قضايا وجودية - مقالاتمقالات

في لحظات الشدة

في بعض لحظات الشدة يحدث شيء غريب في الإنسان، يظل الجسد واقفًا والعقل يعمل، الهاتف ممتلئ بالأرقام والأصدقاء من حولك والأبواب التي اعتدت طرقها ما زالت في أماكنها، ومع ذلك تشعر أن شيئًا أساسيًا قد انقطع. كأنك تحاول تحريك عضلة سليمة، لكنها لا تستجيب.

شعور يشبه الشلل، لكنك تتحرك!

في قواميس الطب يعرّف الشلل بأنه انقطاع الإشارات العصبية بين الدماغ والعضلات، الأمر موجود في الدماغ والعضلة موجودة، لكن الطريق الذي يحمل الإشارة قد انقطع. الإرادة حاضرة لكن الجسد لا يسمعها. كأن بين القائد وجنوده بريدًا قد انقطع، فبقي الأمر في غرفة القيادة ولم يصل إلى الميدان.

صورة الشلل موجعة في عجزها، إنسان حاضر بكل وعيه، يرى يده أمامه، يريد أن يحركها، يأمرها في داخله، ثم لا يحدث شيء.

وللصورة وجه آخر لا تلتقطه أجهزة الرنين، ولا يظهر في تخطيط الأعصاب.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

قد يملك الإنسان من الأسباب ما يكفي لتحريك الدنيا من حوله، ثم يعجز عن تحريك قلبه في الاتجاه الذي ينجيه. الأبواب كثيرة، والوسائل متاحة، العقل يعمل والجسد صحيح، لكن الصلة التي تمنح كل ذلك معناه قد أصابها ما يشبه الانقطاع.

يذهب إلى عمله، يتحدث، يضحك، يخطط، يمسك بأسباب حياته كلها، ثم تأتي لحظة يحتاج فيها إلى شيء أكبر من ما يملكه كله، فيكتشف أن يديه اللتين اعتادتا الإمساك بكل شيء لا تستطيعان الارتفاع إلى السماء.

أن تنقطع الصلة بين القلب والرب، أن تصبح الأزمة أكبر في عين العبد من قدرة الله عليها، وأن يرى الأسباب أوضح في قلبه من مسببها سبحانه.

هنا يبرز الحديث العجيب: “أعجز النّاس من عجز في الدّعاء”. تأمل الكلمة: أعجز الناس. ليس العجز هنا أن تفقد قوة في يد، أو قدرة في جسد أو حاسة في البدن، العجز هنا أن تحتاج، ثم تعجز عن الطلب ممن يملك حاجتك. أن تضيق بك الدنيا، وتظل واقفًا أمام أبواب الأسباب، وتنسى الباب الذي لا يغلق.

قد تكون كثرة الأسباب نفسها حجابًا، تعرف ماذا يفعل الطبيب، وماذا يفعل المال، وماذا تفعل العلاقات، وما يستطيع النفوذ أن يفتح من أبواب، ثم تنسى أن لكل سبب سقفًا لا يتجاوزه، سقفًا لن تبلغه إلا بالدعاء.

من هذا المنطلق يمكنك أن تدلف إلى سورة غافر. سورة مكية، تحمل اسمًا من أسماء الله الحسنى: غافر. والسور التي تحمل اسمًا من أسمائه دومًا يحضر فيها التعريف به جل وعلا، سورة غافر تضع منذ بدايتها خريطة كاملة أمام عينيك، لتعرّفك بمن سترفع إليه يديك: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3)﴾.

ربٌّ عزيز عليم، يغفر الذنب، ويقبل التوبة، وشديد العقاب، وذو فضل واسع. الرحمة هنا ليست أمنية معلقة في الهواء، والعقوبة ليست فكرة مجردة. كلاهما جزء من معرفتك بخالقك. ومن عرف الله على هذا الوجه، عرف كيف يخاف، وكيف يرجو، وكيف يدعو، هذا هو الرب الذي ستدعو.

عند فهمك لهذا المدخل ستلتقط خيط السورة الذي سنراه يتكرر أمامنا: أن تعرف ربك، فتدعوه، وأن تعرف ضعفك، فلا تستكبر عن بابه، وأن تأخذ بالأسباب، دون أن تجعل قلبك أسيرًا لها.

ثم تأتي المفارقة الكبرى.

أمام هذا الكلام العظيم عن الله، والآيات المتتابعة، والكون المفتوح، يظهر الإنسان الذي اختار الجدال: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (4)﴾.

تطرق كلمة الجدال أبواب السورة ثلاث مرات، لتكشف عن ذلك الخيط الآخر الذي يعترض طريق الدعاء: الجدال، هو هنا ليس بحثًا هادئًا عن الحقيقة، هو جدال بالباطل لإدحاض الحق.

لكن السورة لا تتركك في حيرة أمام هذا العناد، هي تشير مباشرة إلى العلة الكامنة خلفه: ﴿إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ ۚ﴾.

أحيانًا، لا تكون المشكلة في قلة الأدلة لكن في أن الإنسان لا يريد النتيجة التي تقوده إليها، الأدلة تفتح له بابًا للحقيقة، لكنه يرى في عبوره هدمًا لصورة بناها عن نفسه، أو خسارة لمكانة اعتادها، أو مساسًا بكبرياء صار جزءًا من جلده، هنا يجادل. ثم يتحول الجدل إلى مهنة واستعراض للعضلات الفكرية، حتى ليبدو أحيانًا أن بعض العقول قادرة على تشييد قصر من الأعذار فوق حفرة من الباطل، فقط لكي لا تسلم بالحقيقة.

وهنا، وأمام هذا الاستنزاف الطويل للروح في معارك الجدال، تأتي الجملة التي تشبه طوق النجاة: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، استعذ بالله. ها هي تعود بك مرة أخرى إلى محور السورة: الدعاء واللجوء إلى الله.

الاستعاذة دعاءٌ في جوهرها، فهي لجوء القلب إلى الله، واعتصامه به من شرٍّ يخافه أو أمرٍ يعجز عنه، وإقرارٌ صامت بأن لا ملجأ ولا منجى منه سبحانه إلا إليه. وحين يكون الخصم أسير كبره، لا تنفع معه كثرة الكلام ولا قوة الحجة. المعركة الفكرية قد تحرق روحك وتشتت قلبك، فكان العلاج أن تنفض يديك أحيانًا من الجدال العقيم، وتعتصم بالسميع البصير مستعيذًا.

كأن السورة تقول لك: لا ترهق قلبك دومًا في محاولة إقناع المستكبر، ادع، واستعذ، والتجئ لمن يملك مفاتيح القلوب كلها.

ثم فجأة تتغير زاوية المشهد. نخرج من ضجيج الأرض إلى سكون الملأ الأعلى. ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾.

تأمل.

حملة العرش ملائكة من خلق الله العظيم، في مقام عظيم، في عبادة عظيمة، ومع ذلك يشغلهم شأن المؤمنين، يستغفرون لهم، ثم يرفعون دعاءهم: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ ۚ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9)﴾.

كم هو جميل هذا المشهد. الحب في الله هنا يتجاوز حدود الزمان والمكان واختلاف الخلق. ملائكة في عالم آخر، ماذا يفعلون؟ يدعون، الدعاء مرة أخرى لكنه هذه المرة للغير، لبشر يمشون على الأرض. ولا يقتصر دعاؤهم على النجاة من النار، هم يرجون لهم الجنة، بل يرجونها لآبائهم وأزواجهم وذرياتهم الصالحين، ويخافون عليهم من السيئات.

هذا هو الحب حين يتحول من شعور ساكن إلى دعاء. أن تريد الخير لمن تحب حتى حين لا تملك له شيئًا في ظاهر الأمر سوى أن ترفع اسمه في دعائك.

ثم تعود السورة إلى الأرض، ثمة قصر مهيب ستنطلق الأحداث من داخله: قصر فرعون، والقصر الفرعوني في القرآن ليس محض بناء ضخم يسكنه طاغية مدعي ألوهية، هو نموذج كامل للقوة حين تنفصل عن الحق: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26)﴾.

“ذروني”، ما أطرف الكلمة حين تخرج من فم فرعون! وهل يستأذن؟ ومنذ متى يحتاج مثله إلى إذن؟ أم هي إحدى تلك الحيل القديمة أن يصنع حوله مسرحًا يوحي بأن هناك اتجاها ورأيًا عامًا ومشاورات، في حين أن القرار معروف قبل أن يبدأ الاجتماع، وإن من حوله يعرفون المطلوب دومًا.

هو لا يحتاج إلى أن يقول كل شيء. إشارة صغيرة تكفي ثم ستتحول الإشارة إلى رأي عام وستصبح رغبته عنوانًا يشرح المراد كاملًا، الأعجب أنه قدم رغبته باعتبارها دفاعًا عن الدين: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾. لغة في ظاهرها أخلاقية يبرر بها فعلًا غير أخلاقي: ﴿وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾.

لكن موسى لم يترك وراءه قصر فرعون خاليًا من أثر.

اللافت أن السورة لا تجعل طريق الهداية مرهونًا بموقع الإنسان في المشهد، لم يكن القصر محصنًا بالحديد وحده، لقد كان محصنًا بالخوف والمصلحة والحاشية، وكل ما يجعل الإنسان يفكر ألف مرة قبل أن يقول كلمة واحدة صادقة.

رغم ذلك خرج من داخل هذا القصر رجل، رجل مؤمن.

كأن السورة تذكرك بأن الحواجز التي يراها الناس على الأرض ليست هي الحواجز التي تحكم القلوب، قد يفتح الله قلبًا في المكان الذي حسبته أكثر الأماكن استغلاقًا، وقد يجعل كلمة صادقة تعبر من بين جدران لا تستطيع قوى الأرض اختراقها. لقد وصلت دعوة موسى عليه السلام إلى الداخل.

امرأة فرعون آمنت، وماشطة ابنته آمنت، والسحرة الذين حشرهم آمنوا، ثم هذا الرجل المؤمن من آل بيته آمن أيضًا. وهذا في ذاته مشهد يستحق التأمل طويلًا.

لم يكن إيمان هذا الرجل تفصيلًا عابرًا في قصة موسى عليه السلام، إن وجوده في ذلك الموضع نفسه يفتح سؤالًا أكبر: ماذا تفعل الهداية حين تدخل إلى المكان الذي صمم ليمنعها؟

قد تكون الكلمة التي تبحث عن طريقها إلى قلب إنسان ما قد وصلت إليه من حيث لا تدري، وقد يكون بينك وبين ذلك القلب أبواب تظنها محكمة الإغلاق، في حين أن الله سبحانه لا يحول بينه وبين هدايته حجاب من حديد ولا قصر من حجارة. لهذا لا تملك القلوب إلا أن تظل في يد مولاها.

كيف عبرت الرسالة هذه الأسوار كلها؟ كيف وصلت كلمة موسى إلى داخل بيت الرجل الذي يناصبه العدواة؟ إن هذا الرجل لم يظهر فجأة يوم الأزمة ولم يولد إيمانه في لحظة انفعال عابرة. سورة غافر تخبرنا أنه كان ﴿يكتم إيمانه﴾، والكتمان يعني زمنًا و رحلة. ويعني دعوة وصلت إليه من قبل وتركت أثرها ونمت داخله حتى جاءت اللحظة التي خرج فيها الإيمان من الظل إلى العلن.

إن الهداية لا تقاس دائمًا بعدد الأبواب المفتوحة. قد يكون الباب الذي تظنه مستحيلًا هو الباب الذي يفتح منه الله طريقًا إلى قلب لم يخطر لك أنه سيؤمن يومًا. لذلك لا ينبغي للعبد أن يحكم على قلوب الناس من مواقعهم ومظاهرهم.

في ذلك القصر وجد قلب مؤمن وقد تجد خارجه قلبًا مستكبرًا. القلوب بين أصابع الرحمن، والهداية فضل منه سبحانه.

ثم تأتي اللحظة الحاسمة، إن مؤمن آل فرعون كان يكتم إيمانه حتى جاءت تلك اللحظة التي تسلط عليها سورة غافر الضوء كله، لحظة جعلت الكتمان يتحول إلى صدع؛ لقد قرر فرعون قتل موسى.

هنالك خرج الرجل من الظل: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ ﴾.

تأمل البداية: لم يبدأ بالصراخ ولا بإثارة الغضب، لقد بدأ بسؤال عقلي بسيط: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، ثم يضع أمامهم ميزانًا من الإنصاف: ﴿وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ۖ ﴾. ثم يمضي في دعوته ويظهر فن الإقناع في صورة ناضجة للغاية: عقل وحجة، حب وتأليف قلوب، تاريخ وتذكير بمصائر الأمم، ترغيب وترهيب، تواضع وتدرج.

لقد كانت كلمات مؤمن آل فرعون بمقام نصيحة نموذجية شاملة جامعة جمعت كل ما سبق ولم ينقصها المنطق العقلي ولا المعالجة الإيمانية، هي منهاج دعوي متكامل يزينه تواضع الداعية وأدبه واحترامه للمخاطب.

ستجد في كلماته ترغيبًا: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40)﴾

وستجد الترهيب من العقوبة الدنيوية: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ(30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ ۚ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ (31)﴾، وأيضًا الترهيب من العقوبة الأخروية: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ۗ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33)﴾.

وستجد فيها الحجة العقلية البسيطة والواضحة: ﴿وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾

وستجد التواضع والأدب في الخطاب: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾، أيضًا ستلحظ الحرص الشديد وتأليف القلب بتكرار لفظ الخوف على قومه، بل النداء نفسه إذ تتكرر منه كلمة: ﴿يا قوم﴾، كأن الرجل لا يخاطب خصومًا يريد إسقاطهم، وإنما قومًا يريد إنقاذهم: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38)﴾.

ولعل تكرار “يا قوم” من أجمل ما يكشف قلب الرجل قبل أن يكشف حجته، لم يقل: يا هؤلاء، ولم يقل: يا أعداء الله. لم يجعل اختلافهم معه سببًا لإسقاط رابطة الانتماء التي تجمعهم به.

كان يخاطبهم من داخل الدائرة نفسها التي يريد إنقاذهم منها، كأن كل كلمة يقولها تحمل معها قدرًا من الشفقة: أنتم قومي، لذلك أخاف عليكم.

وهنا منطلق آخر للدعوة، فالحجة التي تخرج من قلب لا يريد لصاحبها إلا أن ينتصر شيء، والحجة التي يختلط بها خوف حقيقي على المدعو من عاقبة ما هو فيه، شيء آخر.

ثم يصل إلى تلك الجملة التي تكاد تختصر قلب الدعوة كلها: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41)﴾. هذا الرجل يخاف عليهم، وهنا تتحول الدعوة من انتصار على الخصم إلى إنقاذ للخصم، وهذا فارق كبير.

فالداعية الذي يسعده سقوط الناس في الباطل أكثر مما يسعده خروجهم منه يحتاج أن يراجع قلبه قبل أن يراجع حجته.

أما مؤمن آل فرعون فقد كان يخاف عليهم: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾، ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾، لم يكن الخوف على نفسه هو مركز خطابه، لقد خاف عليهم، وهذا أصل عظيم من أصول البلاغ، أن يكون في قلب الداعي للخلق نصيب من الرحمة والشفقة، أن تتمنى لهم النجاة لأنك عرفت شيئًا من الحقيقة.

ستلحظ كذلك العمق التاريخي وثقافة الداعية الذي يستحضر تاريخ الأمة والأحداث التي أثرت في مسارها: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُم بِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ (34)﴾.

ثم يختم الرجل المؤمن بلاغه ويبلغ ذروة خطابه ويتم دعوته بنموذج عملي للتسليم المطلق والتفويض التام الذي هو محور السورة كما بينا، التعلق بالله وحده: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44)﴾، يا لها من لحظة!

لقد بذل الأسباب، تكلم وجادل، نصح وحذر، قدم الحجج ثم سلّم الأمر كله لله. لم يشترط استجابة ولم يربط دعوته بامتثال أو قبول من مدعويه لكن فوض أمره إلى من إليه يرجع الأمر كله. خطاب شامل متكامل يحتاج إلى إدراك أبعاده أولئك الذين تصدروا للدعوة وتعليم الناس ونصحهم.

هنا تأتي النتيجة: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ۖ﴾.

التفويض لله ليس كسلًا ولا يعني أن يترك الإنسان الأسباب ثم يسمي تقصيره توكلًا. التفويض لا يعني أن تترك عجلة القيادة ثم تزعم أنك سلمتها لله، التفويض الحق أن تعرف أين تنتهي يدك وأين يبدأ ما لا تملكه، أن تبذل السبب الذي تستطيع، ثم لا تجعل قلبك معلقًا بالنتيجة التي لا تستطيع. تتحرك بجوارحك كأن الأمر يتوقف عليك، وتفوض بقلبك لأن الأمر كله بيد الله.

هذه ليست مفارقة، هذه هي حقيقة العبودية حين تستقيم. التفويض والدعاء يأتي قبل ومع وبعد بذل الوسع، حين يستنفد العبد ما يقدر عليه، ثم يعرف أن الأمر في النهاية لله. تعمل يدك، ويستريح قلبك إلى مراد الله. تخطط وتستعين وتتحرك، ثم لا تجعل قلبك عبدًا للنتيجة.

لأجل هذا تتكرر في سورة غافر معاني الدعاء والاستعاذة والتفويض بصورة لافتة حتى يصبح الدعاء كأنه الخيط الذي تنتظم فيه أجزاء السورة كلها:  ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (14)﴾، ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۗ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65)﴾.

تأمل الوصف قبل الدعاء: ﴿هو الحيّ﴾، ثم ﴿لا إلٰه إلّا هو﴾، ثم ﴿فادعوه﴾، كأن السورة تعلمك كيف تدعو، اعرف من تدعو ابتداءً، اعرفه بأسمائه وصفاته، تعرف على فقرك وغناه، على ضعفك وقدرته، اعرف حاجتك وفضله، ثم ارفع يديك. لهذا كان الإخلاص حاضرًا في الموضعين: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، و: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.

ثم تكشف السورة عن الوجه الآخر للصراع.

وجهٌ تضيق فيه النفس بالتوحيد الصافي وتستوحش من صفات الله: ﴿ذَٰلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ ۖ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ۚ﴾. تأمل هذه المفارقة الموجعة.

حين يدعى الله وحده، يضيق الصدر وتنتفض النفس استكبارًا أما حين يذكر الشرك وتتعدد الآلهة الوهمية، يستبشر القلب الخرب ويرتاح. هذا هو الانتكاس التام للفطرة حين يستحكم الباطل في الروح، فتصبح الحقيقة ثقيلة، ويصبح الزيف هو الملاذ الآمن.

تتجسد هذه العقلية المنكوسة في أوضح صورها في سخرية فرعون من فكرة الدعاء من الأساس: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ۖ ﴾. تأمل الكلمة: “وليدع ربه”! تخرج في فمه مثقلة بسخرية رجل لا يرى أبعد من قوته وأسواره، كأن الدعاء، في حساباته المادية هو تفصيل هامشي لا يغير من المعادلات شيئًا.

وأمام هذا الاستخفاف، يجيب موسى عليه السلام بطريقته الخاصة، يجيب بسلاح الأنبياء الأقوى: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27)﴾. “عذت” لقد استعاذ موسى، لجأ، اعتصم بالركن الشديد.

كل هذه المشاهد تزدحم في سورة واحدة، لتنسج رسالة إلى قلب العبد مفادها: حين يشتد الصراع وتحاصرك الأسباب الأرضية، إياك أن تقصر نظرك على جهد الباطل و”ضجيجه”، ثمة قوى أخرى تعمل في الخفاء؛ دعاء المؤمن المخلص، استعاذته الصادقة، تفويضه المطمئن، عبادته الثابتة.

هذا الفهم العميق هو الذي يضيء لك الآية التي تمثل أحد أهم أعمدة السورة: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51)﴾. وعد رباني لا يسقط بالتقادم. قد تدرك بعض هذا الوعد في حياتك، وقد ترى تأخره لحكمة تخفى عليك، وقد تنقضي أيامك قبل أن تكتمل الصورة أمام عينيك.

ليس النصر دائمًا أن ترى خصمك ينهزم، قد يكون النصر في ثبات قلبك في حين الباطل يعلو من حولك، أو في حفظ دينك حين تختل الموازين. أن تموت وأنت قابض على جمر الحق، ولو لم تبلغ نهايتها، فهذا في ذاته نصر.

أما تمام الصورة، فموكول إلى يوم آخر، إن الإنسان كائن مولع بـ”النهايات المغلقة”، يريد أن يشهد سقوط الباطل وانبلاج الحق وهو لا يزال يتنفس. يشعر بغصة حقيقية عندما يفكر أنه قد يغادر المشهد قبل أن يرى بعينيه حتمية العدالة التي انتظرها طويلًا. هذا القلق ينبع من تصور ضيق يظن أن الوجود ينتهي بانتهاء رحلته الفردية. لكن سورة غافر تأتي لتربط القلب بـ”المطلق” لا بـ”المقيد بالزمن”.

السورة تقرر هذه الحقيقة وهي تخاطب النبي ﷺ: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۚ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (77)﴾. الصبر هنا يتجاوز فكرة الانتظار السلبي لحدث مادي. إنه استناد الروح إلى “صدق الوعد” لا إلى “توقيت التنفيذ” واليقين الصادق لا يحتاج إلى معاينة فورية ليرتاح.

“فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ”، الآية حاسمة، تخبرك أن دورك هو “الشهود” لا “الحساب”. قد ترى بعينيك بعض الذي وعدوا به فتشفى صدور قوم مؤمنين، وقد ترحل عن الدنيا والباطل لا يزال يتبختر في خيلائه. وسواء كان هذا أو ذاك فالنتيجة واحدة في ميزان الحقيقة: ” فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ”.

العدل الإلهي لا يخضع لساعاتنا المحدودة، والحساب لم يكن يومًا رهينة لبقائك حيًا لتراه، المهم هو “الحق” الذي يسكن في وعد الله. من استوعب هذه المعادلة تخلص من توتر النتائج واستطاع أن يمضي في طريقه بهدوء الواثق الذي يعرف أن القصة لم تكتمل فصولها بعد، وأن المرجع النهائي إلى صاحب الأمر هو الفصل الذي لا يغيب عنه أحد.

ما دامت النهاية محتومة بالرجوع إليه، فما هو التكليف الحالي؟ تجيبك آية أخرى من آيات سورة غافر تبدأ بالبداية نفسها، فاصبر: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (55)﴾. صبرٌ واستغفار وتسبيح ودعاء. هكذا تسير القافلة، مدركةً أن النتيجة النهائية لا تتوقف على قدرة العين على رؤية المشهد كاملًا.

لذلك أخذتنا السورة بعد مشهد تجبر فرعون وقراره بإنهاء حياة موسى إلى المآل، مآل فرعون وآله: ﴿فوقاه اللّه سيّئات ما مكروا ۖ وحاق بآل فرعون سوء العذاب﴾. تلك الترسانة الهائلة، والمؤامرات التي حبكت في غرف القصر المغلقة، وقرارات فرعون التي صفق لها الملأ، تحطمت جميعها في صمت أمام جدار من الرعاية الربانية. لقد نجا الرجل الذي فوض أمره، وابتلع الطغيان طغيانه.

لكن العقوبة لم تقف عند حدود الغرق وانقطاع الأنفاس في البحر، السورة تفتح نافذة مرعبة على ما يحدث خلف ستار الموت مباشرة: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)﴾. تأمل دقة التعبير: في الدنيا، كان الغدو والعشي موعدًا لاستعراض الأبهة، يخرج في موكبه المهيب كل صباح ومساء، وتضرب له الأبواق، وتحشد له الجماهير لتنحني الرقاب طوعًا أو كرهًا.

لكن بعد حين ينقلب المشهد تمامًا، يصير الصباح والمساء موعدًا لعرض من نوع آخر، عرضٌ منتظم على الجحيم. تخيل هذا الرعب النفسي المقيم الذي ينهش أرواحهم في البرزخ قرونًا متطاولة، يفتحون أعينهم كل صباح على لهب يزمجر منتظرًا، ويغلقونها كل مساء على لفحات تقترب، شلل تام في الإرادة، ومسرح يومي يعيد تذكيرهم بعجزهم المطلق

ثم تأتي اللحظة الحاسمة.

تنتهي فترة الانتظار، لتصدر الأوامر الحاسمة يوم القيامة، بلا نداءات ولا حوارات: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. سقطت الماديات، ذاب الذهب، تبخرت هيبة القصور ولم يبق إلا أرواح عارية تتجرع حصاد استكبارها في قاع لا قرار له.

والمشهد هنا لم يقتصر على العذاب الجسدي لكنه يعرض عذابًا نفسيًا مرعبًا حين يتخاصم المستكبرون مع أتباعهم: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ (47)﴾. حتى في النار، الجدال مستمر!

لكن الحجج هنا فقدت بريقها الخادع، والمكانة الأرضية لم تعد توفر حماية، وفي ذروة هذا اليأس، يلتفتون لطلب شيء صغير جدًا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ (49)﴾.

تأمل الحسرة.

أولئك الذين استكبروا عن الدعاء في الدنيا وسخروا منه، صار الدعاء عندهم أمنية يتوسلون بها الآخرين، في الدنيا كان بإمكانهم رفع أيديهم لربهم مجانًا، بلا حواجز ولا مواعيد ولا حراس، أما هناك فيتوسلون لخزنة جهنم، خففوا عنا بالدعاء، ولو يومًا واحدًا فقط!

ثم يأتيهم الجواب صاعقًا: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۚ قَالُوا فَادْعُوا ۗ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (50)﴾.

﴿فَادْعُوا﴾، كلمة تبدو في ظاهرها إذنًا بالرجاء، لكنها في حقيقتها أغلظ أبواب اليأس، ملائكة العذاب لا يمنحونهم فرصة، إنهم يتركونهم ليجربوا بأنفسهم بشاعة النداء الذي لا مستمع له. في الدنيا، كان الهمس الخافت في جوف الليل، والدمعة المكتومة في الخلوة تكفي لتخترق حجب السماء وتفتح أبواب الرحمة، لكن في النار تتمزق الحناجر بالصراخ، وترتفع الأيدي مستغيثة من قلب النار، فلا يرتد إليهم سوى الصدى المحترق.

لقد فقدوا صلاحية الاتصال: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾. ضياع، وتيه، وفراغ مرعب يبتلع أصواتهم. هنالك تتذوق الروح معنى الشلل المطلق. العصب الخفي الذي كان يربط الإنسان برحمة خالقه، انقطع الآن للأبد، ولن يمر عبره أي نبض بعد اليوم.

ثم يختتم المشهد بتلك اللحظة الأكثر مرارة، لحظة الاعتراف المتأخر بضياع كل الأصنام والأوهام: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ (73) مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (74)﴾. تبخرت الأوهام، وانكشف السراب، ولم يعد في القلب إلا الله وحده.

لهذا السبب تحديدًا، تلح السورة على التذكير بالدعاء في هذا الوقت، وقت الإمكان، والإخلاص: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (14)﴾، ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۗ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65)﴾.

ثم توسع السورة دائرة النظر أكثر. فإن قصرت أفهامنا عن إدراك التحقق في الدنيا، فهناك مشهد الآخرة العظيم.

لذلك تمتلئ السورة بأسماء مهيبة ليوم القيامة لم ترد تقريبا إلا هنا: يوم “التلاق” إذ تجتمع الخلائق، يوم “الآزفة” حين تبلغ القلوب الحناجر من فرط “الوجل”، ويوم “التناد” إذ الصراخ والنداءات الضائعة. ثلاثة أسماء، يقود كل منها إلى مشهد ختامي خاشع تقشعر له الأبدان: ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ۚ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16)﴾.

هنا تنتهي المسرحيات الأرضية السخيفة. تتساقط القصور، تتبدد الحسابات، تصمت الهتافات، يزول المال وتسقط الألقاب، ينتهي استعراض العضلات الفكرية والجدال العقيم. سؤال واحد يدوي في فضاء الوجود: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾؟ والجواب يحسم كل ادعاء ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾.

ثم تأتي الآية التي تمثل ذروة سنام السورة، وتكاد تختصر هذا الباب كله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)﴾. تأمل طرفي الآية بعناية: تبدأ بـ﴿ادْعُونِي﴾ وتختتم بـ﴿عِبَادَتِي﴾. الدعاء هو العبادة الخالصة، والاستكبار عن رفع اليدين في جوهره استكبار عن عبادة الخالق.

هنا تعود بنا السورة إلى نقطة البداية، إلى العجز. من الذي يحتاج إلى الله أكثر؟ أنا وأنت، كلنا، فما معنى أن تكون قادرًا على الركض نحو الطبيب والمهندس والمحامي والصديق والبنك، تطرق أبواب الأرض جميعًا بكل طاقتك، ثم تنسى أن تذهب بقلبك إلى رب هذه الأبواب كلها؟

القوة البشرية مهما تضخمت تقف عند سقف حتمي، أنت قوي في زاوية ومكسور في زوايا، قد تملك المال ويخونك الجسد، قد تملك الصحة وتحرم الولد، قد تحوز المعارف وتعجز عن استمالة قلب واحد تحبه، وقد تملك نفوذ الأرض كلها، لكنك لا تملك ضمانًا لغدك.

كل سبب أرضي له نهاية ونقطة عجز، أما ربنا سبحانه، فلا يعجزه شيء.

لهذا حين تدرك حقًا من الذي تدعوه، تتغير هيئة الدعاء في صدرك، أنت لا تضع حاجتك أمام باب مجهول، ولا تقف أمام قوة محدودة، أنت تدعو الله، الرب الذي افتتحت السورة بذكر جلاله: ﴿غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3)﴾.

كأن السورة كانت تبني لك معنى الدعاء لبنة لبنة، وتهيئ قلبك لترفع يديك وأنت مستسلم تمامًا لعظمته. تنظر إلى آياته الكونية المنبثة ورزقه المتنزل: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا ۚ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ (13)﴾.

تتأمل علوّه المطلق: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾، تستحضر إحاطته بأدق أسرارك حتى تلك التي تخفيها عن نفسك: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19)﴾، وتطمئن لعدله الذي لا يختل: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ۖ﴾.

ثم تراقب إيقاع كونه الدقيق المتناغم: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ﴾، ﴿ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ ﴾. ثم تنظر إلى آثار رحمته عليك: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ۚ﴾.

كيف يعجز القلب عن الدعاء بعد كل هذا الحشد من الجلال والجمال؟ كيف لا ينكسر ويسجد حين يأتيه النداء الصافي: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۗ﴾؟

سورة غافر تنتشلك من أوهامك، لتذكرك بحجمك الحقيقي، ومحطات ضعفك التي تحاول تناسيها: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ۚ﴾.

تبدأ من تراب، تمر بمراحل الضعف البشري المجرد: طفل لا يملك ضره ولا نفعه، ثم شاب يظن أنه يبتلع الدنيا بغروره، ثم شيخ مسن يجر جسده وراءه كمن يحمل بيتًا آيلًا للسقوط، يحتاج إلى صيانة وترميم كل صباح. ثم يسدل الستار الأخير: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (68)﴾.

ثم تختم السورة مسارها بطريقة تكتمل بها الدائرة بصورة تقشعر لها الأبدان، حين يقع الفأس في الرأس، ويرى المكذبون البأس يقينًا، تنطلق صرختهم: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84)﴾. لكن الميزان قد رفع، وانتهى زمن الاختبار: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ۖ سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85)﴾.

هنا تكتمل الدائرة، في أول السورة نداء رحيم: ﴿غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾، وفي آخرها باب يوصد بقوة: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾.

الباب مفتوح على مصراعيه الآن، لكن له أجل، الدعاء مشروع الآن، والاستعاذة مكانها الآن، والتفويض وقته الآن. أما حين يرى الإنسان الحقائق عارية بعينيه، تتحول المعرفة إلى حسرة تأكل الروح، ويصبح ما كان يستطيع فعله بالأمس مجانًا أمنية مستحيلة لا تشترى بملء الأرض ذهبًا.

إن سورة غافر لا تقدم لك درسًا تقليديًا في الدعاء فحسب، هي تعيد تعريف “القوة” في وعيك من جذورها، أن هناك قوة لا تقهر. قوة أن تعرف ربك، قوة أن تستعيذ به فتحتمي بركن شديد، قوة أن تفوض أمرك إليه وتنام قرير العين، قوة أن تصبر واثقًا بوعد لا يتبدل، قوة أن توقن أن النتيجة النهائية لا يملكها مخلوق مهما عظم شأنه ظاهرًا: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51)﴾.

وقد لا تشهد اكتمال الصورة في عمرك القصير، وقد تموت قبل أن ترى فجر النصر، لكن يكفيك أن الأمر كله يرجع إلى ربك.

هناك، حين تنتهي المسرحيات كلها وتسقط الأقنعة وتخرس الأصوات المتغطرسة، وحين يتردد في جنبات الوجود ذلك السؤال المهيب الذي لا يجرؤ أحد على إجابته: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ ﴾؟

هناك فقط، تعرف لماذا كان الدعاء في الدنيا هو عين القوة، ولماذا كان الاستكبار عنه هو أقبح صور العجز، ولماذا استطاع مؤمن آل فرعون، بعد أن استنفد أسبابه، أن يقول بيقين الجبال: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾.

ربما لهذا كله، كانت سورة غافر شديدة القرب من النبض، لأنها تفهم ذلك الموضع الهش في التكوين الإنساني، ذلك الموضع الذي يخاف ويحتار ويجادل ويكابر ويرهق نفسه في تفاصيل لا يملكها ثم يجلس وحيدًا في آخر الليل، بعد أن تهدأ الأصوات وتنكسر حيله، ليكتشف أن أقصى ما كان يحتاج إليه طوال الوقت هو كلمة واحدة تخرج من قلب أتعبه الضجيج: يا رب.

وهنا فقط، يعود العصب المقطوع إلى الاتصال وتدب الحياة في الروح من جديد ويزول العجز.

مقالات ذات صلة:

عن المعاناة والألم والقلق حوافز للتغيير

قصص القرآن بين القراءة الحرفية والقراءة الاعتبارية

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

 

د. محمد علي يوسف

‏‏كاتب وطبيب أسنان‏