متلازمة العقل الفارغ في ضوء مفهوم التوهان النفسي وتفكك الإنية

لا تستقيم خطى الإنسان في الحياة دون توافر مستوى إيجابي من الوعي والإدراك لرباعية: الزمان، والمكان، والآخر، والذات. وإذا فقد الشخص وعيه وبصيرته، تماوج غرقًا فيما يصح تسميته “التوهان النفسي”، بوصفه حالة من ضبابية الرؤية والغموض والارتباك وافتقاد بوصلة التوجيه في الحياة، أو فيما يعبر عنه إجمالًا بمصطلح “فقدان الوعي النفسي بالذات في الوجود وبالوجود في الذات”.
ولا يقصد بهذا المعنى حالات غياب الوعي التي تطرأ على الإنسان بسبب عوامل بيولوجية أو دوائية أو اعتلالات جسمية، بل حالة فقدان الوعي النفسي المجسدة “إعاقة معرفية” (cognitive disability) تختل بموجبها إدراكات الشخص للزمن والوجهة والأماكن والناس من حوله بحيث يصعب عليه التمييز بينها.
من جانب آخر عرف رينيه جرينيل (Renée Grinnell) “التوهان” وافتقاد الوجهة (Disorientation) بأنه “عجز الشخص عن معرفة ذاته ووضعيتها في الزمان والمكان أو الموقف”. ويعبر عن ذلك بمثال وجود شخص غير قادر على تذكر اسمه، ولا معرفة الزمن ولا المكان الذي يتواجد فيه.
يستخدم تعبير التوهان النفسي من المنظور الاصطلاحي للدلالة على ذلك الشخص الذي يجهل ذاته ولا يعرف وجهته ولا مساره في الحياة ولا ماذا يريد. وقد يعبر عن التوهان بأنه “خبرة وجودية تشير إلى عدم إدارك الشخص بذاته في الواقع وانفصاله عنه. ويمكن أن تتضمن هذه الحالة: عدم معرفة وجهته، ولا الزمن، ولا الوقت”.
يمكن وصف ما يعرف اصطلاحًا في أدبيات الصحة النفسية بـ”متلازمة العقل الفارغ” أو “متلازمة الخواء العقلي” وتحليلها وتفسيرها باعتبارها “اعتلالًا نفسيًا” قائمًا بذاته في ضوء ما يصح تسميته “ظاهرة التصحر العقلي”، أو باعتبارها عرضًا جوهريًا من أعراض “تشيُّء الذات” (depersonalization) أو توجه الشخص نحو تفكيك النزعة الإنسانية من ذاته واعتبار ذاته كيانًا ماديًا جسمانيًا خاليًا من الروح بطابعها الفكري والوجداني مماثلة لذاته بالكيانات المادية في الوجود.
ويلاحظ من مراجعة أدبيات المجال في الأخيرة تزايدًا في التقارير العلمية التي تتناول هذا الوباء واصفة إياه بأنه “وباء القرن الحادي والعشرين”، وقد تتمثل أبرز ملامح متلازمة العقل الفارغ فيما يلي:
- عجز الشخص عن تجميع تفكيره في وحدة أحادية الوجهة متسقة المضمون واضحة الدلالة.
- ربما عجز الشخص عن التفكير على الإطلاق ويعبر عن ذلك بالاستقالة الإرادية عن التفكير.
- تصحر العقل وخلوه من أي محتوى ذي قيمة.
- افتقاد الشخص إلى ما يعرف بالحوار الذاتي الداخلي.
- ضبابية الدماغ(Brain fog) وتشوه التفكير وتفكك بنيته إن وجد، الأمر الذي يربك الشخص عن تفهم دلالات موقف الحياة ووقائعها، ومن ثم ولوجه في دوامات التوهان النفسي (Psychological Disorientation).
ومتلازمة العقل الفارغ خبرة نفسية وجودية مرعبة، ويستحسن التعامل معها أنها حالة نفسية اعتلالية قائمة بذاتها وليست محض عرض “لتشيُّء الذات” (depersonalization) “نزع الطابع الإنساني عن الذات” أو “تبدد الشخصية من المنظور الإنساني”، لكونها دالة على حالة يصبح بموجبها العقل نظيفًا خاليًا لا يوجد به شيء. ومع ذلك لا يوجد ما يستدعي الهلع فيما يتعلق بالتعامل مع هذه الحالة لاعتبارات كثيرة، منها:
(1) عليك أن تفهم أولًا أن “التوجه لتشيُّء الذات” رد فعل شائع لأحداث الحياة الضاغطة التي قد تكون: صدمة نفسية، أو حادث طريق، أو بعد تدخين الحشيش (smoking weed). أيضًا التوجه لنزع الطابع الإنساني عن الذات “اللا شخصانية” حيلة دفاعية طبيعية تجاوبًا مع ظروف حياتية عصيبة أو نكبات الحياة ومحنها التي تفوق القدرة على المواجهة، الأمر الذي يجسد حالة يشعر فيها الشخص كأن ما يراه لا وجود له ويهيم في حالة من “الخدر الانفعالي” (emotionally numb) في حلم لا واقع يؤيده، وأنّ الآخرين في الوقت نفسه عبارة عن كائنات آلية، صحيح هذه الحالة النفسية الوجودية مخيفة ومرعبة لكنها ليست مؤذية أو مهلكة وضارة.
(2) ومع ذلك فإن الاستنتاجات المرعبة التي قد ترتبط بهذه الحالة عند تتالي حلقاتها والغرق في دواماتها قد تشي بتخلق ملامح “متلازمة العقل الفارغ” و”متلازمة الخواء العقلي” التي يتعذر على الشخص معها إيجاد تفسير لوقائع الحياة وأحداثها فيتوقف عن محض التفكير أو يلج في غيابات جب الاستقالة من التفكير.
(3) المشكلة إذًا في إنكار عديد من المتخصصين لوجود “متلازمة العقل الفارغ” ويعدّون التحدث نوعًا من المداعبة الشاعرية الأدبية الوجدانية، ربما لعدم تضمينها في الدليل التشخيصي الإحصائي الخامس للاضطرابات النفسية، ومن ثم يرون أنها لا تمثل تشخيصًا كلينيكيًا يمكن الاعتراف به، ويرون أنها عرض تأويليٌ لمسميات أخرى، فقد يصاب شخص بالحمى (fever) ويشخص نفسه بأن ما لديه يمثل “متلازمة سيلان الأنف” (Runny Nose Syndrome) وقد يكون هذا التشخيص وصفًا غير دقيق لكنه يساعد بكل تأكيد في عملية التعافي.
وعلى ذلك تُعبِّر متلازمة الخواء العقلي (Mind Blank Syndrome)، أو متلازمة الدماغ الفارغ (blank brain Syndrome) عن حالة من فقدان الشخص لشغفه واهتمامه بقضايا الحياة وأحداثها ووقائعها ذات القيمة، واهتمامه التام بكل ما يمكن تصنيفه تحت فئة الهيافة النفسية، مع توجهه لا شعوريًا لتفريغ عقله من محتوياته المعرفية كلها والتماوج في دوامات الشك واللا يقين بأي شيء، والعودة كما يقولون إلى حالة التوهان المعرفي التام إذ لا رؤية ولا تصور ولا محتوى معلوماتي جدير بالالتفات إليه على الإطلاق.
غالبًا ما يلجأ ذوو متلازمة الخواء العقلي إلى حيل لا شعورية للاستعلاء على هذه الحالة بافتعال ضجيج معرفي حولهم بإدعاء تميزهم وإبداعهم في تصورات ورؤى لم يأتِ بها غيرهم، دون توقف على الإطلاق للتسويق للذات بكل ما ليس له علاقة بفكر راقٍ أو تصور مدعم بالدليل.
تتعدد التسميات التي قد تطلق على متلازمة الدماغ أو العقل الفارغ وفق السياق الذي يستخدم فيها المصطلح، منها: الإعياء الدماغي (brain fatigue)، الضبابية الدماغية (brain fogging)، التوهان العقلي (brain Disorientation)، الجفاف أو النفاذ والاستنفاذ الدماغي (brain drain)، التجمد الدماغي (brain freeze)، أو انغلاق الكاتب (writer’s block).
وتأسيسًا على ذلك وقياسًا عليه لماذا يستغرب بعضهم من طرح مسمى “متلازمة العقل الفارغ”؟ وماذا نطلق على الشخص الذي تتبدى عليه مؤشرات حالة موهنة وغامضة تجعله عاجزًا عن تكوين أفكاره أو تجميعها في وحدة نسقية بما يترتب على ذلك من تشوه وحيرة وارتباك معرفي وسلوكي؟
مقالات ذات صلة:
التلوث الانفعالي: مفهومه.. أبعاده ومؤشراته
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.