ليست كل المقالات تقرأ

فبعضها يُتأمل وبعضها يوقظ العقل، وبعضها يفتح بابًا لفكرة لم تكن تخطر على البال. وهذا ما شعرت به وأنا أقرأ المقالة المتميزة لأستاذي العزيز الأستاذ الدكتور عبد العاطي الصياد.
لقد اعتدنا أن نقرأ الآية الكريمة: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ [الأعراف: 116] في سياق قصة موسى عليه السلام مع سحرة فرعون، لكن المقالة أخذتنا إلى أفق أوسع، لتؤكد أن السنن الإلهية لا تتغير، وأن أدوات الباطل تتبدل عبر العصور، في حين يبقى جوهرها واحدًا: صناعة الوهم، والتأثير في الإدراك، وتوجيه الإنسان بعيدًا عن الحقيقة.
في الماضي كان السحر يخدع الأبصار، أما اليوم فقد أصبحت الخوارزميات قادرة على أن تخدع الأبصار والأسماع والعقول معًا. صورة لم تُلتَقط قط، لكنها تبدو أوضح من الحقيقة. صوت لم ينطق به صاحبه، لكنه يحمل نبراته وانفعالاته. فيديو لم يحدث في الواقع، لكنه ينتشر في دقائق ليصنع رأيًا عامًا أو يثير فزعًا أو يشعل أزمة أو يهدم سمعة أو يغير قرارًا.
وهنا تتجلى عبقرية الفكرة التي طرحها أستاذنا الكريم، فالقضية لم تعد قضية تقنية فحسب، بل أصبحت قضية وعي، وقضية أخلاق، وقضية أمن معرفي، بل وقضية حضارية. فالإنسان قد يُهزم قبل أن تبدأ المعركة، إذا استطاع أحدهم أن يسيطر على إدراكه، ويعيد تشكيل وعيه، ويقنعه بأن الزيف حقيقة، وأن الحقيقة محض زيف.
ومن أروع ما في هذا الطرح أنه أعادنا إلى القرآن الكريم لنبحث فيه عن العلاج قبل أن نبحث عن التقنيات. فالقرآن لم يترك الإنسان فريسة للخداع، بل وضع له منهجًا متكاملًا لبناء العقل الناقد، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]. إنها ليست محض آية في التثبت من الأخبار، بل دستور معرفي يصلح لكل زمان، ويبدو اليوم أكثر حضورًا في عصر الذكاء الاصطناعي مما كان في أي وقت مضى.
ويؤكد القرآن هذا المنهج بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ﴾ [الإسراء: 36]، كأنه يخاطب مستخدم وسائل التواصل الاجتماعي قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا: لا تصدق كل ما ترى، ولا تنشر كل ما يصلك، ولا تجعل عاطفتك تسبق عقلك، ولا تجعل سرعة الخوارزمية تتغلب على حكمة الإنسان.
إن أخطر ما قد تواجهه المجتمعات في المستقبل ليس الذكاء الاصطناعي ذاته، وإنما الذكاء الاصطناعي عندما يتحول إلى أداة لصناعة الإدراك الزائف، وتزييف الوعي، واستثمار الخوف، وإدارة الرأي العام عبر محتوى يبدو حقيقيًا وهو في جوهره مصنوع بإتقان. عندها يصبح الأمن السيبراني وحده غير كافٍ، لأننا نحتاج إلى أمن يحمي العقول قبل أن يحمي الأجهزة، ويحمي الوعي قبل أن يحمي البيانات.
ومن هنا أرى أن المصطلح الذي قدمه أستاذنا، “الاسترهاب الخوارزمي”، ليس محض تعبير لغوي جديد، بل مفهوم علمي مرشح لأن يكون محورًا لبرنامج بحثي متكامل، تتعاون فيه علوم الشريعة والذكاء الاصطناعي وعلم النفس المعرفي والإعلام الرقمي والأمن السيبراني والقياس والتقويم، بهدف بناء نماذج علمية لقياس قابلية الأفراد للتأثر بالخداع الرقمي، وتصميم برامج لتنمية المناعة الفكرية، وبناء مؤشرات للأمن الإدراكي، تمامًا كما نقيس اليوم الأمن النفسي أو الأمن الفكري.
ولعل أجمل ما انتهت إليه هذه المقالة أنها لم تجعل الذكاء الاصطناعي خصمًا للإنسان، بل أكدت أنه نعمة عظيمة إذا انضبط بالعلم والقيم، وخطر جسيم إذا انفلت من الضوابط الأخلاقية. وهذا هو المنهج الإسلامي الأصيل، فلا رفض أعمى لكل جديد، ولا انبهار غير رشيد بكل جديد، وإنما ميزان دقيق يقوم على العلم والحكمة والمسؤولية.
كل الشكر والتقدير لأستاذي العزيز الأستاذ الدكتور عبد العاطي الصياد على هذا الطرح المتفرد، الذي أراه نواةً لاتجاه بحثي جديد، قد يصبح في غضون السنوات القادمة أحد أهم مجالات الدراسات البينية في عالمنا العربي والإسلامي. فالمستقبل لن يكون لمن يمتلك الخوارزمية الأقوى فحسب، بل لمن يمتلك الوعي الأقوى والبصيرة الأعمق والقدرة على التمييز بين الحقيقة وما يشبهها. وصدق الله العظيم إذ قال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ﴾.
مقالات ذات صلة:
من المقاييس الورقية إلى الذكاء الاصطناعي
الفن الرقمي والذكاء الاصطناعي والغباء البشري
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.