العقل ومدارس الفلسفة الإسلامية .. الجزء التسعون
المدرسة المشّائية: (88) أبو الحسن العامري وكتابه: "الأمد على الأبد": فلسفة الزمان والأبد [5]: المعاد: طريق الإنسان إلى الأبد

تحدثنا –صديقي القارئ صديقتي القارئة– في الدردشة السابقة، عن أبي الحسن العامري وكتابه: “الأمد على الأبد”: فلسفة الزمان والأبد [4]: المعاد: أبد الزمان اللا متناهي.
ولنواصل –في هذه الدردشة– مقاربتنا التأويلية للفيلسوف أبي الحسن العامري وكتابه: “الأمد على الأبد”: فلسفة الزمان والأبد.
الطريق إلى الأبد: أفاعيل النفس الناطقة
هناك –وفقًا للعامري– ثلاثة أنواع من الأفعال الشريفة، يوضحها إذ يقول: “النفس النطقية في الإنسان تكون مختصة بثلاثة أصناف من الأفاعيل الشريفة: صنف منها تؤديه بمشاركة البدن، وهو الإعراب عن الضمير، وصنفٌ منه تؤديه بقوة الفكر، وهو تأليف المقدمات لتغزير النتائج، وصنف منه تؤديه بقوة الرأي، وهو إثار أفضل ما في طرفي الإمكان”.
النفس الناطقة: قادرة على رد تأثيرات الأجرام الفلكية
ولا شيء يحول بين الإنسان وبين اختياراته، وأفاعيل نفسه الشريفة، ولو كانت قوة تأثير الأجرام الفلكية، وفي هذا المعني يقول العامري: “ولهذا ما اتفق أئمة المنجمة على أن النفس الناطقة قد تقوى على رد آثار الأجرام العالية، فإن قوة الأجرام طبيعية وقوة النفس اختيارية. ومتى تأيد المختار بالقوة الإلهية المستعلية على الطبيعة المسخرة أمكنه التصرف على مقتضاها كيف ما أوجبته قوته العاقلة. وإن التأثير الفلكي مقصور سلطانه على كل من كان في أنحائه متبعًا للمزاج الجسداني، فأما من اتبع العقل فلا سلطان له عليه”. وبهذا يرد العامري على منجمي عصرنا المؤمنين بحتمية تأثير الكواكب على مصير الإنسان!
الدين الإلهي يحرر الإنسان
يرى العامري أن العبودية لله هي قمة تحرره وفك أسر قيده وأغلال نفسه، فيقول:
“فقد ظهر إذًا أن الدين الإلهي يكون بأوضاعه الشرعية نازلًا من النفس النطقية منزلة الشيء الذي يحلها عن القيد والأسر”.
“ولهذا ما اتفق المتدينون والحكماء الإلهيون على أن النفس متى تدنست بشهوات بدنها، وأبطلت سلطان عقلها، فقد استوجبت عقوبة الله عزّ اسمه بالآفات الحسية والآلام الطبيعية. ثم لن تتفادى عن عقوبته إلا بتفادي شهواته أولًا، ثم بالتضرع إليه تعالى في تكفير المجترح من سيّئاته ثانيًا”.
تكامل النفس: العقل والوعد والوعيد الإلهي
إن النفس الإنسانية لن تبلغ كمالها ولن تفوز بسعادتها إلا بنيل ما دعاها العقل للفوز بالوعد (الثواب) الإلهي، وتجنبت ما نهاها عنه بالوعيد (العقاب) الإلهي، وفي ذلك يقول العامري:
“إن العقل الصريح منبّهٌ للنفس على خسائس الحياة الدنيوية، ومشوقٌ لها إلى الحياة الأبدية، وأن التنزيل الإلهي –أعني المتضمن للوعد– مصورٌ لها الكمال المطلق، وفاتحٌ الطريق إلى إصابته. فإن الدين الحقيقي سائق لها بالتدريج حسب سياقة الطبيعة للهيكل القالبي (الجسد) إلى التكامل بالنفس النطقية، وإن ذات النفس في جوهريته لن يفوز بكماله المطلق إلا بنيل ما دعاه الوعد إليه وصوره على الحقيقة لديه”.
“وإذ عرف الحال في الوعد على هذه القسمة، فقد اتضح الحال في الوعيد على ضدها، وعلم أن الأفضل في الحكمة، والأتم في السياسة، والأبلغ في المثوبة، والأحكم في القدرة، أن تكون الأرواح في القيامة مردودة إلى أجسادها عند النشأة”.
سقراط يتطلع إلى الخلود في الأبد
وينقل العامري حديث سقراط الرافض لفكرة الانتحار، والمستبشر بالحياة الأخرى التي سيلقى فيها السادة الكبراء، فيقول: “فيعلم إن الموت، وإن كان مرًا في مرأى العين كريه اللقاء، فإنه في الحقيقة معبرٌ إلى سادةٍ هم أكمل لوصاله ممن واصلهم طوال حياته، وأخلص له ممن كان يصادفهم في دنياه. فلا يكره حضور الموت، ولا يكترث بوروده عليه”.
العبودية لله: الحكمة والحرية الحقيقية
يقول العامري: “وإذا علم أن الجبّلة (الطبيعة) الإنسية مشاركةٌ للحيوانات كلها في الجسمية، وفي الطبيعة، وفي قوى النفس الحسية، ثم تنفصل عنها بالنطقية، فهي إذًا توصف بالإنسانية إلا بهذه”. “فإذًا: الفائز بالحكمة الحقيقية، والمرتاض (التهذيب الروحي) بالعبادة الخالصة، هو الموصوف بالفضيلة المطلقة. فإذًا: كل من لم يكن حكيمًا متعبدًا فإن إطلاق وصف الفضيلة عليه لن يكون إلا بمنزلة الظل والخيال”. “فإذًا: سبيل النفس الناطقة في الميل إلى ما هو جميل والنفار عما هو قبيح مضاهية (مساوية) لسبيل الروح الحسية في الميل إلى ما هو ملذ والنفار عما هو مؤلم”.
خلاصة تأويلية: الأمد على الأبد = القسمة على اللا متناهي تساوي صفرًا:
فعمر الدنيا وأمدها على الأبد ولا نهائيته يساوي صفرًا. كما أن معقولية المعاد وخلود النفس والوعد والوعيد الإلهي أمورٌ حقةٌ تقرها الحكمة، وتعاونها على بلوغ كمالها الملة: “فالنفس النطقية وإن كانت فائزةً بنور العقل، فإنها لن تقوى على التطلع به إلى العالم العلوي ما لم يعاونها نور الملة ونور الحكمة. فهي إذًا: بمجموعهما تصير منيفةً (مطلةً) على الملكوت الأعلى في معدن الروحانيين”، هكذا: تتساند الحكمة والملة، عند الفيلسوف أبي الحسن العامري، في إثبات: أن الأمد، وإن طال، فإلى منتهى، وإن الأبد: هو مصير الإنسان في الزمان اللا متناهي، وأن المعاد: هو الجائزة الإلهية للنفس الإنسانية العاقلة الحكيمة، وفقًا للوعد، وأن العقاب هو الجزاء الوفاق للنفس البهيمية الحسية المادية، طبقًا للوعيد.
في الدردشة القادمة –بإذن الله– نبدأ رحلتنا التأويلية مع ابن جلجل وكتابه: “طبقات الأطباء والحكماء”: التأريخ الحضاري للفلسفة [1]: مقدمة.
مقالات ذات صلة:
الجزء التاسع والثمانون من المقال
الجزء الثامن والثمانون من المقال
الجزء السابع والثمانون من المقال
الجزء السادس والثمانون من المقال
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا