العقل ومدارس الفلسفة الإسلامية .. الجزء السادس والسبعون
المدرسة المشّائية: (74) أبو سليمان السجستاني: الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، وكتابه: "صوان الحكمة" [11] تأريخ عالمي للفلسفة: اليونانية والإسكندرية والصابئية والمسيحية والإسلامية: من فلاسفة اليونان إلى فلاسفة الإسكندرية

تحدثنا –صديقي القارئ صديقتي القارئة– في الدردشة السابقة، عن أبي سليمان السجستاني: الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، وكتابه: “صوان الحكمة” [10] تأريخ عالمي للفلسفة: اليونانية والإسكندرية والصابئية والمسيحية والإسلامية: رأي آخر في ظهور الفلسفة في بلاد اليونان.
ولنواصل –في هذه الدردشة– مقاربتنا التأويلية: أبو سليمان السجستاني: الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، وكتابه: “صوان الحكمة”.
من فلاسفة اليونان إلى فلاسفة الإسكندرية
المدرسة الكلبية
يؤرخ الفيلسوف أبو سليمان السجستاني للفلسفة اليونانية في العصر الهللينستي وحتى فلاسفة مدرسة الإسكندرية، ويبدأ من ذيوجانس الكلبي مؤسس المدرسة الكلبية.
ذيوجانس الكلبي
ديوجينيس الكلبي مؤسس المدرسة الكلبية
“كان ذيوجانس (ديوجينيس 413– 323 ق.م) هذا حكيمًا فاضلًا، وقد أخذ نفسه بالتقشف، لا يقتني شيئًا بتةً، ولا يأوي إلى منزل. ولم يكن في ملكه شيء غير ما يواري عورته، ويستر بدنه. يأكل قوت يوم بيوم. وكان إذا جاع أكل الخبز أين وجده، ليلًا كان أو نهارًا، عند ملك كان أم عند سوقه. لا يحتشم أحدًا”.
الخط الواصل من ديوجينيس إلى أفلوطين
“وهو صاحب الشيخ اليوناني (أفلوطين 203– 270م) ومعلمه”. (وهذا خلط تاريخي رواه السجستاني كما وصل إليه، فليس هو مسؤولًا عنه. وربما قصد التلمذة بالتأثير عبر الأجيال، وليس باللقاء المباشر، والأهم أنه يعبر عن الخط الواصل بين فلاسفة اليونان وفلاسفة الإسكندرية عبر القرون، وإن هذا الخط قد استمر ولم ينقطع).
سبب تسمية ديوجينيس بالكلبي وأصحابه بالكلبيين
“وإنما سمى ذيوجانس وأصحابه “الكلبيين”، لأنهم كانوا يرون إطراح الرسوم والأسباب المفترضة على الناس، مثل التزويج والبناء والتجارة والاقتناء. وكانوا يحبون أقاربهم وإخوانهم فقط، أو من ذهب مذهبهم وأحسن إليهم، ويبغضون سائر الناس. وهذه أخلاق تخص الكلاب”. “وقيل له الكلب للجبه (مواجهة الناس بما يكرهون) الذي فيه، والتحكك الذي به”. وسئل: لم سميت كلبًا، فقال: لأني أجبه (أواجه) أهل الشر والباطل بالحق، وأصدقهم في أنفسهم، وأتبصص للأخبار، وأهرّ في وجوه الأشرار”.
من أقوال ديوجينيس وحكمته:
العالم بيتي: وقيل له لماذا لا تتخذ لنفسك بيتًا؟ فقال: “لو علمتم بيتي وكبره لأيقنتم أن بيوتكم وبيوت العالم لا تسعه”، يعني أن الأرض كلها بيته، وأن السماء سقفه”.
الذين هم الناس: وقال “أيها الناس! اجتمعوا!” فبادر إليه خلقٌ كثير، فقال: “إنما أدعوا الناس، لا أنتم”. “وكان يقول لتلامذته: دعوا أخلاق البهائم والتشبه بأهلها”.
أنا الملك الحقيقي: “وسئل: ما الفصل بينك وبين الملك؟ فقال: الملك عبد الشهوات، وأنا مولاها”.
شرّاح أرسطو
ويؤرخ أبو سليمان السجستاني لشراح أرسطو ويذكر منهم: ثاوفرسطس، أوذيموس، ثامسيوس.
ثاوفرسطس
ثيوفراستوس (ولد بين 372 و368 ق.م وتوفي بين 288 و285 ق.م) شارح أرسطو: “كان من أصحاب الحكيم أرسطوطاليس وتلامذته، واستخلفه على كرسي حكمته بعد وفاته فأعانه على تعليم الفلسفة للمبتدئين والقيام بما فوض إليه أوديموس واسخنولوس، وكانا أيضًا من تلامذة أرسطوطاليس الكبار فيهم”. “وله الكتب الكثيرة والتصانيف الجليلة والشروح الكثيرة ككتب أرسطوطاليس (الأصول)”.
من أقوال سيوفراستوس: “ومما يؤثر عنه من اللائق بهذا الموضع قوله: “الآلهة لا تتحرك”. ومن تأمل اللفظة الجملة وتفكر في قلة لفظها مع غزارة معناها وكثرة ريعها، استدل بها على علمه وبعد غوره وجلالة قدره من العلم”.
وهذا الحكم من أبي سليمان إنما يدل على سعة أفقه، وتقبله للفظ “الآلهة”، الذي يعني عنده الألوهية، أو الإله، فالغاية المعنى لا اللفظ، والتأويل لا التاريخ الخالص، والحكمة الباقية الخالدة لا القول العابر الزائل.
أوذيموس
أوذيموس يوديموس ولد نحو 320 ق.م، شارح أرسطو: “كان أيضًا من تلامذة الحكيم أرسطوطاليس والمدرسين لعلمه وحكمته، والمصنفين للكتب على قوة كلامه ونمط تأليفه ونسبتها إليه”.
لا يوجد من لا عيب له: “وقيل له هل يوجد في الدنيا من لا عيب له؟ فقال: لا، لأن من لا عيب فيه لا يموت”.
ما هو المحال: “وسئل عن المحال فقال: ما لا صورة له في النفس”، إلخ.
ثامسطيوس
ثامسطيوس (317– 388 م) شارح أرسطو: “وقد فسر جميع كلام الحكيم أرسطو بأحسن ما يكون مع استقصائه شرحها”.
العاقل والجاهل: “وقال: عمر العاقل ساعته، وساعة الجاهل عمره”.
الفلسفة الرواقية
ويذكر السجستاني مؤسس المدرسة الرواقية زينون.
زينون
“وهما اثنان: أكبر وأصغر. إلا أن تمييز كلاميهما متعذر”. “ثم زينون بن مانساوس من أهل قطيس وكان يرى أن أول ما خلق الله هو العنصر. فالله هو العلة الفاعلة، والعنصر هو المنفعل، وأن الاستقصات (العناصر) أربعة”.
الموت العقلي للنفس: “قال زينون: لا تخف موت البدن، لكن يجب عليك أن تخاف موت النفس. فقيل له: لم قلت: “خف موت النفس” والنفس الناطقة عندك لا تموت؟ فقال: إذا انتقلت النفس الناطقة من حد النطق إلى حد البهيمية –وإن كان جوهرها لا يبطل– فإنها قد ماتت من حيث العيش العقلي”.
الفلسفة الإسكندرية
ويؤرخ السجستاني لفلاسفة مدرسة الإسكندرية، وعلى رأسهم الشيخ اليوناني أفلوطين.
الشيخ اليوناني: أفلوطين
توفر كتب أفلوطين عند العرب ومعرفتهم بها
“والشيخ اليوناني هو صاحب الحكمة التي ظهرت منه في كتبه المعروفة به، وليس هاهنا موضع ذكرها. فمن أحب أن يطالعها، فليقرأها من تلك الكتب، فإنها موجودة فيها”. وهذا نص مهم يفيد أن العرب عرفوا مؤلفات أفلوطين، أو ما ينسب إلى الشيخ اليوناني من كتب ومؤلفات، انتقلت إليهم من مدرسة الإسكندرية.
ذكر نبذٍ من كلمات أفلوطين
قيمة العلم: “قيل له: ما بلغت محبتك للعلم؟ فقال: إذا اغتممت فهو سلوتي، وإذا ارتحت فهو لذتي، وإذا فترت فهو هزتي، وإذا نشطت فهو عدتي، وإذا أظلم علي فهو ضيائي ونوري، وإذا تجلي عليّ فهو نزهتي وسوري”.
النفس والعقل والعالم والخير الأول: “وقال: النفس جوهرٌ كريم شريفٌ، يشبه دائرة قد دارت على مركزها، غير أنها دائرة لا بعد لها، ومركزها العقل. وكذلك العقل دائرة استدارت على مركزها، وهو الخير الأول المحض، وأما دائرة هذا العالم فإنها دائرةٌ تدور حول النفس، وإليها تشتاق. وإنما يتحرك هذه الحركة الدائمة شوقًا إلى النفس كشوق النفس إلى العقل، وشوق العقل إلى الخير المحض الأول”.
صفات المبدع الأول: “وقال: ليس للمبدع الأول –جل وعلا!– صورة ولا حلّيّة مثل صور الأشياء العالمية ولا مثل الصور التي في العالم السفلي، ولا قوة مثل قواها، لكنه فوق كل صورة وكل حلية وكل قوة، لأنه مبدع كل حلية وصورة حسنة بتوسط العقل، وأما المبدع الأول –جل وعلا!– الذي لم يُكوّنه أحد، ولم يبدعه أحد، فلا حلية ولا صورة له، لأنه المصور الحق ومبدع الهويات كلها”. “وقال: المبدع الأول الحق ليس بشيء من الأشياء، وهو جميع الأشياء، وليس الأشياء كلها، لأن الأشياء منه”.
الإسكندر الأفروديسي
الإسكندر الأفروديسي (القرنان الثاني والثالث الميلاديان) شارح أرسطو ومن مدرسة الإسكندرية:
يقول السجستاني: “وهو من مدينة أفروديسياس. وقد فسر جميع كتب الحكيم (أرسطو) على غاية ما أمكن”.
الكاذب لا يصدق الصادق: “قال: من عرف من نفسه الكذب لم يصدق الصادق”.
مصدق المحال أحمق: “وقال: إذا أردت أن تروز (تختبر) صاحبك وتقف على ما عنده فمن حديثك بالمحال: فإن أنكره فهو عاقل، وإن صدقه فهو أحمق”.
فنون الترجمة ثلاثة: “وقال: فنون الترجمة ثلاثة: الخط، واللفظ، والشكل”.
فرفريوس
ويذكر السجستاني من أقوال فرفوريوس تلميذ أفلوطين:
المحرك الأول من ذاته: “قال: المحرك الأول من ذاته هو الذي لا يحركه شيء من الخارج”.
الغضب: “وقال: الغضب غليان القوة الغضبية وشدة حركتها، وليس غليان الدم، كما قال أصحاب الطب”.
الجسد قبر النفس: “وقال: من لم يقهر جسده فجسده قبرٌ لنفسه”.
الفضيلة: “وقال: حدّ الفضيلة اعتياد فعلٍ عدلٍ ممدوحٍ يقتفى به أثر سلفٍ مرضي، وهي واسطةٌ بين رذيلتين”.
في الدردشة القادمة –بإذن الله– نواصل رحلتنا التأويلية مع أبي سليمان السجستاني وكتابه: “صوان الحكمة” [12] السجستاني مؤرخ الفلسفة: تأريخ عالمي للفلسفة: اليونانية والإسكندرية والصابئية والمسيحية والإسلامية: تأريخ الفلاسفة الإسلاميين: النصارى والصابئة.
مقالات ذات صلة:
الجزء الثالث والسبعون من المقال
الجزء الرابع والسبعون من المقال
الجزء الخامس والسبعون من المقال
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا