عودة للشمول المعرفي

فرويد في نظرياته النفسية يقول إن شخصيتك وأحلامك وتصرفاتك نتيجة التجارب والأحداث التي حدثت لك في الطفولة، يعني عقلك وجسدك محض ماكينة تدخلها التجارب وتتحول إلى تصرفات وشخصية، وأنت محض مستقبل للذكريات ومنتج للتصرفات.
من بعده ظهرت نظريات تتعامل مع العقل على أنه محض وصلات كهربائية في الأعصاب، وهذه الوصلات الكهربية هي ما تصنع مشاعرنا وأفكارنا كلها بلا روح.
بناء عليه أصبحت حجة وشماعة لكل شخص شرير أو معقد أو يطلب حقوقًا لا يستحقها، يقول إن مشكلاته النفسية والتصرفات الشريرة نتيجة أنه ضحية الظروف والمجتمع وذكريات الماضي! يعلق عليها مشكلاته وتصرفاته الحمقاء كلها!
طيب فيه ناس مرت بالتحديات والظروف نفسها، وناجحون ومحترمون وملتزمون عادي يعني، ليه؟!
في القرن التاسع عشر بدأت الثورة الصناعية وانتشر استعمال الماكينات في تصنيع الأشياء، وصنعت بيئة تتمحور حول فكرة واضحة: أن هناك آلات وماكينات، حيث تدخل المواد الأولية والخامات من ناحية، وتخرج من الناحية الأخرى في صورة مصنوعات ومنتجات.
أخذ الناس والعلماء هذه النظرة وطبقوها على كل شيء! أن عقل الإنسان عبارة عن ماكينة وحاسوب وكمبيوتر، تدخل له معلومات وخبرات في الحياة، وتخرج منه قرارات وتصرفات.
جسم الإنسان عبارة عن ماكينة، تدخل له أغذية معينة، فينتج عنها صحة وشكل معين ويتحرك.
هذه النظرة للحياة أثرت على طريقة تفكير البشر والعلماء، حتى نسي العلماء أننا كائنات حية وبشر وحيوانات ونباتات حية بيولوجية تتفاعل وتتغير وتتطور بإيجابية مع البيئة وما تتعامل معه، ولسنا ماكينات سلبية.
بقرة تدخل الماكينة من ناحية وتخرج من الناحية الأخرى سجق ولانشون!
يثبت كتاب “العقل من الناحية النظرية” (The Brain, In Theory) للكاتب (Romain Brette) عكس ذلك تمامًا.
يقول إن النظرة الهندسية للعقل والمخ، التي وضعتها نظريات كثيرة مثل فرويد، خطأ. إن العقل كائن بيولوجي يتعرض للذكريات، لكن العقل يؤثر ويتأثر ويتطور ويتغير، وله روح وطاقة روحانية تختلف عن الماكينات، لذلك نجد تفاعل العقل يختلف تمامًا عن تفاعل الحاسوب والكمبيوتر والذكاء الاصطناعي.
يعني النظرة الهندسية للعقل والكائنات الحية نظرة ناقصة ولا تعبر عن الواقع، وتؤدي إلى التضليل.
حتى أصبح الناس اليوم ينظرون إلى أنفسهم على أنهم سيارة، تحتاج طعام (بنزين) كي تستمر في العمل! وتجد شخصًا يصرخ من الوهن والضعف وشعور أنه سوف ينهار ويموت، لمجرد إحساس أن موعد الغداء قد جاء ولم يأكل! بيد أنه في الحقيقة لن يموت من الجوع!
هذه كلها أفكار في عقله تعلمها من طريقة تفكير الماكينات والهندسة الصماء الجامدة، وليس التفكير البيولوجي الذي يعرف أن هناك طاقة وروحًا ومشاعر وتفاعلًا وتطورًا مستمرًا، والجسم ليس محض تروس وحديد ووصلات كهرباء.
وصل الكتاب إلى استنتاجين في غاية الأهمية، يمكن أن يحققا تغيرًا في طريقة نظرة العلماء إلى الكائنات الحية كلها وليس العقل فقط:
أولًا:
- صور المحاكاة الحاسوبية واعتبار المخ كمبيوترًا حيًا: يؤكد أن هذه قد تحاكي السلوك الخارجي، لكنها تعجز تمامًا عن توليد إدراك بيولوجي حقيقي.
- خطأ مفهوم الترميز والرقمنة للعقل وسطحيته وطريقة عمله: يجادل بأن مصطلحات مثل “المعالجة والتنبؤ” محض استعارات لغوية من هندسة الماكينات أساء العلماء فهمها واعترفوا بها أنها حقائق وصدقوها.
- وهم الهندسة العكسية: يرى أن محاولة تفكيك الدماغ كأنه جهاز مصنوع برمجيًا طريقة خاطئة تفصل الإدراك عن واقعه. إن الإدراك يختلف تمامًا عن الوعي، وكلاهما يختلف عن طريقة التفاعل مع المعلومات.
ثانيًا:
- حيوية الخلايا العصبية: يقترح رؤية الأعصاب أنها كائنات حية نشطة تتفاعل مع بيئتها، وليست رقاقات إلكترونية جامدة تنفذ أوامر.
- النظام الذاتي للتطور: يطرح نموذجًا للدماغ أنه منظومة حية تنظم نفسها ذاتيًا على نحو مستمر بناءً على التطور الدارويني الطبيعي.
- الارتباط العضوي بالجسد: يربط الإدراك بالتفاعل الفيزيائي المباشر للكائن الحي مع محيطه، بدلًا من النظريات الحوسبية المجردة المعزولة.
- تكامل علم الأحياء: يدعو لتأسيس علم أعصاب جديد يدمج قوانين البيولوجيا الحقيقية ليفهم الدماغ كونه عضوًا حيًا ينمو ويتغير.
هذا الكتاب بداية لعودة العلماء في فروع العلم كله إلى التعامل مع العالم والكائنات بنظرة أكثر شمولًا ولا تقتصر على فكرة الماكينة وأن الداخل هو ما يحدد الخارج دون أي عوامل بيولوجية وروحية أخرى.
طيب، ما أهمية هذا على العلم والدين؟
أهمية هذا أن طريقة تفكير الماكينة تعفي الإنسان من أي مسؤولية، وأن الإنسان مجبر وليس له اختيار في أفعاله وأعماله.
لأن المجرم والشرير والمعقد نفسيًا والفاشل تعرض لصدمات نفسية في طفولته، فهو مجرم يرتكب جريمة! فهو ضحية معذور وفق تفكير فرويد والعلمانيين والملحدين، مجبر ومسير مفعول به، وليس مخيرًا!
رغم أن هناك كثيرين تعرضوا للصدمات نفسها، لكن صالحون وناجحون ومحترمون وعلى خلق ودين، ولم يتحولوا إلى مجرمين! لكن هذا يتناساه أصحاب فكرة الماكينة والداخل والخارج!
طبعًا نتيجة هذا نجد من يطالب بالتسامح مع المجرمين على أنهم ضحايا المجتمع، ومن يقول إن الله لن يحاسبنا لأننا لا حيلة لنا في أفعالنا، إلخ من التخاريف العلمانية التي انتشرت في القرن العشرين.
بالمقابل الأبحاث اليوم تقول إن العقل كائن بيولوجي حي يتفاعل وله روح، ويتأثر بالجسد والروح ويتطور مع مرور الزمن، فتتحسن الحكمة، ويتوب ويعصى، ويتطور ويتغير بمسارات بيولوجية متعددة كثيرة تختلف عن طرق الحاسوب والماكينات والآلات.
وعوامل كثيرة جدًا جدًا وليس محض حاسوب يأخذ معلومات وينتج تصرفات.
هذا الكتاب يُعَد عودة للشمول المعرفي، والجمع بين خصائص الأشياء وعدم الغرق في جزئية وترك بقية الصورة العامة للإنسان والبشر والكون والكائنات الحية كلها والجماد في العالم من حولنا.
مقالات ذات صلة:
هل يمكن تفسير السلوك أنه نتيجة برامج مخزنة في المخ؟
العلاقة بين السلوك الإنساني والبيئة الاجتماعية
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا