قضايا وجودية - مقالاتمقالات

العقل ومدارس الفلسفة الإسلامية .. الجزء التاسع والسبعون

المدرسة المشّائية: (77) حنين بن إسحاق: الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، وكتابه: "نوادر الفلاسفة والحكماء": حوار الحضارات بين فلاسفة الأمم [1] حنين بن إسحاق: الترجمة مشروعٌ حضاري والمترجم رسولٌ بين الحضارات

تحدثنا –صديقي القارئ صديقتي القارئة– في الدردشات السابقة، عن أبي سليمان السجستاني: الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، وكتابه: “صوان الحكمة” (راجع: ج 67، ج 68، ج 69، ج 70، ج 71، ج 72، ج 73، ج 74، ج 75، ج 76، ج 77، ج 78) تأريخ عالمي للفلسفة: اليونانية والإسكندرية والصابئية والمسيحية والإسلامية.

ولنبدأ –في هذه الدردشة– مقاربتنا التأويلية لمترجم وفيلسوف إسلامي الحضارة، مسيحي الديانة، حنين بن إسحاق: الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، وكتابه: “نوادر الفلاسفة”.

حنين بن إسحاق: من متقدمي فلاسفة الإسلام

رغم أن حنين ابن إسحاق (توفي 260 ه) وابنه إسحاق بن حنين (توفي 298 ه) من النصارى إلا أن أبا سليمان السجستاني (توفي بعد 391 ه)، الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة المسلم، يعدهما –في كتابه “صوان الحكمة”– من متقدمي فلاسفة الإسلام، فيقول عنهما: “هما من متقدمي فلاسفة الإسلام ونقلة الكتب الكثيرة إلى اللغة العربية: من الطب والفلسفة والرياضيات. ولشهرتهما واستفاضة أخبارهما لم أقتص شيئًا منها” (راجع ج 77).

وعند ظهير الدين البيهقي (توفي 565 ه)، صاحب كتاب “تتمة صوان الحكمة”، كان المترجمون النصارى أقرب إلى الموروث منهم إلى الوافد، ومن الإسلام أكثر منهم إلى النصرانية، فحنين بن إسحاق مسلمٌ ثقافةً، وعربيٌ لغةً، بل بواقع نصرانيته، فالرسالات السماوية كلها قبل الإسلام إنما كانت تبليغًا لرسالة الإسلام بصورٍ مختلفة، فكان الأنبياء جميعًا مسلمين، كما يقول حسن حنفي.

وهذه هي رحابة الفلسفة الإسلامية، واستيعابها لأهل العقل، بصرف النظر عن الدين أو القومية، وتلك هي سعة الأفق الحضاري عند فلاسفة المسلمين الأولين (راجع ج 77) وسعة أفق الدولة الإسلامية العباسية، خصوصًا عصري المأمون (توفي 218 ه) والمعتصم (توفي 227 ه)، وكان حنين في عهدهما وتحت رعايتهما. وفرت الدولة الحرية الاعتقادية لكل مواطنيها، وكان لها مشروع حضاري واسع الأفق لترجمة منتجات الشعوب الفلسفية والعلمية، وكان على رأس هذا المشروع أبو زيد حنين بن إسحاق رئيس مدرسة الحكمة ببغداد.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

حنين بن إسحاق: رئيس مدرسة الحكمة ومهمته الحضارية

بدأت الترجمة في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، وبلغت الذروة في القرن الثالث، عصر كبار المترجمين، وعلى رأسهم حنين بن إسحاق، واستمرت حتى القرن الرابع ولم تتوقف حتى السادس والسابع. وكان حنين طبيبًا نصرانيًا وشماسًا من عباد، وهم قبائل شتى من بطون العرب، اجتمعوا على النصرانية بالحيرة، ولذلك يقال له العبادي. ولد سنة 194 ه/ 809 م، في الحيرة بالعراق، وتوفي في بغداد سنة 260 ه/ 873 م. عينه الخليفة المأمون على بيت الحكمة (أسسه اعام 215ه/ 830 م) خلفًا ليحيى (يوحنا) بن ماسويه. ولقد دار حنين البلاد في جمع الكتب القديمة، ودخل بلد الروم. وربما كان أشهر المترجمين العرب إطلاقًا. فحنين بن إسحاق كان أول من فسّر اللغة اليونانية ونقلها إلى السريانية والعربية. ولم يوجد في هذه الأزمنة –كما يقول ظهير الدين البيهقي (توفي 565 ه)– بعد الإسكندر أعلم منه باللغتين العربية واليونانية.

حنين بن إسحاق: المترجم رسولٌ بين الحضارات والأمم

لقد رأى المأمون في منامه “كأن شيخًا بهي الشكل جالس على منبر وهو يخطب ويقول: “أنا أرسطوطاليس”! فانتبه من منامه وسأل عن أرسطوطاليس فقيل له رجل حكيم من اليونانيين. فأحضر حنين بن إسحاق إذ لم يجد من يضاهيه في نقله، وسأله نقل كتب الحكماء اليونانيين إلى اللغة العربية، وبذل له من الأموال والعطايا شيئًا كثيرًا”. هذا ما رواه ابن أبي أصيبعة في كتابه “عيون الأنباء في طبقات الأطباء”.

ولم يكن حلم المأمون بأرسطو حلمًا عابرًا في منام خليفةٍ عادي، بل كان حلمًا حضاريًا لخليفة عالمٍ متحضرٍ ولأمةٍ بكاملها، يريدها أن تكون متحضرةً عالمةً مفكرةً منتجةً للعلم والعلماء، كغيرها من الأمم التي سبقتها في تاريخ الحضارة. ولقد كان هذا المنام –كما يقول ابن النديم في كتابه “الفهرست”–: “من أوكد الأسباب في إخراج الكتب”. فتمت المراسلات بين المأمون وملك الروم لإنفاذ كتب العلوم القديمة المدخرة ببلدة الروم، ونقلها وترجمتها إلى اللغة العربية. كان ذلك الحلم بدايةً حالمةً لمشروع دولة العقل والعلم والتوحيد!

لقد كُلّف بهذه المهمة الحضارية الخطيرة وعُني بإخراج الكتب من بلد الروم وأُنفذ إلى بلاد الروم حنين بن إسحاق العبادي. “فجاء بطرائف الكتب، وغرائب المصنفات: في الفلسفة، والهندسة، والموسيقى، والأرثماطيقي (الحساب)، والطب”، كما يقول ابن النديم. وكان حنين بن إسحاق يرزق من بني شاكر –كما يقول أبو سليمان المنطقي السجستاني– في الشهر نحو خمسمائة دينار للنقل والملازمة. وكان لحنين –كما يقول ابن جلجل (توفي بعد سنة 384 ه) في كتابه “طبقات الأطباء والحكماء”–: “تواليف نافعة متقنة بارعة”.

ولم يكن حنين محض مترجمٍ ناقلٍ، بل كان منفذًا لمشروعٍ حضاري لدولة خلافة كبرى. ولم يكن النقل منذ البداية مستقلًا عن الإبداع، بل كان كلاهما –على حد تعبير حسن حنفي– حركتين متوازيتين، لم يبدأ النقل أولًا ثم الإبداع ثانيًا بوصفهما مرحلتين آليتين، تتلو إحداهما الأخرى، بل كان النقل منذ البداية إبداعًا، عن طريق نشأة المصطلح الفلسفي والتعليق والشرح والتلخيص، الذي يؤديه المترجمون النقلّة.

وكان نقل المصطلح الفلسفي والتعليق والشرح والتلخيص والجوامع نواحي الإبداع القائمة على النقل الحضاري. وقد أنجز حنين بن إسحاق هذه المهمة الحضارية على خير وجه.

وهذه الترجمات كانت تمثل بداية التفلسف، والجذور الأولى للفلسفة في العالم الإسلامي. وهذه البداية ستحدد للفكر الإسلامي مساره الإنساني الكوني الذي يعتمد على العقل: المشترك بين جميع بني الإنسان، وأعدل الأشياء قسمةً بين الناس، كما قال ديكارت.

حنين بن إسحاق: الترجمة مشروع حضاري

إذًا: لقد مثّل الوافد تاريخيٍّا حنين بن إسحاق. وكانت الترجمة والتعليق والشرح والتلخيص –في دولة الإسلام الحضاري– همٍّا وطنيٍّا، التزامًا ثقافيٍّا، مشروعًا قوميٍّا، تجربةً معاشة، وليست محض عملٍ أكاديميٍّ مهني مفروض (كما يفعل المترجمون من أساتذة الفلسفة في العالم الإسلامي الآن، بمجهودات فردية غير منظمة!). واستمر الحال كذلك في عصر النهضة الثاني في مصر خاصةً عند الطهطاوي؛ حنين ابن إسحاق الجديد. وشاركت مدرسة الألسن في القاهرة بالدور نفسه الذي شارك به ديوان الحكمة في بغداد، كما يقول حسن حنفي، وكانت الترجمة الثانية طبقًا لخطةٍ مقصودة وبداية بالعلوم الطبية والطبيعية، تلبية لمطالب جيش محمد علي والصناعات العسكرية الحديثة، وبإشراف الدولة وتوجيهها، فالتاريخ يعيد نفسه.

الترجمة: وعيٌ حضاريٌ مبكر

لقد ظهر الوعي الحضاري مبكرًا منذ عصر الترجمة وعند المترجمين، وتحت إشراف الدولة المتحضرة، بخاصة عند رئيس مدرسة الحكمة ببغداد: حنين بن إسحاق، فالترجمة –في ذلك العصر– كانت تدل على وجود “فلسفة وعي تاريخي”، فالمترجم –على حد تعبير حسن حنفي– صاحب مشروع وطني حضاري مهتم بالتدوين ونقل الحضارة الحديثة للحضارة القديمة، احترامًا لها واعتزازًا بها في مسار حضاري واحد متصل. والأهم من ذلك تأويل هذا النقل وتطويعه لصالح الحضارة المنقول إليها نص كتاب “نوادر الفلاسفة”، والتركيز على الأفكار التي يراد لها أن تكون سائدةً بين الناس، لتشكيل وعيهم الحضاري الإنساني العام، وغرس الأفكار الفلسفية الكبرى في بيئة العالم الإسلامي وعلى رأسها: فكرة التعددية الفلسفية، وفكرة حوار الحضارات، وهي أفكار كانت موجودة بالفعل، خصوصًا في عصر المأمون، ويراد تدعيمها وتقويتها وإعطاؤها صفة الكونية والعالمية.

من هنا جاءت أهمية ذكر حنين بن إسحاق في بداية كتابه لفرق الفلاسفة للتعرف على التعددية الفلسفية، وأن الفلسفة مدارس وليست مدرسة واحدة، تعددية وليست أحادية. فكل مسألة تحتمل عدة آراء، وكل رأي يقوم على دليل، فالترجيح بلا مرجح ليس دليلًا، وهو باطل عقلًا. ورغم تعدد الأقوال فالحكمة واحدة، النغمات متعددة واللحن واحد.

كما جاءت أهمية فكرة “اجتماعات الفلاسفة” التي تمثل نوعًا أوليًا من حوار الحضارات بين فلاسفة الأمم. كأن المعنى الذي يراد نشره بين الناس: الحوار والتعددية بين الحضارات وفلاسفة الأمم، لا صراع الحضارات بين فلاسفة الأمم، فالدولة الإسلامية عالمية وتتسع لجميع الشعوب والأمم المختلفة والمتباينة، فالفلسفة العقلية حوار حضاري كبير بين الفلاسفة والأمم جميعهم: أفرادًا وشعوبًا فالكل بشرٌ من بني الإنسان.

في الدردشة القادمة –بإذن الله– نواصل رحلتنا التأويلية مع حنين ابن إسحاق وكتابه: “نوادر الفلاسفة”: حوار الحضارات بين فلاسفة الأمم [2] كتاب نوادر الفلاسفة وفلسفة الترجمة.

مقالات ذات صلة:

حياة الفلاسفة: رَفَه الجهل ومعاناة الحكمة

تعريب العلوم

لماذا تتصارع الحضارات؟

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ.د شرف الدين عبد الحميد

أستاذ الفلسفة اليونانية بكلية الآداب جامعة سوهاج