملية تشريح كاملة يفضح هذا النوع من المثقفين، الذين يتسم حضورهم العام وأقوالهم في الإعلام بأنها زيفًا في زيف، وهرجًا في هرج.

قد يكونون من أصحاب المواهب كما يقول الكاتب، بيد أنهم أضاعوا مواهبهم في سيل جارف من “الكذب والهراء”.

سيلفت نظرنا أن هناك تيارًا يحاول باستمرار أن يحدد وزن “المثقف” بقربه أو بعده من “الإسلام”، وكلما كان بعيدًا، كان محلًا للترحاب والاحتفاء، والعكس صحيح.

وقد انتبه الأستاذ “العقاد” رحمه الله، لهذه الظاهرة حين فوجئ بالهجوم عليه حين بدأ في كتابة إسلامياته الشهيرة، وبالطبع رد عليهم الهجوم أضعافًا مضاعفة.

وظاهرة اهتمام المثقفين بالإسلام في الأربعينيات من القرن الماضي ظاهرة لافتة، رغم انتشار أفكار التيار اليساري والتيار الليبرالي، وكان هناك أيضًا تيارًا دينيًا واسعًا.

الحاصل أن المثقف حين يصفى له “ضميره” سيجد نفسه تلقائيًا يميل إلى ثقافة أمته ومجتمعه، أما حين يتكدر هذا الضمير بالمصالح والأهواء، سيكون موقفه معاكس تمامًا لثقافة أمته ومجتمعه، وللأسف يتجرأ هذا النوع من المثقفين أكثر وأكثر حين يكون هناك صدامًا بين الدولة وبين التيار الإصلاحي.

وهو ما حذر منه العلامة د/ حامد ربيع رحمه الله، في السبعينيات والثمانينات الماضية في دراسته الشهيرة “نحو ثورة القرن الحادي والعشرين: الإسلام والقوى الدولية”.

وقال نصًا: “القوى الدولية الكبرى والصهيونية العالمية تسعى جاهدة لدراسة تفاعلات “التيار الديني” ودفعه نحو التطرف والصدام الداخلي، لتفتيت الأمن القومي العربي، وتحويل الصراع من صراع خارجي مع العدو، إلى صراع داخلي!”.

وللأسف الشديد لم ينتبه أحد وقتها لهذه التوقع الخطير، وانجرف الجميع نحو الصدام، وهو ما سيستفيد منه أعداء الأمة كلهم، على أن ذلك لن يستمر طويلًا، إذ لا يصح إلا الصحيح، فقوة الأمة في دينها ووحدتها، و”المثقف الأمين” هو من يكون أول المبشرين بذلك.

مقالات ذات صلة:

تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. هشام الحمامى

رئيس المركز الثقافي اتحاد الأطباء العرب – عضو الأمانة العامة والمجلس الأعلى لاتحاد الأطباء العرب – مدير الشئون الطبية بقطاع البترول