عندها يكتشف الإنسان متأخرًا

منذ عدة سنوات، أقيمت على إحدى وسائل التواصل الاجتماعي مجموعة إلكترونية للرجال. بدأ الأمر طريفًا: مساحة افتراضية تحمل اسمًا يجذب الانتباه، لا يعرف فيها أغلب الأعضاء بعضهم بعضًا، لكنهم يتبادلون النصيحة، ويحاول كل واحد منهم أن يكون عونًا للآخر.
كان من الممكن ألا يزيد الأمر عن مجموعة من ضمن مئات المجموعات الخاصة بالاستشارات التي قد يستحيي بعضهم من ذكرها علنًا، لكن مع الوقت تسرب بين أعضاء “الجروب” شعار عجيب لم يكن متوقعًا، كلمة بسيطة من ثلاثة حروف: “سند”.
لقد تكررت الكلمة في معظم منشورات المجموعة واستشارات الأعضاء يقدمونها بين يدي كل سؤال أو طلب عون: الـ”اسم المجموعة” سند.
هكذا يبدأ السائل أو المستشير كلامه مذكرًا بهذه الحقيقة كأنها قاعدة مطلقة، هي ليست كلمة مدهشة في تركيبها، ولا تحمل استعارة أدبية مبهرة، لكنني أدركت مباشرة أنها أعجبتهم لسبب واضح، لقد كانت تضرب وترًا قديمًا في النفس، كأنها تذكر الإنسان بشيء يعرفه منذ خلق، ثم انشغل عنه طويلًا.
الإنسان مهما بالغ في ادعاء القوة، يقضي عمره كله باحثًا عن شيء يتكئ عليه. نحن ندّعي الصلابة ببراعة، لكن الحقيقة التي نتغافل عنها أحيانًا احتياجنا المستمر وبحثنا الدؤوب عن عكاز.
الطفل يطوق إصبع أبيه قبل أن يجرؤ على خطوته الأولى. والمريض لا يطمئن للدواء فقط، قد يضاعف اطمئنانه وجود يد تمسك بيده. الزوجة تبحث عن كتف تتكئ عليه قبل أن تبحث عن جدران.
أما الرجل، ذلك الكائن الذي يبالغ في ادعاء الاكتفاء، فربما كان أكثر المخلوقات احتياجًا إلى من يسنده، غير أن كبرياءه يدفعه إلى أن يموت واقفًا، قبل أن يعترف بأنه قد أنهك.
ربما أعطاهم هذا الـ”جروب” مساحة آمنة لإظهار هذا الاحتياج.
في روايته الصادمة (Fight Club) التي تحولت بعد أعوام إلى فيلم شهير يحمل العنوان ذاته، لم يكن الكاتب تشاك بولانيك يكتب عن اللكمات القاسية أو العظام المتكسرة، لقد كان يكتب مرثية جنائزية لجيل كامل غرق في رفاهية باردة حتى تجمدت روحه.
عن ضحايا “العالم الحديث” الذي منحهم كل شيء، لكنه سلب منهم أحد أقدم الاحتياجات البشرية وأعمقها: الأنس، السند، الشريك،
“نادي القـتال” في الرواية لم يكن محض منظمة تخريبية، كان صرخة احتجاج ضد “الوحدة المقنعة”. هؤلاء الرجال لم يذهبوا إلى الأقبية المظلمة ليربحوا نزالًا، لقد ذهبوا ليلمسوا شيئًا حقيقيًا افتقدوه.
ذهبوا ليجدوا رفيقًا يشاركهم ألم الضربة التي تثبت أنهم لا يزالون أحياء، وليسمعوا في صمت الزحام تلك الكلمة التي عجزت ناطحات السحاب عن قولها: “أنا أراك، وأنا معك”. وحين غاب السند الحقيقي اخترعوا لأنفسهم سندًا مشوهًا في أقبية مظلمة.
وهذه هي طبيعة الإنسان، إذا لم يجد ما يسند روحه، تعلق بأي شيء. بشخص أو بمجموعة من البشر، أو بفكرة، أو حتى بوهم.
ليس منا إلا وقد مرت عليه لحظة التفت فيها حوله، فلم يجد أحدًا، لا رسالة، لا اتصالًا، لا كتفًا، لا أحد يقول له ببساطة: “أنا معك.” في تلك اللحظات لا يكتشف الإنسان عدد معارفه، لكن يكتشف عدد من يصلح أن يكون سندًا.
عندها يفهم أن حاجته إلى السند ليست ضعفًا أخلاقيًا، ولا خللًا في شخصيته، هي قديمة في الإنسان، قديمة إلى الدرجة التي ولد بها قبل أن يتعلم أول كلمة، فطرة فُطِر الإنسان عليها.
لو فتشت في تاريخ البشر كله، فلن تجد أن سر بقائه كان القوة المجردة. لم يكن بقاء الإنسان على الأرض يومًا معتمدًا على قوته وحدها. الإنسان لم يكن أبدًا أسرع من الفهد ولا أشد قوة من الدب، لا يمتلك أنياب الذئب أو مخالب النسر، ولو ترك وحيدًا في البرية قبل آلاف السنين، لما طال بقاؤه كثيرًا.
لكن الإنسان امتلك ميزة غريبة إلى جوار ذكائه الفطري: الإنسان يحمل بعضه بعضًا. كان الجريح يحمل إلى القبيلة والمريض يجد من يطعمه ويداويه والطفل يبقى عاجزًا سنوات طويلة، ثم يكبر بين عشرات الأيدي التي حملته حتى اشتد عوده.
لعل الحضارة نفسها بدأت يوم قرر إنسان أن يسند إنسانًا آخر، وأخشى أن فقدان ذلك المعنى قد يكون إيذانًا بنهايتها.
لعل هذا هو السبب الذي جعل الإسلام لا يلغي هذه الحاجة، ولا يخجل منها، ولا يطلب من الإنسان أن يتظاهر بالاكتفاء. لقد نسج لها عالمًا كاملًا، صفوفًا تتلاصق فيها الأكتاف، صلوات لا يصلي فيها المرء وحده إلا لعذر، وأخوّةً تتجاوز روابط الدم أحيانًا، حتى قال النبي ﷺ: “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا”.
كأن الرسالة واضحة منذ البداية: لا بأس أن تبحث عمن يسندك، أنت لم تخلق جبلًا. لكن الأشياء الجميلة، لها عادة قديمة، إذا فقدت ميزانها، انقلبت على أصحابها. كل نعمة إذا خرجت من موضعها، تشبه السيل، يبدأ ماءً، ثم ينتهي طوفانًا.
الحاجة إلى السند قد ترفع الإنسان، وقد تستعبده. كم من تعصب بدأ لأن أفراده أرادوا أن يحمل بعضهم بعضًا، ثم انتهى الأمر أن صاروا يحملون عقول بعضهم أيضًا.
وكم من معلم بدأ ناصحًا، ثم انتهى في أعين أتباعه ميزانًا للحق، لا يسأل عما يقول. وكم من قائد، أو شيخ، أو صديق، أو زوج، تعلق به قلب إنسان حتى صار غيابه انهيارًا كاملًا لعالمه.
هكذا يتحول السند، إذا خرج عن موضعه، من نعمة إلى صنم. يبدأ الأمر بعبارة بريئة: “لا أستطيع، بدونه”، ثم تنمو العبارة قليلًا حتى تصبح: “لا أرى إلا بعينه”، ثم تنتهي إلى أخطر ما يمكن أن يبلغه قلب إنسان، أن ينسى أن السند خُلِق ليعينه على الطريق، لا ليصبح الطريق نفسه.
ينسى أن الطريق كله كان محروسًا من ذلك الانحراف الخفي للقلب إذا لم يعرف موضع الاتكاء الأخير فيوزع ثقله على أكتاف لا تحتمله. وفجأة يدرك المرء أن كل سندٍ في الدنيا، مهما اشتد، يعيش تحت قانون واحد، أنه قابلٌ للغياب.
المشكلة أن الحياة لا تستأذن أحدًا قبل أن تظهر ذلك القانون المطلق على كل سندٍ بشري. الأب الذي كنت تظنه جبلًا راسخًا طالما احتميت بظله سينحني ظهره فجأة ويحتاج فيه إلى من يمسك ذراعه. والأم التي كنت تظن أن الدعاء يخرج من قلبها بلا انقطاع، يغيب صوتها يومًا، ويبقى صداه فقط.
والصديق الذي كنت تراهن على حضوره في كل منعطف، قد تبتلعه مدينة أخرى، أو وظيفة أخرى، أو أسرة أخرى، أو ببساطة، يبتلعه الزمن. ليس لأن الناس سيئون، فقط لأنهم بشر. لكل منهم معركته التي لا يراك وهو يخوضها، وحِمله الذي ينوء به، وضعفه الذي يحاول أن يخفيه عنك كما تخفي أنت ضعفك عنه.
عندها يكتشف الإنسان، متأخرًا في الغالب، أنه كان يطلب من المخلوق أكثر مما خلق له. وكلما سقط سند من الدنيا، شعر بعض الناس أن الأرض قد سقطت معهم.
والحق أن المشكلة لم تكن يومًا في سقوط السند، كانت في المكان الذي وضع فيه من القلوب. فاليد التي أمسكت بك يومًا، تستحق الشكر. لكن القلب، لا يليق به إلا أن يتكئ على من لا يسقط.
ألا ينتظر من قلبٍ محدود مثله أن يمنحه طمأنينةً بلا حدود، ومن يدٍ ترتجف أن تحميه من كل سقوط، ومن رفيق طريق أن يزيل عنه وحشة الطريق كلها. هنا لا تكون المشكلة أن السند قد غاب، المشكلة أننا حمّلناه ما لم يكن يومًا قادرًا على حمله.
أفقر الناس من جعل قلبه معلقًا بمن خُلق ليغيب، وأغناهم من استند وأحب هونًا دون أن يفرط في التعلق، أحب وهو يعلم أن آخر خيط في قلبه مربوطٌ بمن لا يغيب.
عندها لا يعود وجود الرفيق شرطًا للمسير، ولا يصبح غيابه نهاية الطريق.
سيمضي ممتنًا لكل يدٍ أمسكت بيده يومًا، لكنه يعرف، في مكانٍ عميق من قلبه، أن اليد الوحيدة التي لا ترتجف، ولا تتعب، ولا تفلت مهما طال الطريق، ليست يد بشر.
مقالات ذات صلة:
القرآن حينما يربط الإحاطة الإلهية بالرعاية الإيمانية
إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولًا
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا