السعداء

سلامًا على هؤلاء الّذين طالما كانوا معنا فأسعدونا، وأدخلوا البهجة على نفوسنا فآنسونا، وربتوا على قلوبنا فهدهدونا، وتملّكوا أرواحنا فأراحونا، في الوقت الّذي يعانون فيه أصناف الّلأواء، ويتحمّلون أضعاف ما تحمله الجبال من دروب الشّقاء، وأثقال ما تنوء به التّلال من أنواع العناء، وأجناس الفناء، ومتاهات القضاء، مع وخز الألم، وتناثر شتّى السّقم، لكنّهم مع ذلك يؤثرون على أنفسهم، وبهم خصاصةٌ.
سلامًا على هؤلاء الّذين سكبوا أنفسهم عطورًا في مستنقع حياتنا، ومستقذر معيشتنا، وهم في أمسّ الحاجة إلى قطرةٍ منه، بيد أنّهم أحرقوا أرواحهم بخورًا، يفوح منهم المسك، ويضوع فيهم العبير!
فسلامًا على هؤلاء الّذين أوقدوا من ذواتهم شموعًا تضيء لنا ما أظلم من الدّهر، وتنير ما ادلهمّ من السّبيل في هذي الحياة الظّالم أهلها، المنقلبة أحوالها، السّيّئ مآلها، تلكم الحياة الّتي طالما بخل أصحابها، وتجبّر أربابها، وعفنت آكامها، وشابت آرامها، وتجبّر آسادها، وتراقصت أوتادها، وظهر ذئابها، ونبح كلابها، وخاب مآبها.
فسلامًا ثمّ سلامًا ثمّ سلامًا على هذي الأرواح الطّاهرة، وتلكم النّفوس المتسامية، وهاتيكم الذّوات الرّاقية الّتي تئنّ من أجل الآخرين، وتشقى لإسعاد المحيطين، ثلّةٌ من شخصيّاتٍ قد انقرضت، وكائناتٍ قد عفا عليها الدّهر وانقضت!
كيف تكون أسعد الناس؟

الرفق بالآخرين
ارفقوا بالآخرين، وتسامحوا مع المحيطين، هدهدوا ذواتهم، وأريحوا أنواتهم، واربتوا على صدورهم، واشفقوا على قلوبهم، ووضّحوا لهم دروبهم، وكونوا سببًا في حبورهم، وطبطبوا على أرواحهم، وامسحوا دمعاتهم، وأمّنوا روعاتهم، وخفّفوا جراحاتهم، وانظروا شعورهم، وأوفوا نذورهم، واحفظوا أسرارهم، واحملوا عنهم أوزارهم، وابتسموا في وجوههم، وراعوا جنوبهم، واجبروا كسورهم، وأعينوا ضعيفهم، وساعدوا كفيفهم، وارأفوا بسائلهم، وأقروا نازلهم، وأعطوا محتاجهم، وانظروا ملتاجهم، وتعهّدوا كسيرهم، واحترموا كبيرهم، وهذّبوا صغيرهم، ولا تغدروا، ولا تفجروا، ولا تختصموا، ولا تنتقموا!
كونوا دائمًا الكفّ الحانية، والنّظرة السّاجية، والقبلة المرطّبة، والكتف المطبّبة، كونوا لهم العصا الّتي يتوكّؤون عليها، ويستندون إليها، كونوا لهم نعم النّصيح، والأخ السّميح، طبّبوا آلامهم، وحقّقوا –إن استطعتم– آمالهم، وكونوا لهم المأوى والسّكن، والمتّكأ والأمن، والمرتجى والمستكنّ، والقلب والجفن!
قيمة المرء ليس بما يملك

اعلم يا صاحبي أنّ قيمة المرء الحقيقيّة ليست في مناصب يرتقيها، أو مراتب يعتليها، أو جواهر يقتنيها، أو دارًا ينتقيها، أو مكانةً يأوي إليها، أو قبيلةً يستند عليها، أو سيّارةً فارهةً يحوزها، أو مؤسّسةً كبيرةً يسوسها، أو امرأةً جميلةً يتزوّجها، أو شهادةً عاليةً يجتازها، ولا هي وظيفةً مرموقةً، ولا أموالًا مخزّنةً، ولا سبائك مكدّسةً، ولا ضياع مؤمّنةً، ولا قصورًا محصّنةً.
إنّما تكمن قيمة المرء الحقيقيّة في كونه إنسانًا يحبّ النّاس ويحبّونه، يألفهم ويألفونه، يشعر بمآسيهم، يقترب منهم ويواسيهم، يحسّ بآلامهم، ويحقّق –ما استطاع– آمالهم، ويسعد لأفراحهم، ويبكي لأتراحهم، ويئنّ لأوجاعهم، ويقف ضدّ من أجاعهم، يرحم صغيرهم، ويوقّر كبيرهم، ويعلّم جاهلهم، ويحبو سائلهم، ويقري نازلهم، ويعطف على معوزهم، ويربت على عجائزهم، ويساعد مكفوفهم، ويغيث ملهوفهم، ويتجاوز عن مذنبهم، ويخفّف عن معذّبهم، ويقبل عذرهم، ويحفظ سرّهم، ولا يهتك سترهم، بل يقيل عثرتهم، ويخفي كبوتهم!
مقالات ذات صلة:
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا