وداعا للثرثرة القديمة

سيأتي من بعدنا من يقرؤون تاريخنا ليتعرفوا علينا، وسيتوقفون كثيرًا عند تفاصيل الحدث الأهم في تاريخ الصراع بين الشرق والغرب “طوفان الأقصى”، ولأن المعاصرة حجاب كما يقولون، فستحجب عنا معاصرتنا لهذا الحدث كثيرًا من تفاصيله الموصولة أوثق صلة بحقيقتنا.
أولًا، بصفتنا أمة تنزّل عليها وعلى نبي منها آخر وحي من السماء إلى البشر على وجه الأرض، وباللغة التي يتحدثون بها “قرآنا عربيًا”.
ثانيًا، بحقيقة الوجود من حولنا، حياة وموتًا، وما بينهما من دنيا لها سننها وقوانينها، التي وضعها لها ولنا من خلقها وخلقنا “الله العزيز الحكيم”.
ثالثًا بحقيقة الآخرين، الذين ليسوا منا وحولنا، وقضى الله بحكمه أن يكون بيننا وبينهم صراع نهايته متصلة بنهاية الدنيا.
لدينا في الثقافة الإسلامية مفهوم هام للغاية وهو مفهوم “الظلمات والنور” الذي جعله الله تاليًا لخلق السموات والأرض كما نعرف من الآيات الأولى في سورة الأنعام، وسنعرف أن الخروج من الظلمات إلى النور عملية مستمرة دائمة!
هكذا ذكر لنا النص القرآني، الذي عرفنا منه أيضًا أن هذا الخروج المستمر من رحمة الله بنا، كما ورد في سورة الأحزاب (الآية 43).
أهل الطريق لهم في هذا المعنى كلام لا تنتهي روعته وجلاله وجماله، واهتموا كثيرا بفكرة “الصلاة والسلام” على الرسول صلى الله عليه وسلم، لأنها أمر من الله.
ولأن لهم فيها تجارب وفتوحات وإشراقات وإشارات وتنبيهات كثيرة. فإذا كان الإيمان كله تجربة، وليس إذعانًا كما قالوا، فما بالك بطريق الوصول والمعرفة، داخل وادي الإيمان؟!
المؤكد أنه مليء بالتجارب والأسرار، التي سيكون لكل منا فيها فرادته وتفرده، ليس فقط لأنه “فرد”، لكن أيضًا لأن الطريق إلى الله بعدد الأفراد من خلقه، كما قال أهل الطريق والتربية.
ها هم “أهل العزم والأنوار” الذين فعلوا وأتموا وتمموا، يأخذونا منا إليهم بهذه الانوار التي تشرق علينا منهم. فما حدث ويحدث وسيحدث، سيكون نقطة تحول مركزية في تاريخ الشرق كله، والسؤال الأهم اليوم وكل يوم: كيف حدث؟
نعم، وسنعرف أن “كيف” هنا، ستكون هي جوهر الموضوع ومركزه الركيز، في قرار إطلاق طوفان الأقصى. وسنعرف كيف.
أهل الخفة والتسطيح ستحجب الظلمات الكامنة في أعماقهم عنهم كل رؤية وتبصر وإدراك. وأحسنهم طريقة، سيحدثنا عن الحصار والأسرى، وشد الانتباه لمعاناة الفلسطينيين طوال العقود الطويلة.
حسنًا، لكن هذا ليس كل شيء. لن ينتهبوا إلى معنى “العزم والعزائم” في حركة التاريخ، ليس تاريخهم! بل تاريخنا، تاريخنا الذي تتصل فيه الحياة بالموت بالرجوع بالخلود. هذا تاريخ مختلف تمامًا، تاريخ يختار رجاله الذين يعرفهم جيدًا، ليكونوا علامات بارزة في مجراه الطويل، لمن أراد الفهم.
الصالحون كانوا يقولون في دعائهم: “اللهم نوّر قلوبنا بالحب والفهم”، يقولون أن الشعور يعطي الإنسان أكثر بكثير، مما يعطيه العقل، وهذا عين الصواب، الشعور غير محدود ولا نهائي، والعقل محدود وله نهاياته.
أمير الشعراء أحمد شوقي أخذ من الصالحين الزاهدين هذا المعنى، وقال بيته الشهير:
فهموا السر حين ذاقوا، وسهل ** أن ينال الحقائق الفهماء
أهل الفهم والسر والذوق والحقيقة، هؤلاء هم من يستحقون التاريخ، ويستحقهم التاريخ، متى؟ حين يخرج من تلك الأعماق الزكية العميقة، من يقرر وقف حالة الانحدار الشامل التي ملأت المكان والزمان.
وهنا ستكون وقفة من يأتون بعدنا ليتعرفوا على أنفسهم وعلى حقيقتهم مما حدث في تلك الأيام والليالي المجللة بالنور والنار والعزم والدم والصبر.
شهادة منهم، وإحقاقًا للحقيقة.
إذا كان الضابط الكورسيكي المغامر “نابليون” قرر يومًا توحيد أوروبا تحت رايته، ثم قرر بعدها توحيد العالم تحت راية التفاهة والفناء، راية: “يبغي الحياة لنفسه، حريصًا عليها، مستهامًا بها صَبًّا”. ثم مات وحيدًا محزونًا محسورًا منفيًا في جزيرة بعيدة (سانت هيلانة) بعد أن رفضت إنجلترا منحه اللجوء السياسي. هذا محض مغامر، يريد العُلا والعلو على رؤوس الناس، وهو وهم يعلمون أنهم جميعًا من لصوص التاريخ الأغبياء.
وقد سمعنا أن دكاكين “اللؤم التافه” عرضت على قيادة أهل “الأنوار والعزائم” الخروج من غزة آمنين، وينتهي كل شيء، بل ويفتحوا صفحة جديدة في الحياة، ويظهروا في الفضائيات يحكون الحكايات، وينهوا حياتهم بحياة لم يحلم بها نابليون، وهو يعبر جبال الألب فوق صهوة جواده.
يقال أن هذا الدجال دفع كثيرًا للرسام الشهير “جاك لويس ديفيد” ليرسم له هذه الصورة “نابليون عابرًا الألب” وهو يشير بسبابته للأمام وجنوده يتبعونه، وكان وقت رسمها يُعِد العُدة لإعلان نفسه إمبراطورًا (1804م).
أحد الأصدقاء قال لي إنه رأى بعيني رأسه زعيمًا كاريزميًا خطيرًا “واحد مننا”، رافعًا ذراعه بالطريقة النابليونية نفسها، وحوله جماهير غفيرة تنظر إلى سبابته في غموض وحيرة، إذ لم يكن هناك شيء محدد في اتجاه ذراعه. لم ينتبهوا إلى إنه كان يفعل ذلك لـ”الصورة”، التي كان هناك من سيلتقطها له ليعلقها في حجرة الصالون!
إنهم يعملون كي تسلط عليهم الأضواء الساطعة، رغم أننا نرى كل ما هو رائع نشأ أصلا في الظل، كما قال الشاعر الفرنسي جان كوكتو. وهذا صحيح ورائع، وعظيم أيضًا. كل ما هو رائع نشأ في الظل، وفي “الأنفاق” أيضًا أيها الشاعر الجميل.
لكن كيف أخذنا هؤلاء الأبطال منا إليهم؟
لا يختلف اثنان على أن ما يراه العالم كله الآن في غزة ليس له سابقة في أي تاريخ، على الأقل في التاريخ الحديث. وسنتذكر أن قوات “الفيت كونج” في فيتنام كان وراؤهم من يمدهم بالمساعدة كلها (الاتحاد السوفيتي والصين).
أما فتية الأنفاق من “كتائب القسام” تحت الأرض وفوق الأرض، ومن يحتضنهم من أهل “الأنوار والعزائم” من أهليهم وأقاربهم وأرحامهم، الذين تجهزوا مثلهم تمامًا للمعركة، وأعدوا صدورهم مكشوفة مفتوحة لتلقي أبشع أنواع الذبح والتقتيل والتدمير، كانوا وحدهم. من أين هذا اليقين والصبر والعزم والإصرار والإرادة؟ من أي ينابيع تدفقت هذه العظمة كلها؟
“وكانت السنة انفصال البحر، عن مدن الرماد، وكنت وحدي، ثم وحدي،آه يا وحدي”، كما وصف لنا محمود درويش مشاهد الوجع الطويل في أحد قصائده “أحمد الزعتر”. لكنهم كانوا قد فهموا وأدركوا وتجاوزوا وعبروا وسبقوا وصبروا وصابروا، والأهم أنهم ثبتوا، ولم يحنوا رؤوسهم ولم يخضعوا ولم يُخدعوا.
يقولون أن الحدث ليس هو ما نراه أو نعرفه، بل هو ما يصير إليه في نهاية الأمر، وفي الأحوال كلها فقد نجحت “المقاومة” في وضع خط النهاية للفكر الذي ساد طويلًا في الشرق، وحكم كثيرًا من مواقفه الخاطئة تجاه أخطر ظاهرة في تاريخ البشرية، ظاهرة “الدولة الصهيونية”. لقد كشفتها وعرّتها تمامًا، ليس فقط من مبررات وجودها، بل ومن مبررات استمرارها في هذا الوجود، والقادم من أحداث ليس سوى هوامش صغيرة، حول تلك “الأكذوبة” التي حطمتها “الحقيقة” الكبيرة.
وداعًا للثرثرة القديمة.
مقالات ذات صلة
احذروا .. فلسطين الخطوة الأولى
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا