مقالات

قصص القرآن بين القراءة الحرفية والقراءة الاعتبارية .. الجزء الأول

إنّ ما ورد من قصص في القرآن الكريم، هو كما وصفه القرآن: أحسن القصص، قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، والقصة في القرآن لا تُعَبّر عن وقائع وشخصيات وأحداث تاريخية فحسب، بقدر ما تَعْبر بمتلقيها إلى الكشف عما وراء تلك الوقائع وهذه الشخصيات، من نفوس وعقليات وسلوك ومآلات.

فوراء الوجود المادي للوقائع والأحداث والشخصيات المعروضة في قصة القرآن ثمة ما لا تدركه الأبصار، لكنه يعد أصل هذه الموجودات، وهو ما تروم القصة استدراجنا إليه بحديثها عن مسالك أصحابها، وقدراتهم الحقيقية أو المدّعاة، وعواقب أقوالهم وأفعالهم.

بعبارة أخرى: إنّ القصة في القرآن ليست أحداثًا تاريخية فحسب، بل إن الحدث فيها ليس سوى ممر نحو حكمة تقول لنا: إنها قصة البشرية جمعاء.

يتأكد ذلك من نهوض القصة القرآنية على مفهوم الاعتبار، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ ﴾، فبيّنت الآية الكريمة أمرين مهمين في طريقة التعاطي مع القصص القرآني:

الأول: أن المقصد الأسمى من القصص القرآني هو العبرة، والعبرة في اللغة كما قال ابن منظور: “هي مما يتعظ به الإنسان، ويعمل به ويعتبر، ليستدل به على غيره”.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

وكلام ابن منظور يعني أن العبرة لا تسمى عبرة إلا لما فيها من “عبور” بالإنسان من ظاهر الحدث أو الواقعة التي تحملها القصة، إلى ما ليس بظاهر في الحدث أو الواقعة من حكمة بالغة.

يدعم أصالة فكرة العبور من الظاهر إلى الخفي في معنى العبرة الأمر الثاني الذي نبّهت إليه الآية الكريمة السابقة، ألا وهو:

الثاني: أن العبرة إنما تتيسر لأولي الألباب، أي: البصائر النافذة والقلوب الحية، تلك التي تمكّن أصحابها من أن يروا في الأشياء وجوهها الخفية، ويعبرون خلال أحداث القصة إلى مقتضياتها تلك التي لا يفصح عنها إلا نادرًا.

بإيجاز: إنّ ما سبق يعني أن للقصة في القرآن وجهين: الأول: حرفي محدود، والثاني: إيحائي غير محدود، الأول: تاريخي يحدث في زمان ومكان معين يخص إنسانًا معينًا، والثاني: وجودي لا يخص زمانًا معينًا ولا مكانًا محددًا، بل يعني كل إنسان، الأول: يحصّل بالاستقراء المباشر، والثاني: يحصّل بالاعتبار، الأول: لأهل المظاهر والرسوم، والثاني: لأولي الألباب.

 “عصا موسى”: درس في أن المنجزات الوجودية حاضنة المعجزات الإلهية

إن القصص القرآني يتسم بـالعمق المتدرج، الذي تتفاوت العقول البشرية على درجاته وعيًا وتحصيلًا، أو فهمًا وإدراكًا، إذ إن القصة القرآنية لو بدت في ظاهرها سردًا قصصيًّا لوقائع حقيقية كما تصوّر تجلياتها المباشرة، فإنها –في جوهرها وعمقها– سعي حثيث لتشكيل مفاهيم لا يمكن أن تقدّم مجرّدة وبصورة نظرية إلا ما ندر، ولذا كانت كلمة “العبرة” هي الوسيلة الأبرز في مقاربة القصة والسيطرة على ما يتكاثر منها من فوائد وعبر، وكان “التدبر” هو الطريق الملكي الأسمى لكشف هذه الفوائد وتلك العبر.

من هذه الحقائق التي تكشف عنها القصة القرآنية –من خلف الأحداث والشخصيات– السنن الإلهية الراسخة في المنع والعطاء الإلهيين، وما أحوجنا –نحن البشر– أن نقف على تلك السنن الإلهية المستنبطة من أحسن القصص، عسانا نفوز بالعطاء ونسلم من المنع.

من هذه القصص التي احتلت مكانًا كبيرًا ومكانة عظمى في القصص القرآني قصة سيدنا موسى عليه السلام، فهي قصة تعددت أطوارها وفصولها في كتاب الله، بل شكّلت إطارًا لقصص فرعية كثيرة، مثل قصة البقرة، قصة قارون، قصة الخضر، فضلًا عن فصولها المتطورة وأحداثها المتلاحقة التي تعرّض لها القرآن بدقة شديدة، وبانتشار واضح في آيات القرآن وسوره، بدايةً من ميلاد سيدنا موسى وانتهاءً بالتيه في سيناء ورفض بني إسرائيل دخول الأرض المقدسة، فقصة سيدنا موسى في القرآن من أوفى القصص حضورًا، وهو ما يدفع المرء كثيرًا نحوها متأملًا ومتدبّرًا.

يستوقفني –في سبيل التدبر لأسباب المنع والعطاء– من قصة موسى عليه السلام: “عصا موسى”، لأن هذه “العصا” أمرها عجيب، إذ إنها كانت عنصرًا حاضرًا في أغلب أطوار هذه القصة، وكانت وظيفتها في كل مشهد تبرز مختلفةً عن وظيفتها في سابقه.

إلا أنها على تعدد وظائفها ضمن أطوار القصة، وبعد متابعة دقيقة لها منّا، نكتشف أن هذه “العصا” علامةٌ على ملمح خطير، مفاده: أنّ المعجزات الإلهية لا تتجلى إلا من منجزات وجودية تحقّق بها أصحاب هذه المعجزات، فكانوا أهلًا بمنجزهم الوجودي أن يؤيدوا من السماء بمعجزة.

فالسماء لا تساند الكسالى ولا النُّوَّم ولا قليلي الحيلة، وإنما تساند فقط “أولي الأيدي والأبصار”، فالمعجزات لا تتجلى على فاقدي المنجزات، وهذا أمر مهم في التعامل مع السماء والأرض عند من يحسن التدبير والتفكير.

وبعد فالسؤال الذي يطرأ على الذهن الآن: هل كان لسيدنا موسى مع عصاه “منجز وجودي” أرضي، مَثَّل هذا المنجز الوجودي حاضنةً لهذه المعجزة الإلهية التي كانت العصا محلًا لتجليها؟ بعبارة أخرى: هل كان ثمة “أسباب أرضية” جعلت تلك العصا هي مجلى المعجزة الإلهية؟ وإذا كان ذلك كذلك، فما ذلك المنجز الوجودي؟! وأين بيانه في كتاب الله؟! هذا ما سنعرفه قادمًا.

مقالات ذات صلة:

تأملات في البناء القرآني للإنسان

معجزة القرآن

القرآن حينما يربط الإحاطة الإلهية بالرعاية الإيمانية

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د . أحمد عزت عيسى

مدرس بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، قسم النحو والصرف والعروض