سكسونيا.. سكسونيا!

حتى وقت قريب، كانت سكسونيا هي إحدى الكلمات التي تألفها آذاننا؛ كانت تعلو على ألسنة بعض الباعة الجائلين الذين يطوفون بالشوارع والأزقة حاملين فوق رؤوسهم أصنافا من الأواني المعدنية والبلاستيكية، عارضين مبادلتها بما تم الاستغناء عنه من ملابس.
كان مشهد هؤلاء الباعة يثير لديّ عدة تساؤلات، أولها عن معنى الكلمة ذاتها، وثانيها عن مقدار الربح الذي يمكن أن تُدره هذه المهنة، والذي يدفع أصحابها إلى الطواف بحملهم الثقيل طيلة اليوم، أما ثالثها فعن مغزى اقتصار بضاعتهم على هذه النوعية من الأواني، واقتصار مقابلاتها على الملابس.
ولم أجد إجابة عن هذه التساؤلات في صغري حتى توارت في ركنٍ بعيد من ذاكرتي، ولم يبعثها من مكمنها إلا عبثية الحاضر العربي ولا معقولية سياساته. أسرعت إلى ما توافر لدي من قواميس ومعاجم،
فوجدت الكلمة تشير إلى صنف من الصوف الخشن، ربما من تلك النوعية التي كان يتدثر بها الفقراء في ولاية سكسونيا Sachsen، تلك الولاية الألمانية التي كانت مشهورة بقوانينها الجائرة التي فرضت العقاب الفعلي على الفقراء والبسطاء إذا ارتكبوا جريمة ما، واكتفت بمعاقبة ظل الأثرياء والوُجهاء. وهكذا، فإذا سرق فيهم الغني تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد!
وعدت أفكر، لأستنتج أن مهنة السكسونيا –إن صح التعبير– كانت بالضرورة مهنة مُربحة، إذ كانت تعتمد على الميؤوس منه من متاعنا:
ملابسنا التي نود التخلص منها ولو بلا ثمن، لنأخذ بدلا منها قطعا مطبخية تغازل أعين النساء، سرعان ما ستبلى. لكن ما بالك إن كنا عراة نرتدي الوهم ونظن أنه يستر عوراتنا؟!
الخياط المحتال
يُحكى أن خياطا قد احتال على أحد الملوك، فأقنعه بأنه سيصنع له ثوبا عظيما لا يراه سوى الحكماء. اقتنع الملك بمهارة الخياط المحتال، وخرج على وزرائه عاريا تماما، وقال لهم: «انظروا، ما رأيكم في هذا الثوب السحري الذي لا يراه سوى الحكماء؟»، بعض الوزراء خافوا من غضب الملك فقالوا: «هذا ثوب عظيم يا مولاي».
وبعض الوزراء كانوا طامعين في عطايا الملك، فقالوا: «يا مولانا، لم نر في حياتنا أجمل ولا أروع من هذا الثوب!».
كان هناك طفل صغير في القاعة، قال ببراءة: «أين الثوب الذي تتحدثون عنه؟ إني أرى الملك عاريا!» حاول الوزراء إسكات الطفل بأي طريقة، لكزوه ووبخوه وهددوه، لكنه ظل يصيح ويضحك: «إني أرى الملك عاريا»، عندئذ أخرجوه من القاعة!
هكذا يتم التلاعب بنا
ربما كان هذا شبيها بما يحدث اليوم، إذ يبدو من يسعى إلى إيقاظ الناس من أوهامهم وكأنه الطفل الذي يصرخ ضاحكا: إني أراكم عُراة، فكيف تحاولون مقايضة الأواني بالملابس؟
ولأننا جميعا في وطننا العربي عراة من مجرد الحلم بحياة آدمية، لأننا عراة رغم الاحتيال الإعلامي الذي يخدعنا بثوب عظيم لا يراه إلا حكماء الدولة، فإننا ننظر جميعا إلى عُرينا ونضحك بدلا من أن نبكي أو ننتحر، نضحك لأن الضحك هو وسيلتنا الوحيدة الآن لابتلاع فشلنا، فإما أن نموت به، وإما أن ننتبه إلى مأساتنا!
هكذا يتاجر صناع السياسة والتعليم والثقافة في وطني العربي الكبير بالميؤوس منه لدينا في ظل برامج وقوانين وممارسات لا تقل جورا عن قوانين سكسونيا: ثوراتنا، تعليمنا، أحلامنا، حريتنا، عقولنا، كرامتنا، نهضتنا.. ليمنحونا بدلا منها شذرات لتخدير جسد عارٍ أنهكته الحياة، سرعان ما ستقتله.
هكذا اجتمع المعنيان في معنى واحد: قهر التخلف العربي، أو إن شئت فقل: جمهوريات سكسونيا العربية!