مقالات

أدمنوا ثقافة الواسطة

حين تقف أمام مكتب إداري أو مسؤول كبير تدرك تمامًا قواعد اللعبة، الوصول إلى المهمين شبه مستحيل إلا عبر شبكة معقدة من الوسطاء والطوابع والأختام.

دائمًا هناك حارس أو حاجب يغلق الباب وموظف يؤجل المقابلة ومدير مكتب يملك وحده صلاحية تمرير اسمك.

والإنسان عادة لا يفضل من المواجهة المباشرة. لو أخبرته أن الباب مفتوح، وأن بإمكانه الدخول لطلب حاجته من دون حجاب، لارتجف وتلفت يبحث عن وساطة تحميه من هيبة اللقاء.

البشر بطبيعتهم أدمنوا ثقافة الواسطة وجعلوا لكل حاجة بابًا خلفيًا. برمجت العقول عبر آلاف السنين على أن الأشياء العظيمة لا تنال إلا عبر سلسلة معقدة من الوسطاء والأختام والأبواب الخلفية.

المشكلة الحقيقية أن هذا الوهم البشري البائس تسلل خلسة ليصيب أعماق علاقتنا بالخالق جل جلاله!

اضغط على الاعلان لو أعجبك

​يصعب على بعضهم أن يتخيل قدرته على رفع يديه ضارعًا لينادي ربه ويطلب حاجته مباشرة من دون الحاجة إلى شخص يقف في المنتصف ليمرر الدعاء.

وثمة كلمة واحدة تكشف ما يترسب في قاع القلب أكثر مما تكشفه مجلدات العقيدة. كلمة “وحده”.

​ قد يردد المرء بلسانه أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت، ثم تأتي لحظة الخوف المحرقة، ولحظة الحاجة التي تضيق فيها الأرض بما رحبت، فتسقط الكلمات المنمقة، ويظهر إلى أين سيركض قلبه أولًا.

قد يعرف ربه ويؤمن بوجوده، ثم يظل عند محطة الدعاء عاجزًا عن التخلص من فكرة الارتكاز على سواه.

​ سورة غافر تتحدث عن هذا الخلل في آية من أهم ركائزها، عن قوم بلغ بهم الخلل أن تأففوا من هذه الكلمة المفردة، كلمة وحده: ﴿ذَٰلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ ۖ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ۚ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (12)﴾.

​تأمل هذه المفارقة النفسية، لم تكن قضيتهم يومًا إنكار وجود الخالق، كانوا يعرفونه ويقرون بربوبيته، لكنهم ضاقوا ذرعًا بأن يكون هو “وحده” المقصود بالعبادة والالتجاء.

فإذا قيل لهم توجهوا إلى الله وحده استكبروا ونفروا، وإذا دخل معه شريك اطمأنت قلوبهم وتنفست صدورهم.

التوحيد الخالص كان ثقيلًا عليهم لأنه ينتزع من قلوبهم العكازات كلها والأبواب المزيفة التي اعتادوا الاتكاء عليها في أزماتهم.

​هنا يتجاوز التوحيد كونه محض معلومة جافة تحفظها الذاكرة، هو أشبه بعملية جراحية لتحرير القلب، أن ترفع حاجتك إلى مولاك مباشرة دون أن تشعر بمسافة هائلة تحتاج لمن يقطعها نيابة عنك، أن تتيقن أنه يسمعك حين ينفض عنك الجميع، ويراك في عتمة خلوتك حين تغيب العيون.

​إن لحظة الأزمة تفضح أحيانًا ما لا تكشفه ساعات طويلة من ادعاء الإيمان، سل نفسك حين تضيق بك الدنيا، من الذي يتربع على عرش وجدانك؟ حين تريد شيئًا لا تملك أسبابه الأرضية، أين تتجه روحك قبل أن تتحرك يداك؟

النفس التي لم تتشرب التوحيد حقًا تبحث دائمًا عن أصنام توزع عليها مخاوفها ورجاءها: ﴿وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾.

توحيد الله وحده ثقيل على النفوس التي أدمنت العبودية للوسائط، ببساطة لأن توحيد الله معناه سقوط أوهام كبرى من الداخل، يسقط وهم أن فلانًا يملك لك نفعًا أو ضرًا استقلالًا عن قدر الله، ويسقط وهم أن الأسباب المادية هي التي تتصرف بمعزل عن خالقها.

لكن الحقيقة تبقى ناصعة بلا زوائد، الله “وحده” هو من يملك الضر والنفع وهو خالق الأسباب ومسببها.

​لهذا جاء الختام المهيب محكما يقطع كل حجة: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾، الحكم له والأمر كله بإرادته، هو العلي الذي علا على كل شيء، وهو الكبير الذي تصغر أمام عظمته كل الهيئات والأقدار التي منحناها في صدورنا حجمًا يفوق حقيقتها.

التوحيد في أصفى صوره يشبه بوصلة حاسمة في يد مسافر تاه طويلًا، مهما تعددت الخرائط وكثرت الطرق وتشعبت، فهو يدرك جهته جيدًا لا يحتاج إلى أن يجعل من كل عابر دليلًا، ولا من كل باب مغلق ملجأ.

جهته واحدة، وربه واحد، ​الله وحده.

مقالات ذات صلة:

“الانطباع الأول وحدوث الخطأ في التفكير”

أصنام هذا الزمان!

عندها يكتشف الإنسان متأخرًا

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. محمد علي يوسف

‏‏كاتب وطبيب أسنان‏