أسرة وطفل - مقالاتمقالات

حوار مع سيدة عاملة

سيدة تعمل في بنك وتشكو لي من شدة الإرهاق النفسي والعقلي والجسدي الذي تعانيه بسبب محاولاتها الحفاظ على التوازن بين أسرتها وعملها، بين حياتها الشخصية وحياتها المهنية، فضلًا عن المضايقات المستمرة اليومية التي تتعرض لها من الأغراب في العمل والشارع!

سألتها: “هل أنت متزوجة ولديك أبناء؟”، “نعم متزوجة وزوجي يعمل في بنك آخر، ولدي طفلان، عمرهم ثلاث سنوات وست سنوات”.

سألتها: “لماذا لا تتركين العمل وتتفرغين لرعاية بيتك وأولادك؟”. كانت الإجابة: “نحتاج إلى الراتب (راتبي وراتب زوجي)، لأن الحياة أصبحت غالية جدًا، ونحتاج لكل قرش، كي نعيش في مستوى متوسط، ونربي أولادنا ونعلمهم تعليمًا جيدًا”.

“في ماذا تنفقين راتبك؟ لماذا لا تكتفين بالحياة في حدود راتب زوجك وقدراته؟”.

قالت إنها تحتاج راتبها في عدة أمور:

اضغط على الاعلان لو أعجبك

أولًا

كي تدفع ثمن مصاريف المدارس والحضانة، وأحيانًا دورات تدريبية للأبناء، أو دروس خصوصية، إلخ.

طيب، ما لو حضرتك تفرغتي لرعاية أولادك، لن تحتاجي دروسًا خصوصية، ولا حضانة غالية، ولا حتى مدارس مبالغ في تكلفتها تحت شعار التعليم الجيد!

كل ما يقال في المدارس والدورات التدريبية والدروس الخصوصية يمكن أن تجديه على الإنترنت واليوتيوب، ولو مش عارفة تشرحي حاجة لإبنك أو بنتك، تطبيقات الذكاء الاصطناعي تساعد، وتشرح، وترسم، وتبسط!

لو تفرغتي لأولادك، ستوفرين كثيرًا من المال، ولن يحتاج تعليم الأولاد إلى مصاريف كثيرة كما تقولين، وستجدين راتب زوجك يكفيكم.

على فكرة، لا يوجد فارق اليوم بين المدارس الغالية والرخيصة، كلهم يتخرج منهم التعليم الفاشل نفسه. المدارس الغالية محض موضة ووسيلة للتفاخر بين الأمهات، لكن النتيجة متقاربة جدًا، كلهم ينتهون إلى المصير نفسه. لا تعليم ولا تربية تحدث في المدارس اليوم!

قالت: “معك حق!”.

ثانيًا

أحتاج راتبي كي أشتري ملابس ومستلزمات شخصية والمواصلات.

طيب، لو حضرتك لا تذهبين إلى البنك كل يوم، سيكون استهلاكك للملابس والمواصلات أقل بكثير،

الحل الخروج من الحلقة الجهنمية، البحث عن كسب مزيد من المال، لشراء مزيد من السلع والأشياء! قالت: “معك حق!”.

ثالثًا

معك حق، ولكن! عايزة يكون معايا فلوس، علشان أكون حرة نفسي، ما حدش ضامن الزمن، مش يمكن يحصل حاجة وزوجي يتخلى عني أو يتركني؟!

قلت: وهل الشغل بتاعك يتسبب في كثير من الخلافات بينك وبين زوجك؟!

ضحكت وقالت: كثيرًا، أرجع متعبة من العمل ومضغوطة، يطلب طلبات، ندخل في خلافات على من عليه واجب كذا، ومن المفروض يعمل كذا.

قلت: يعني حضرتك بتشتغلي علشان تحمي نفسك وقت الطلاق، ولا علشان شغلك يكون هو السبب في الطلاق؟!

العمل ليس أمان، ولم ولن يكون، بخاصة مع تطور الذكاء الاصطناعي، احتمال الاستغناء عنك أو التسريح من الوظيفة والمنع من الترقية والاضطهاد في العمل والخصم، أعلى بكثير من احتمالات الطلاق أو وفاة الزوج.

نظرت بابتسامة حائرة!

رابعًا

قالت: لكنني أريد أن أعمل كي أحقق ذاتي، كي لا يقولوا عني أنني فقط ست بيت، بعد كل هذا التعليم والمصاريف على تعليمي، أقعد في البيت؟!

قلت لها: العمل مصدر رزق، بحث عن راتب ومال تعيش به، من يقول لك أن العمل تحقيق للذات هو كائن منافق، الجري في الشوارع والتزاحم من أجل أن تلحق موعد الإمضاء والبصمة، والاحتكاك مع الأغراب ومضايقات العمل، والجلوس على مكتب تفعلين شيئًا مكررًا كل يوم، هذا ليس تحقيق ذات، هذا صراع من أجل الحصول على راتب آخر الشهر، من أجل لقمة العيش! هذه هي الحقيقة.

من يُحقّر دور ست البيت والأمومة هم النسويات التابعات للرأسمالية، وأصحاب المال، يريدون منك أن تخدمي الشركة وصاحب العمل وتضحي بحياتك ومجهودك وعمرك في خدمة الشركات كي تكسب مزيدًا من المال، لكن لا تخدمي نفسك وأولادك وزوجك!

لذلك ينفذ هؤلاء عمليات غسيل العقول، في الإعلام، بتحقير دور ست البيت والأم التي تعيش في بيئة آمنة نظيفة مع أسرتها.

تمجيد النساء اللواتي تضيع أعمارهن في بهدلة المواصلات والعمل في مكاتب مملة وغرف مغلقة مع أغراب وزبائن وزملاء لا يعلم إلا الله نواياهم ولا تصرفاتهم ولا الشر والأذى الذي يحملونه لك.

يمكنك أن تعيشي بكرامتك، في بيئة آمنة مطمئنة محترمة، بيتك وأسرتك، ويكفيكم راتب زوجك. وتتنازلي عن بعض المستهلكات والموضات والمستلزمات المادية التافهة مقابل الشعور بالرضا والطمأنينة والأمان.

الخروج من الحلقة الجهنمية: البحث عن كسب مزيد من المال، لشراء مزيد من السلع والمستهلكات والأشياء!

وتوزيع واضح للأدوار: تديرين بيتك وتستثمرين في أولادك وزوجك، ويؤدي زوجك واجبه في الإنفاق والرعاية.

كان الرد في النهاية: والله معك حق، لكنني لا أستطيع أن أقف ضد التيار.

تيار غسيل العقول في الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي والسلطة السياسية وأصحاب المال والإعلام والسياسة المسيطرين على ملايين العبيد، يحركونهم مثل قطيع الأغنام المتجه نحو السلخانة للذبح والاستغلال في استسلام وصمت!

مقالات ذات صلة:

عمل المرأة بين مسؤولية التربية ودعاوى النسوية

المرأة بين الأسرة والفكر الغربي

تجربة اجتماعية عجيبة لم يسبق تطبيقها

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ. د. خالد عماره

الاستاذ الدكتور خالد عماره طبيب جراحة العظام واستاذ جراحة العظام بكلية الطب جامعة عين شمس