قضايا وجودية - مقالاتمقالات

كان يومًا عاديًا

لا شيء فيه يستحق أن يروى؛ لا مكالمة هاتفية قلبت حياتك رأسًا على عقب، لا خبر عاجل سحب الهواء من رئتيك، ولا مفاجأة سوداء قفزت لك مكشرة عن أنياب البلاء.

يوم مر كأنه صفحة بيضاء في كراسة إجابة مدرسية، لم يمر عليها المصحح بقلمه الأحمر الفج، ولم يكتب في هامشها ملاحظة قاسية.

في العادة، نحن لا نحب هذا النوع من الأيام، أو على الأقل نملّ منه. نراه رتيبًا، باهتًا، يشبه طعم دواء خافض للحرارة بلا نكهة.

نحن مخلوقات مبرمجة على الإثارة نعدّ الهدوء المرادف الرسمي للملل. لا نلتفت إلى اليوم الذي مرّ سالمًا، لكننا نحفظ اليوم الذي انقلب رأسًا على عقب بتفاصيله كلها.

نعدّ الأخبار الهادئة فراغًا، في حين نظن أن الحياة لا تستحق أن تروى إلا إذا انفجرت فيها كارثة أو انكسر فيها شيء.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

يلفتنا سقوط شجرة، ولا نكاد نلحظ غابة كاملة ما زالت واقفة. نكتب عن العاصفة صفحات، في حين تمر الأيام الآمنة كأنها لم تكن. نعامل الطمأنينة كأنها الحالة الافتراضية التي لا تستحق الامتنان كأن القلب لا ينتبه إلى النعمة إلا إذا خرجت من البيت وأغلقت الباب خلفها.

لكن الحقيقة التي ندركها متأخرًا، أن هذا الـيوم العادي هو في ذاته نعمة تستحق الشكر، أن تمتلك يومًا كاملًا في رصيد عمرك بلا بلاءات مفاجئة، بلا خسارات أو فقد، وبلا جلوس في غرف الانتظار الباردة خائفًا تترقب.

أن تستيقظ بلا ألم مفاجئ يضرب جسدك أو ضرسك في منتصف الليل فيجعل النوم أمنية بعيدة أو ذكريات من زمن سحيق. أن تبدأ يومك ولا غصة في حلقك، ولا شعور بانقباضة في صدرك تخبرك أن شيئًا حزينًا على وشك الحدوث، أو حدث بالفعل.

المفارقة الغريبة في تركيبتنا العصبية أننا لا ننتبه إلى النعمة الهادئة، ببساطة لأنها لا تترك أثرًا دراميًا صاخبًا. نحن بارعون جدًا في إحصاء الكوارث، وتسجيل الخيبات، ورواية قصص النجاة لكننا أبدًا لا نسجل تلك الأيام التي لم يحدث فيها شيء.

لا نحتفل بمرورنا الآمن من منتصف نهار عادي، مع أن هناك على الضفة الأخرى من هذا الكوكب من يتمنى هذا العادي بكل ما أوتي من قوة، ليرتاح من دوي الانفجارات أو صراخ الفقد أو قرصة الجوع، ولا يملكه.

الفكرة هنا ليست دعوة للمبالغة غير المنطقية أو مطالبة بمثالية تجعلنا نتعامل مع قدح القهوة الصباحي كأنه معجزة كونية خارقة. الأمر أبسط من ذلك بكثير.

هي محاولة للفت الانتباه لما لا يثير صخبًا، أن نعطي الهدوء حقه من الاعتراف، أن تجلس في نهاية اليوم، وتتأمل سقف غرفتك، وتقول في قرارة نفسك: “يا له من يوم مر بعافية”.

وأن تدرك أن غياب الأخبار السيئة هو في حد ذاته خبر ممتاز. يقول الفرنجة: “لا أخبار هي أخبار سارة” (No news is good news).

تعبير شهير ينسب أول استخدام لمفهومه إلى الملك البريطاني جيمس الأول في بدايات القرن السابع عشر، قاله ليعكس دلالة نفسية تطمئن المنتظرين بأن الأمور تسير على ما يرام ما دام لم يصلهم خبر سيئ.

فيا صديقي لا تستهن بهذا الفراغ المريح.

من يدري،  قد يكون هذا الهدوء الممل، وتلك الساعات الرتيبة الخالية من الأحداث، هي الطبقة العازلة التي يغلف بها القدر روحك، لكي يمنحك الصلابة الكافية لامتصاص صدمة قادمة.

حين لا يعود الحنين، إلى الأيام الاستثنائية ولا إلى الرحلات المبهجة، ولا إلى النجاحات التي صفق لها الناس واللحظات التي امتلأت ضجيجًا، لكنه يعود دائمًا إلى صباحٍ لم يحدث فيه شيء، إلى يومٍ عادي مرّ في هدوء، حتى ظنناه يومًا لا يستحق أن يكتب في مذكراتنا ثم نكتشف أنه كان الفصل الأجمل فيها.

كم من يومٍ عادي كان يستحق أن يشكر المرء ربه عليه ألف مرة لكنه لم يدرك ذلك إلا حين ذاق تلك الأيام.. غير العادية.

مقالات ذات صلة:

كيف نحافظ على النعم

ولو تأملنا مواقف الحياة

ولئن شكرتم

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. محمد علي يوسف

‏‏كاتب وطبيب أسنان‏