مقالات

تطور الهاسبارا الإسرائيلية (Hasbara הַסְבָּרָה) من الدعاية التقليدية إلى الحرب الإدراكية والذكاء الاصطناعي

دراسة من منظور علم الاجتماع السياسي والعسكري

مصطلح الهاسبارا

(Hasbara הַסְבָּרָה) مشتق من الفعل العبري (להסביר Lehasbir) الذي يعني “يشرح” أو “يوضح” أو “يفسر”.

أما الاسم (Hasbara) فيعني حرفيًا: الشرح (Explanation)، التوضيح (Clarification)، التفسير (Interpretation).

ولهذا فإن الإسرائيليين يفضلون ترجمته إلى “الدبلوماسية العامة” (Public Diplomacy) أو “الشرح”.

أصبحت الهسبارا (Hasbara) أحد أهم مكونات القوة الناعمة الإسرائيلية، ولم تعد محض جهاز إعلامي يشرح سياسات الدولة، بل تحولت إلى منظومة متكاملة لإدارة الإدراك (Perception Management) وصياغة السردية السياسية والعسكرية في أوقات الحرب والسلم. ومن منظور علم الاجتماع السياسي والعسكري، فإن الهسبارا تمثل إحدى أدوات “إنتاج الشرعية” داخليًا وخارجيًا، وتسعى إلى تشكيل التصورات والاتجاهات بما يخدم أهداف الدولة الاستراتيجية.

يعكس تطور الهسبارا (Hasbara) تطور أدوات الاتصال السياسي والحرب الإعلامية الإسرائيلية أكثر من كونه محض تطور في الدعاية التقليدية. فكلمة (Hasbara) بالعبرية تعني حرفيًا “الشرح” أو “التفسير”، في حين تستخدمها المؤسسات الإسرائيلية لوصف الدبلوماسية العامة الموجهة إلى الرأي العام العالمي، ويرى منتقدوها أنها تتجاوز ذلك أحيانًا إلى الدعاية السياسية أو إدارة السردية.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

أولًا: مفهوم الهاسبارا

كلمة (Hasbara) بالعبرية تعني “الشرح” أو “التوضيح”، إلا أن استخدامها السياسي يشير إلى منظومة الاتصال الاستراتيجي والدبلوماسية العامة التي تستهدف:

بناء صورة إيجابية لإسرائيل، تبرير السياسات العسكرية والدبلوماسية، مواجهة الروايات المضادة، الحفاظ على الدعم الدولي.

ولهذا يختلف توصيفها بين من يراها “دبلوماسية عامة”، ومن يصفها بأنها “دعاية سياسية” أو “إدارة للسردية”.

ثانيًا: مراحل تطور الهاسبارا

المرحلة الأولى (1948–1967): الدبلوماسية التقليدية

ارتكزت على:

  • الصحافة المطبوعة.
  • الإذاعة.
  • الخطاب الدبلوماسي.
  • إبراز صورة “الدولة الصغيرة المحاصرة”.

وكان الهدف الأساسي كسب الاعتراف الدولي.

المرحلة الثانية (1967–1987): مرحلة الشرعية الأمنية

بعد حرب يونيو 1967 توسعت إسرائيل جغرافيًا، وبدأت تواجه انتقادات دولية. فتحولت الهسبارا إلى أداة لتبرير: الاحتلال، العمليات العسكرية، الاستيطان، السياسات الأمنية.

وفي هذه الفترة بدأ الحديث داخل إسرائيل عن ضرورة احتراف العمل الإعلامي.

المرحلة الثالثة (1987–2005): عصر الفضائيات

أظهرت الانتفاضة الفلسطينية الأولى أن الصورة التلفزيونية أصبحت تؤثر في الرأي العام أكثر من البيانات الرسمية. ومن هنا:

  • توسعت مكاتب الإعلام.
  • تدرب المتحدثون العسكريون.
  • أصبحت المقابلات التلفزيونية جزءًا من المعركة.

المرحلة الرابعة (2006–2022): الإعلام الرقمي

شهدت هذه المرحلة تحولًا جذريًا، فلم تعد الهسبارا تعتمد فقط على وزارة الخارجية والجيش، بل شاركت فيها:

  • الجامعات.
  • مراكز الأبحاث.
  • المنظمات غير الحكومية.
  • متطوعون داخل إسرائيل وخارجها.

وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ساحة مركزية للمنافسة على السردية.

المرحلة الخامسة (2023–2026): الحرب الإدراكية

بعد حرب غزة دخلت الهسبارا مرحلة جديدة تقوم على:

  • الذكاء الاصطناعي.
  • تحليل البيانات الضخمة.
  • الاستجابة الفورية.
  • إنتاج الفيديوهات القصيرة.
  • مخاطبة كل دولة بلغتها.

لكنها واجهت تحديات كبيرة بسبب الانتشار السريع للمحتوى القادم من مناطق القتال، وتزايد قدرة الأفراد على نشر المعلومات مباشرة دون المرور عبر المؤسسات الإعلامية التقليدية.

ثالثًا: الهاسبارا بوصفها مؤسسة اجتماعية

في علم الاجتماع السياسي لا تعد الهسبارا محض جهاز إعلامي، وإنما مؤسسة لإنتاج الشرعية.

فهي تعمل على:

  • إنتاج المعنى.
  • تفسير الأحداث.
  • إعادة تعريف الحرب.
  • تشكيل الذاكرة الجماعية.
  • إدارة الانطباعات.

رابعًا: الهاسبارا والحرب الإدراكية

تتجاوز الحروب الحديثة السيطرة على الأرض لتشمل السيطرة على العقول. ومن هنا أصبحت الهسبارا تعمل على:

  • التأثير في الرأي العام العالمي.
  • رفع معنويات المجتمع الإسرائيلي.
  • الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية.
  • التأثير في صناع القرار الغربيين.
  • الحد من الضغوط السياسية والدبلوماسية.

خامسًا: أدوات الهاسبارا الحديثة

من أبرز الأدوات:

  • المتحدث الرسمي للجيش.
  • وزارة الخارجية.
  • السفارات.
  • المؤثرون الرقميون.
  • منصات التواصل الاجتماعي.
  • الحملات الإعلانية.
  • مراكز الأبحاث.
  • جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل.
  • إنتاج الأفلام الوثائقية.
  • الرسوم البيانية والإنفوغراف.
  • الذكاء الاصطناعي وتحليل اتجاهات الرأي العام.

سادسًا: التحولات السوسيولوجية

شهدت الهسبارا انتقالًا عبر أربع مراحل:

  1. من الإقناع إلى التأثير.
  2. من الإعلام إلى إدارة الإدراك.
  3. من الحكومة إلى الشبكات المجتمعية.
  4. من الدعاية إلى الحرب المعرفية.

سابعًا: أسباب تراجع فاعلية الهاسبارا بعد 2023

أشار عدد من الباحثين الإسرائيليين والغربيين إلى عوامل عدة، منها:

  • الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي.
  • تراجع احتكار المؤسسات الكبرى لتدفق الأخبار.
  • ازدياد المحتوى المصور القادم مباشرة من مناطق القتال.
  • تغير اتجاهات الرأي العام، بخاصة بين الأجيال الشابة في الغرب.
  • تصاعد النقد داخل بعض الأوساط الإسرائيلية نفسها لأداء مؤسسات الاتصال العام.

ولا يعني ذلك اختفاء تأثير الهسبارا، بل يشير إلى أن البيئة الإعلامية أصبحت أكثر تنافسًا وتعددًا للسرديات.

ثامنًا: الهاسبارا – تحليل من منظور علم الاجتماع السياسي والعسكري

يمكن النظر إلى الهسبارا بوصفها منظومة تعبئة رمزية تؤدي وظائف متعددة:

  • إنتاج الشرعية السياسية.
  • دعم المعنويات الوطنية.
  • تعزيز التماسك المجتمعي في أوقات الأزمات.
  • التأثير في الإدراك الدولي للصراع.
  • الإسهام في تحقيق أهداف السياسة الخارجية والأمن القومي عبر أدوات غير عسكرية.

ومن هذا المنظور، أصبحت الهسبارا جزءًا من منظومة أشمل تشمل القوة الناعمة، والاتصال الاستراتيجي، والحرب الإدراكية، بحيث تتكامل مع الأدوات العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية في إدارة الصراع.

خاتمة

يكشف تطور الهسبارا عن تحول عميق في طبيعة الصراعات المعاصرة، فالمنافسة لم تعد تدور فقط بخصوص السيطرة على الأرض أو تحقيق التفوق العسكري، بل بخصوص كسب الشرعية وتشكيل الإدراك العام.

ومع تطور الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، أصبحت القدرة على إدارة السردية عنصرًا أساسيًا في القوة الوطنية، وفي الوقت نفسه باتت هذه السردية تواجه منافسة متزايدة من مصادر معلومات متنوعة، مما يجعل معركة الرأي العام أكثر تعقيدًا.

مقالات ذات صلة:

لماذا لا تستطيع إسرائيل كسب الحرب؟!

سنعرف النتيجة النهائية بعد سنوات

الذكاء الاصطناعي لا يفكر بدلًا منك

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. أحمد إبراهيم خضر

أستاذ بكلية التربية – جامعة الأزهر دكتوراه علم الإجتماع العسكري