قيس ونيللي .. شعر وسحر تقتلهما كوابيس مزمنة
لم يمهل القدر الكاتب الكبير محمد ناجي حتى يرى روايته الأخيرة “قيس ونيللي” مطبوعة في كتاب، بعد أن عكف على مراجعة مسوداتها ورسم غلافها الذي أبدعه أحمد اللباد، وإن كان قد تابع ردود الأفعال على نشرها مسلسلة في صحيفة “التحرير” القاهرية، مثلما كان يفعل مع رواياته الأخرى “خافية قمر” و”مقامات عربية” و”لحن الصباح” و”العايقة بنت الزين” و”رجل أبله.. امراة تافهة” و”الأفندي” و”ليلة سفر”، إلى جانب ديوان شعره الوحيد “تسابيح النسيان”، ناهيك بروايتين لم ينشرا، الأولى كتبها في مطلع حياته وظلت حبيسة الأدراج بعنوان “البوليتيكي”، والثانية وضع لمساته الأخيرة عليها قبل أن يغيبه الموت وأسماها “سيدة الماسينجر”، إلى جانب ديوان شعر آخر عنوانه “ذاكرة للنسيان”، نشرت جريدة “أخبار الأدب” بعض قصائده في ملف واكب الغياب الأخير لصاحبه.
الكاتب الروائي محمد ناجي
بدأ ناجي رحلته الأدبية شاعرًا، ونشر قصائد أولى متفرقة في دوريات ثقافية وألقى بعضها في ندوات وملتقيات أدبية، إلا أنه لم يلبث أن انحاز إلى السرد، لكن الشعر بلاغة ومفارقة وصورًا وتكثيفًا وبصيرة وبصرًا لازمه طيلة حياته الروائية، مضمرًا في عباراته القصيرة المتوالية التي تتقدم بوعي نحو اكتمال المعنى، أو في الحوارات التي تدور بين شخوص رواياته، أو في وصف الطبيعة التي تحيط بما يجري لأبطاله، أو دخائل أنفسهم وبواطنها.
لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن الشعر لازمه في عالمه الروائي كله عن طريق بناء عالم فنتازيا مدهش جعل كثيرين يطلقون عليه “ساحر الرواية”، لا سيما مع روايته الأولى “خافية قمر” التي نشرها وهو في السابعة والأربعين من عمره، ولاقت استحسان النقاد والأدباء وحفرت لصاحبها اسمًا منذ البداية في عالم الأدب، وزودته بنكهة لم تفارقه في أعماله الأخرى، لا سيما “مقامات عربية” التي حفلت بالتخييل والأسطرة جنبًا إلى جنب مع الرمز، عن طريق إسقاط على حال العرب ومآلهم، مغموسة في الموروث الشعبي الذي مثل دومًا معينًا طالما غرف منه ناجي بطريقة غير مباشرة.
محمد ناجي روائي القلق والصنعة
حتى أعماله الواقعية مثل “الأفندي” لم تخل من شخصيات أسطورية تعيش عالمًا خاصًا موازيًا، منعمة بتصورات مغايرة عن الذات والعالم، بل إن أكثر أعماله فجاجة، حيث الذين يعيشون في الهامش المنسي، صيغت بما جعل لهذا الهامش سحره وألقه المفعم بالمرارة المعتقة، والحافل بما يتداوله الناس من رؤى وأمثلة وحكم وتصورات وفهم وإدراك لأنفسهم وللحياة والكون كله.
زاوج ناجي في أعماله بين عالمي الريف والمدينة بحكم المسار الذي سلكه، نشأة وتعليمًا وعملًا، ومنحه تلك الخبرة التي صنعت موقفه من الحياة وأمدته بالشخصيات الثرية التي حفلت بها أعماله، وأغلبها إن لم يكن كلها شخصيات منكسرة قنوطة متحايلة، تحفر تحت جدر سميكة بغية أن تشق لنفسها مسارًا بين الناس، أو تجد موضع قدم لها في الزحام.
ناجي لم يحفل أبدًا بصناعة “البطل الإشكالي”، المكتمل والمكتفي بذاته أو الذي لا يفعل إلا كل ما هو خير، لكنه قدم باحتراف شخوصًا من واقع الحياة، وحتى إن حلق فوق الواقع بخيال جامح فإن أساطيره أيضًا حزينة مجروحة، تمتثل في النهاية لرؤى تذهب إلى أن الأصل في الحياة هو الحزن والكبد والكدح والوجع وأن المسرات عابرة وربما تافهة.
رواية قيس ونيللي
حتى روايته الأخيرة “قيس ونيللي”، التي بدأ بها “مركز الأهرام للنشر” مشوار سلسلة تحمل اسم “روايات الأهرام”، سرعان ما يواجه قارئها حقيقة موجعة أنه ليس في رحاب قصة حب حافلة بالجمال والفرح، إنما أمام مجتمع متوحش يقبض على رقاب المحبين وأرواحهم، فلا يجدون ما يعينهم على مواصلة العشق، الذي ما إن يولد حتى يموت، وهي مسألة تعينت بالفعل بموت أحلام البطل الشاب، موظف التحويلة في إحدى المؤسسات الصحافية الذي كان يتطلع ليكون صحافيًا، وموت البطلة التي كانت تسعى لتصير ممثلة شهيرة فخطفها المرض الخبيث في ريعان شبابها، بعد أن أجبرها الفقر على أن تفقد شرفها في لحظة عابثة، وقبل هذا موت الشيئين اللذين جذب كل منهما إلى الآخر في بداية الحكاية، فستانها اللافت وبذلته الوحيدة التي يتبادلها مع شخصين آخرين يقطنان معه غرفة بائسة فوق سطحٍ وسط القاهرة، إذ اضطرّا في النهاية إلى بيعهما إلى تاجر ملابس قديمة، ليعلنا بذلك وفاة ما بينهما من عاطفة نبيلة، لم تجد بيئة صالحة كي تنمو وتصنع لهما بهجة كانا يتسولانها على قارعة الزمن.
فساد وسياسة وحب في رواية قيس ونيللي
العنوان الذي يشي بقصة حب سرعان ما يسرق الراوي منها الجمال والسعادة، ويوزعها على مسارات حياتية مفعمة بالفجيعة والوجيعة والأنانية والانتهازية والاستغلال والتطفل، تصنعها صحبة من العجائز تتوزع على مهن مهمة، قاض وكاتب وضابط ورسام، يديرون حوارًا طيلة الوقت حول واقع صعب، ويصنعون وقت الرواية أو زمنها، حيث الغزو الأمريكي للعراق، والظلال الثقيلة التي يرميها على هذه الشخصيات، ومعالم الطريق التي يرسمها للشاب والفتاة في تواطؤ خفي، فكما ضاع العراق ضاعا، علاوة على أن حوار هؤلاء يكشف جانبًا من الفساد الاجتماعي والسياسي الذي تمدد في شرايين المجتمع وأوردته، ووصل إلى نخاعه وخلاياه، وأورث من يتابعه عن كثب ويعاني منه كآبة مقيمة.
شعر وسحر تقتلهما كوابيس مزمنة
تنطوي الرواية على جاذبية شديدة، فما إن تبدأ في قراءة عبارتها الأولى، حتى تشدك في نعومة إلى صفحاتها، ولا تدعك تفارقها حتى تنتهي منها، وأنت تتقلب بين غنائية وسخرية سياسية ومفارقات اجتماعية، تتابع في ثلاثة خطوط، الأول يرسمه الشاب والفتاة بعوزهما ومخاوفهما المبررة ولهفتهما على عيش حب حقيقي، والثاني تبينه التفاصيل التي تصنعها شخصيات تبتعد بمرور الوقت عن قلب الفاعلية والتحكم لكنها تتوهم أنها لا تزال قابضة على أشياء مهمة، والثالث ترسمه ريشة الفنان التشكيلي الماركسي الذي تتبع الرواية عبر مقاطع متباعدة لوحته الأخيرة، وتجعلها تتماشي مع كل ما يحدث له ولشخصيات الرواية من وقائع وأحداث.
بذا لا تختلف “قيس ونيللي” عن عالم محمد ناجي، الذي تتحول فيه الأحلام الرومانسية البديعة إلى كوابيس حالكة السواد، وتنهار القيم الإنسانية أمام توحش مجتمعات الندرة الغارقة حتى آذانها في المادية، أو مستسلمة تمامًا لقسوة الحياة، ويهرب كثيرون إما في أشياء تغيبهم عن واقع تعيس أو أساطير تخطفهم إلى عالم لا يجدونه بين أيديهم.
مقالات ذات صلة:
أنا عشقت .. رواية عجائبية عن واقع اجتماعي صعب
رواية رجل الطبشور وأدب تصفية الحسابات
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا