رياضة - مقالاتمقالات

عولمة كرة القدم: تنوع ثقافي أم استعباد مقنّع؟

ظلت العقلية الاستعمارية واحدة عبر مر العصور، يحكمها القهر والظلم، وسلب خيرات الشعوب ونهبها، واستلاب كرامتها، وامتهان أرواحها، والاستمتاع بها وفق أهواء المستعمر ونوازعه الشريرة.

الاستعمار لا دين له، فالقوة الغاشمة للمستعمر دين أقوى من الأديان كلها، دين يجعل صاحبه لصًّا لا يخجل، وحقيرًا يتباهى بحقارته، ووقحًا يتغنى بوقاحته، وحيوانًا تتبرأ الحيوانات من أفعاله.

كانت الإمبراطوريتان الرومانيتان، الغربية والشرقية (البيزنطية)، تشتري العبيد الأقوياء وتدربهم على أساليب القتال والمصارعة، ثم تطلقهم في “الكولوسيوم” وسائر حلبات المصارعة، لتدور بينهم معارك تنتهي بمقتل أحدهم، ومن يرفض قتل رفيقه العبد كان حراس الإمبراطور يقتلونه أو يعذبونه، كي يرتدع وينصاع لأوامر سيده المستعمر.

كانت حلقات المصارعة تعد احتفالات عظيمة ممتعة للمستعمر/السيد، فتجتمع الجماهير وعلى رأسها الإمبراطور والأمراء والقادة، ليلهو الجميع بالدم المستباح، دم العبيد القادمين من البلدان المحتلة التي استبيح إنسانها تحت المسميات كلها وفي الظروف كلها. يجلس الإمبراطور والأمراء والقادة ليستمتعوا بالمصارعة القاتلة، يسخرون ويضحكون ويصفقون، بل ويبصقون على الأبرياء الذين اقتيدوا بعد سلب إنسانيتهم، ليكونوا متعة للمحتل.

ذكرت في الأسطر الأولى أن للاستعمار طبيعة واحدة لا تتغير، طبيعة قائمة على القهر والاستبداد والاحتيال والسلب والنهب، وأن هذه الصفات لا تختلف إلا في وسائل الاحتيال والسلب والنهب، لكنها تبقى متأصلة فيه مهما تغيرت أسماء الأمم واختلفت العصور والأزمان.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

يلاحظ في كأس العالم المقامة حاليًا أن التابع/العبد أصبح مواطنًا في بلاد الاستعمار القديم والحديث، مواطنًا تستثمره هذه البلاد في تحقيق المتعة والربح الكروي، ففرق الاستعمار القديم والجديد كلها تضم بين صفوفها لاعبين من أصول إفريقية، من البلدان التي استعبدت قديمًا وما زالت تابعة حديثًا. ويحقق هؤلاء اللاعبون مكاسب كبيرة لمنتخبات أوروبا، فهم غالبًا من يقود مسيرة الفوز بالبطولات أو الصعود إلى الأدوار الإقصائية التي تدرّ دخلًا كبيرًا على هذه المنتخبات.

تكشف الأرقام حجم هذا الاعتماد بوضوح، فوفق إحصائية نشرت في يونيو 2026 مع انطلاق نهائيات كأس العالم، بلغ عدد اللاعبين من أصول إفريقية في صفوف المنتخبات الأوروبية المشاركة نحو 99 لاعبًا من أصل 416 لاعبًا استدعتهم هذه المنتخبات، أي ما يقارب ربع العدد الإجمالي. وتصدّر المنتخب الفرنسي القائمة بواقع 21 لاعبًا، تلاه المنتخب الإنجليزي بخمسة عشر لاعبًا، ثم هولندا بأربعة عشر لاعبًا، فسويسرا بأحد عشر لاعبًا، وبلجيكا وألمانيا بتسعة لاعبين لكل منهما، والسويد بستة لاعبين، والبرتغال والنمسا بأربعة لاعبين لكل منهما، في حين اكتفت إسبانيا والنرويج بلاعبين اثنين لكل منهما، وتذيلت إسكتلندا والتشيك القائمة بلاعب واحد لكل منهما. في المقابل، خلت قوائم كرواتيا والبوسنة والهرسك وتركيا تمامًا من أي لاعب من أصول إفريقية، وهو ما يعكس تباينًا واضحًا بين تاريخ الهجرة الاستعمارية لكل بلد أوروبي وتركيبة منتخبه الحالية.

لقد استكان التابع/العبد لواقعه الجديد، واستعمر وعيه بطريقة جديدة تناسب العصر الذي نحيا فيه، فرضخ لمشيئة سيده المستعمر، وراح يؤدي دوره باقتدار، كما كان يفعل أجداده قديمًا في “الكولوسيوم” وفي ميادين المصارعة كلها، إذ كان العبد يوفر المتعة لسيده، وحوله تدور المراهنات، بدمه يربح السيد أموال المراهنات الكبيرة. لقد كانوا قديمًا وحديثًا سلعة رخيصة تعود بالنفع العظيم على السيد، وهو نفسه ما يحدث الآن، لكن بأساليب العصر الجديد.

رغم استسلام التابع/العبد لمصيره، ودورانه في فلك إرادة سيده وتحقيق الأرباح له، فإنه عند أي صدام أو فشل تمتد إليه أيادي الإهانة والسب والمعايرة بأصوله، كأنه لم يحقق لسيده المجد يومًا ما أو للحظة واحدة، فالمستعمر سرعان ما يتنكر للتابع/العبد، لأنه يضمن استبداله والحصول على أمثاله الكثر الذين يقفون في طوابير الاستعباد النفسي والمعنوي، ليحققوا لسيدهم متعته وأرباحه.

لن يتغير الإنسان، ولن تتغير أفكاره وطبيعته، فهو كائن فاسد ومفسد للكون الذي جاء إليه ليعمّره، وقبل أمانته، أمانة التعمير والتطوير، وإذا به يستحل كل ما حرّمه الخالق عليه، وبوعي أصيل راح يفسد ويتعالى في فساده واستعباده للإنسان والحيوان والنبات والجماد، مبالغًا في إظهار قوته على الكون الذي أقسم أن يؤدي أمانته وأن يعمّره.

مقالات ذات صلة:

الساحرة المستديرة.. ووهم البطولة الزائفة

كرة القدم .. السياسة والاقتصاد والثقافة

الكرة ونشل الوعي

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا