مؤخرًا اكتشفت الخدعة

مسابقة يوروفيجن مسابقة في الغناء تحدث كل عام بين الدول الأوروبية (Eurovision Song Contest)، والدول المتنافسة هي الدول الأوروبية، وبما أن إسرائيل وأستراليا تُعدان بلادًا أوروبية (أوروبيون يقتلون السكان الأصليين ويحلون محلهم)، فهذه البلاد تشارك كل عام في مسابقة يورو فيجن.
اتضح في الأعوام الأخيرة فضائح غش الفريق الإسرائيلي في عملية التصويت على الفائز، بالرشوة وتشجيع الناس على التصويت أكثر من مرة في الاقتراع على أفضل الأغاني لصالح إسرائيل.
لماذا؟ لماذا الغش والاهتمام بالتزوير في مسابقة أغانٍ تافهة؟!
كثيرًا ما أشتري كتابًا يطلقون عليه أنه من أعلى الكتب مبيعًا، ثم أكتشف أنه كتاب رديء أو ممل أو سخيف، ودائمًا يسأل الإنسان نفسه: هل العيب في فهمي أنا أو في تذوقي للكتاب أو الرواية؟ أم أنني على حق والجماهير على باطل؟
كثيرًا ما يقولون عن أغنية أو فيلم أو تمثيلية أنها تحقق أعلى نسبة مشاهدة في العالم، أو في بلد معين، وبناء عليه أحرص على مشاهدة الفيلم، أكيد رائع طبعًا! لكن حين أشاهد هذه الأغنية أو الفيلم، أشعر بأنه رديء وممل ويفتقد أي جمال أو فن أو إبداع. طوال السنين كنت أعتقد أن العيب في فهمي وتذوقي، وأنني حالة شاذة عن الجماهير التي تسارع لشراء هذا الكتاب أو مشاهدة هذه التمثيلية أو الفيلم أو الأغنية.
مؤخرًا اكتشفت الخدعة، اكتشفت أن العيب ليس في تذوقي للفنون والكتب والروايات، اتضح أن هناك لعبة لها قواعد، كي تخدع الناس ويظهر كتابك أو فيلمك أو أغنيتك على أنها من أعلى المبيعات والمشاهدات وترشيح القراء، أو تجعل مطعمك أو فندقك يحصل على تقييمات عالية على الإنترنت مما يرفع نسبة الزبائن وعددهم!
هناك مؤسسات ترويج محترفة لهذه اللعبة. مثلًا ظهر مقال أخيرًا عن كيف يجعل بعض المؤلفين كتابهم في قائمة مجلة النيويورك تايمز لأنجح الكتب (New York Times Bestseller)، وظهر منذ فترة قريبة كيف لبعض المسلسلات الكوري السخيفة مثل لعبة الحبار (Squid Game) أن تحقق أعلى نسبة مشاهدة على نيتفليكس في العالم.
ظهر كيف نسمع عن أغاني عمرو دياب السخيفة على أنها لا تزال طوال أربعين سنة تحقق أعلى قائمة الاستماع في مصر والعالم العربي.
عرفنا كيف يتلاعبون بتقييم جوجل وغيره من التقييمات التي تعتمد على التصويت من أشخاص كثيرين لا تعرفهم، ولا تعرف هل هم أشخاص حقيقيون؟ أم محض موظفين في شركة دعاية وإعلان؟
تصويت على جوجل أو غيره، سواء لتحسين سمعة مكان لا يستحق، لتدمير سمعة مكان جيد، في الصراع بين الناس والمؤسسات بوسائل قذرة.
إنها لعبة لها قواعد في الخوارزميات والأرقام والإحصائيات، مثلًا لو حضرتك مؤلف كتاب، وعايز يكون من أعلى الكتب في قائمة كذا، توجّه مؤسسة أو جمعية تابعة لك أو حزب أو منظمة، ليشتروا في غضون أسبوع واحد عددًا كبيرًا من الكتب من عدد معين من الموزعين والمكتبات، وكله معروف إزاي.
هناك شركات دعاية تتقن هذا اللون من الخداع ولها شبكة العلاقات، التي تمتد إلى شبكة علاقات توزيع جائزة كذا للإبداع، ومهرجان كذا للفيلم، إلخ، علشان تأخذ جائزة، وبناء عليه الناس تهتم وتشتري الكتاب أو تشاهد الفيلم.
فيظهر اسمك في الإحصائيات أنه أعلى الكتب مبيعًا في قائمة النيويورك تايمز، أو حاصل على جائزة البوكر، أو أعلى نسبة مشاهدة، أو جائزة السعفة الذهبية، إلخ، كذلك تحميل الأغاني أو مشاهدة سينما أو شراء تذاكرها، إلخ.
يعني تمامًا مثل لعبة الدعاية على الإنترنت اليوم إذ يُستَأجر أشخاص بحسابات كثيرة وهمية للدخول وعمل تقييم إيجابي لمطعم أو فندق، أو لعبة شهيرة تمارسها كل دور النشر والطباعة، أن يقول لك أن هذه هي الطبعة رقم خمسة أو رقم خمسين، فتتخيل أن ملايين الكتب قد بيعت ونفدت لأن الإقبال عليها كبير، بيد أن الحقيقة كل طبعة منهم عشر كتب مثلًا، يشتريها المؤلف وأقاربه والجمعيات التي يديرها أو يعمل لحسابها.
لكن لماذا يهتم مؤلف أو منتج أو مخرج أو مغنٍ بإنفاق المال كي يتشري كتبه لنفسه كي يكون على قائمة الأكثر مبيعًا أو أكثر استماعًا؟
أولًا لأن الناس تؤمن بنظرية القطيع، حين يرى الناس كتابًا أو أغنية أنه أكثر مبيعًا أو أكثر مشاهدة، يفترضون أنه كتاب أو فيلم جيد أو أغنية رائعة، فيزيد عدد المشترين فعلًا، يعني دعاية للكتاب ولها ثمن.
ثانيًا لأن الشهرة تجلب المال، حين يقال عن فلان أنه مغنٍ لأغنية من أكثر الأغاني استماعًا أو مؤلف لكتاب من أكثر الكتب مبيعًا، يستضيفونه في البرامج والإعلام، وتباع كتبه الأخرى ومنتجاته الأخرى، وتتسع شبكة علاقاته والمناصب التي يمكن أن يحققها، إلخ من مكاسب.
ثالثًا الدعاية السياسية والتلميع، القوة في الشهرة وحملة العلاقات العامة، وهذا يجلب المال والجاه والقوة والسيطرة.
وضعت رابط بعض المقالات عن كيفية التلاعب في قوائم أعلى الكتب مبيعًا وأعلى الأغنيات استماعًا وأعلى الأفلام مشاهدة وأحسن فندق وأروع مطعم، إلخ.
الدرس، لا تصدق هذه المؤسسات وتلك الإحصائيات، صدق عقلك وتذوقك وتجربتك الشخصية أنت ومعارفك الشخصيين (أشخاص حقيقيون تعرفهم وتتحدث معهم وتثق في ذوقهم وفهمهم وشخصيتهم)، ولا تسير وراء القطيع وتعتقد أن الناس كلهم تحب فيلم كذا أو تشتري رواية كذا، يبقى أكيد فيلم رائع ورواية ممتازة! كلها حملات نصابين دعاية منظمة ومدفوعة الأجر.
https://www.aljazeera.com/features/longform/2026/5/16/where-did-eurovision-go-wrong
مقالات ذات صلة:
هل هذه رغبة المستمعين .. أم رغبة أصحاب شركة التواصل الاجتماعي؟
نحو ذكاء اصطناعي متوافق مع القيم الإنسانية
الثقافة الخوارزمية ومواقع التواصل الاجتماعي!
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا