تسييس الثقافة (Politicization of Culture)
نقد الممثل الأمريكي "مارك رافالو" (Mark Ruffalo) للرئيس ترامب نموذجًا .. من منظور علم الاجتماع السياسي

الجانب الأول: هجوم “رافالو” على “ترامب” وردود الفعل
أولًا: هجوم مارك رافالو على الرئيس ترامب
في أحدث تصريح له على السجادة الحمراء في حفل جوائز (Golden Globes)، وصف الممثل الأمريكي “مارك رافالو” الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” بأشدّ العبارات النقدية الممكنة، إذ قال ما يلي:
“إن ترامب يقول للعالم إن القانون الدولي لا يهمّه، وأن الشيء الوحيد الذي يهمّه هو أخلاقه الخاصة”.
- وصفه بأنه “أسوأ إنسان في العالم” (worst human being).
- استخدم كلمات قاسية ووصفه بـ”مجرم مدان ومغتصب ومتعاطٍ”، مع اتهامات جنسية خطيرة في سياق حديثه الانتقادي، وفق ما أوردت بعض التقارير.
وقال رافالو: “إذا كنا نعتمد على أخلاق هذا الرجل لقيادة أقوى دولة في العالم، فنحن جميعًا في مشكلة كبيرة، هذا ليس ما أعنيه بأمريكا”.
ربط “رافالو” كلامه بمواضيع مثل:
- سياسات ترامب تجاه الهجرة ووكالة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE).
- انتهاج ترامب مواقف عدائية تجاه القانون الدولي.
- الأجواء السياسية والمخاوف بشأن الضمير الوطني والعدالة.
هذه التصريحات تعكس موقفًا سياسيًا نقديًا جدًا من “رافالو” تجاه ترامب وسياساته، وقد أثارت ردود فعل واسعة في الولايات المتحدة وخارجها.
ثانيًا: ردود الفعل بخصوص تصريحات رافالو ضد ترامب
رد رسمي من البيت الأبيض
ردّ البيت الأبيض على تصريحات “رافالو” بقسوة، وهاجمه شخصيًا بدلًا من الرد على انتقاداته السياسية.
وصفوا “رافالو” بأنه “من أسوأ الممثلين في الصناعة” وأنه إنسان سيئ بسبب ما قاله، معتبرين تصريحاته أكاذيب صريحة.
تأييد من بعض وسائل الإعلام والجمهور
مواقع إعلامية مثل (The Independent) نقلت الدعم الضمني لموقف “رافالو” باعتباره جزءًا من حملة احتجاج بين نجوم هوليوود ضد سياسات إدارة ترامب، لا سيما بخصوص الهجرة والعدالة الاجتماعية.
تغطية إعلامية لمطالبة “رافالو” بتحقيق العدالة
تقارير أخرى ركزت على رواية “رافالو” للمأساة الإنسانية (وفاة رينيه جود) ودعوته لتركز على الإنسانية والعدالة بدلًا من السياسات التي اعتبرها خاطئة.
ثالثًا: ردود الأفعال على وسائل التواصل (غير رسمي)
من مجموعات المناقشة والتعليقات على الإنترنت يمكن إيجاز ردود الفعل العامة كالتالي (تمثّل آراء مستخدمي الإنترنت وليست تصريحات رسمية):
تأييد ودعم لرافالو
بعض المستخدمين رأوا أنه يُقدّم موقفًا شجاعًا لا يخشى التعبير عن رأيه، مشيدين به لجرأته في مواجهة ترامب وانتقاد السياسات المحلية.
آخرون رأوا أن تصريحاته مبالغ فيها أو غير مناسبة لمكان الحدث وزمنه، معتبرين أن هجومه الحاد على الرئيس كان غير لائق.
كثير من المناقشات الإلكترونية تباينت بين من يصف “رافالو” بـ”البطل” الذي يعبر عن صوت المضطهدين، ومن يعتبره محض صوت يسعى لجذب الانتباه دون تأثير حقيقي.
الخلاصة
تصريحات “مارك رافالو” أثارت انقسامًا واضحًا في الرأي العام والسياسي:
- الحكومة الأمريكية الرسمية ردّت بالهجوم الشخصي عليه.
- الصحافة الغربية أبرزت دوره في توجيه رسالة احتجاجية واسعة.
- الجمهور على الإنترنت انقسم بين الدعم القوي والنقد الشديد، مما يعكس الانقسام السياسي في الولايات المتحدة بشأن شخصية ترامب وقضايا العدالة الاجتماعية.
الجانب الثاني: تحليل علم الاجتماع السياسي
ما جرى أبعد بكثير من كونه “تصريح ممثل غاضب”. من منظور علم الاجتماع السياسي، نحن أمام مشهد مكتمل الأركان يعبّر عن تحول بنيوي في العلاقة بين السياسة، الثقافة، والشرعية داخل المجتمع الأمريكي.
وذلك على النحو التالي:
أولًا: المشهد بوصفه صراعًا على الشرعية الرمزية
في علم الاجتماع السياسي (من فيبر إلى بورديو)، الشرعية لا تُنتَج فقط عبر الانتخابات، بل عبر:
- الأخلاق العامة.
- الخطاب القيمي.
- الاعتراف الثقافي.
حين يصف “مارك رافالو” ترامب بأنه “أسوأ إنسان في العالم”، فهو لا يهاجمه سياسيًا فقط، بل: ينزع عنه الشرعية الأخلاقية، ويعيد تعريف من يملك “الحق الأخلاقي” في تمثيل الأمة.
ردّ البيت الأبيض الهجومي يؤكد أن السلطة شعرت بتهديد رمزي حقيقي، لا محض نقد فني.
ثانيًا: هوليوود فاعلًا سياسيًا غير رسمي
في التحليل الكلاسيكي، الممثلون “نخبة ثقافية” لا “نخبة سياسية”.
لكن في الحالة الأمريكية المعاصرة: المشاهير فاعلون سياسيون رمزيون، يمتلكون: رأس مال جماهيري، قدرة على إعادة صياغة الخطاب العام، تأثيرًا عابرًا للأحزاب.
رافالو هنا لا يتحدث بصفته “نجمًا”، بل “ضميرًا” أخلاقيًا بديلًا في مواجهة الدولة. هذا يندرج ضمن ما يسمى: تسييس الثقافة (Politicization of Culture).
ثالثًا: لماذا كان الرد رسميًا وقاسيًا؟
من منظور الدولة الرد لم يكن على “ممثل” بل على سابقة خطيرة؛ فنان يتهم الرئيس بانتهاك القانون الدولي، ويطعن في أهليته الأخلاقية للقيادة.
علم الاجتماع السياسي يفسر ذلك كالتالي: الأنظمة الشعبوية حساسة جدًا للنقد الأخلاقي، لأنها تقوم على شخصنة السلطة، وتحويل الزعيم إلى رمز الأمة؛ أي طعن أخلاقي هو طعن في الأمة نفسها (وفق الخطاب الشعبوي).
رابعًا: الانقسام المجتمعي خلفية حاكمة
ردود الفعل الشعبية المنقسمة ليست عرضًا جانبيًا، بل جوهر الظاهرة. نحن أمام:
مجتمع منقسم قيميًا لا يختلف فقط بشأن السياسات بل بشأن معنى “الأخلاق” ومعنى “الوطنية” ومن يملك الحق في الكلام.
لهذا مؤيدو رافالو رأوه “صوت العدالة”، ومعارضوه رأوه “نخبة متعالية”.
هذا نموذج حي لما يسميه علماء الاجتماع “حروب الثقافة” (Culture Wars).
خامسًا: تآكل الهيبة التقليدية للمنصب الرئاسي
في الماضي انتقاد الرئيس علنًا بهذه اللغة كان استثناءً. اليوم أصبح جزءًا من المشهد السياسي الطبيعي. وهذا يعكس تراجع الهالة المقدسة للسلطة، وصعود خطاب الفضح والإدانة والمحاسبة الأخلاقية العلنية. وهو ما يفسر لجوء الدولة للهجوم الشخصي بدل النقاش السياسي.
سادسًا: الخلاصة السوسيولوجية
من منظور علم الاجتماع السياسي، ما حدث يعكس:
- تحول الصراع السياسي من السياسات إلى الأخلاق.
- تداخل الثقافة والفن مع السياسة بوصفها أدوات مقاومة.
- هشاشة الشرعية الشعبوية أمام النقد القيمي.
- تعمق الاستقطاب المجتمعي بخصوص من يملك تعريف “الخير والشر”.
- انتقال السياسة من المؤسسات إلى الفضاء الرمزي والإعلامي.
خلاصة الأمر
ما قاله مارك رافالو لم يكن رأيًا فنيًا، بل ممارسة سياسية رمزية كشفت أن الصراع في أمريكا لم يعد على السلطة، بل على تعريف الأخلاق والشرعية ذاتها.
*يعتمد هذا التحليل في بنائه الأولي على مساعدة توليدية من نموذج (ChatGpt)، وقد جرى إعادة تحرير محتواه وصياغته علميًا بما يتوافق مع منهج الباحث.
مقالات ذات صلة
هل نعيش عصر الإلحاد والفوضى الأخلاقية؟!
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا