علم نفس وأخلاق - مقالاتمقالات

اليقظة الذهنية فكرًة ومفهومًا وتطبيقًا

ما المقصود باليقظة الذهنية؟ (What is Mindfulness?)

اليقظة العقلية أو الوعي العمدي الآني أو الانفتاح العقلي المفعم بالوعي على عطاء اللحظة الحاضرة أو التمعن (Mindfulness) موضوع علمي ساخن إن جاز التعبير في أدبيات علم النفس الغربي في الوقت الحاضر، يُتعامل معه على أنه طريقة بالغة الفاعلية في تمكين الناس من الإنجاز، خفض المشاق والضغوط والتغلب عليها، تنمية الوعي بالذات وتعزيزه، تنمية الذكاء الانفعالي وتحسينه، وخفض العمليات الانفعالية والمعرفية والسلوكية غير الوظيفية أو غير التكيفية أو التدميرية.

ورغم أن الغالبية العظمى تتصور أن “اليقظة الذهنية” تكافئ من المنظور الدلالي مفهوم “التأمل” (meditation) وفقًا لممارساته ذات الطابع الفلسفي الثقافي الشرق آسيوي، فإن الأمر على غير هذا النحو من المنظور العلمي.

اليقظة الذهنية حالة وجودية نفسية وتوجهًا ذهنيًا في الحياة قوامها: الانفتاح، وامتلاء التكوين النفسي للشخص بالوعي والتركيز والتدبر في الذات في الوجود والوجود في الذات في اللحظة الحاضرة دون تقييم نقدي، أو دون توجه لإسقاط أحكام تقيمية، وعلى ذلك فالتأمل ما هو إلا أحد مكونات اليقظة الذهنية للدرجة التي أصبحنا معها نطالع مقالات عنوانها “اليقظة الذهنية دون تأمل” (Mindfulness Without Meditation) نشرت في مجلة الرعاية الصحية والإرشاد والعلاج النفسي المجلد التاسع العدد الرابع، وهي مجلة علمية ربع سنوية تصدرها الجمعية البريطانية للإرشاد والعلاج النفسي.

وجدير بالإشارة إلى أنه ورغم أن قضايا “اليقظة الذهنية” لم يُنتَبه إليها في علم النفس الغربي إلا حديثًا، فإن ما يتعلق باليقظة الذهنية على مستوى الممارسات والتطبيقات وُجدت في نطاق واسع من الفلسفات الشرقية والشرق آسيوية مثل: البوذية، الطاوية، وتدريبات أو ممارسات اليوجا.

وتتضمن اليقظة الذهنية بالفهم الاصطلاحي توجه الشخص بوعي وإرادة وتنبه وتركيز نحو الانفتاح الواعي على الواقع الموضوعي والنفسي الماثل هنا والآن والانسياب فيه بانفتاح وشغف ومرونة.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

وعرف جون كابات-زين (Jon Kabat-Zinn) وهو الرمز الأول لصياغة مفهوم اليقظة الذهنية واستخدامه والتدريب عليها في إدارة وعلاج المشكلات الإكلينيكية بأنها “تركيز الانتباه بوعي وعن قصد في اللحظة الراهنة دون إسقاط أحكام تقييمية”.

وعلى ذلك تتعلق اليقظة الذهنية بالتنبه والصحوة وربط أنفسنا بالواقع الحاضر بأحداثه وخبراته ووقائعه وتقدير كل لحظة في الحياة، وأطلق جون كابات-زين على هذه العملية “فن العيش بوعي يقظ”، وتصور جون كابات-زين أن هذه طريقة عميقة في تحسين الصمود النفسي والانفعالي أو “المرونة النفسية والانفعالي” (psychological and emotional resilience)، وزيادة الرضا عن الحياة.

تعريفات اليقظة الذهنية (Definitions of Mindfulness)

أ‌- تعريف مارلات وكريستيلر (Marlatt &Kristeller ): “إحضار الشخص وتركيزه لانتباهه بصورة كاملة في الخبرة الحاضرة لحظة بلحظة”.

ب‌- تعريف جون كابات – زين (1996- 2005) (Kabat-Zinn): “تركيز الانتباه بطريقة خاصة عن قصد وتعمد في اللحظة الراهنة بدون تقييم أو إسقاط أحكام”.

ت‌- تعريف باير (Baer): “ملاحظة غير تقيمية وغير هادفة إلى إسقاط أحكام لمسار حدوث المثيرات الداخلية والخارجية في سياق اللحظة الراهنة والواقع الحياتي الذي يعيشه الشخص هنا والآن”.

ث‌- تعريف جيرمر (Germer) وسيجال (Segal) وفولتون (Fulton): “الوعي بالخبرة الحاضرة بتقبل أو قبول.

ج‌- تعريف روس هاريس (Russ Harris) (2003): “اليقظة الذهنية تركيز المرء لانتباهه وطاقته المعرفية في الحاضر بانفتاح وشغف ومرونة ورقة أو حنو”.

فوائد اليقظة الذهنية (The Benefits of Mindfulness)

يمكن أن تساعدك ممارسات اليقظة الذهنية فيما يلي:

  • الانسياب في الحاضر وفقًا لعقلية “هنا والآن”.
  • تقوية عرى ارتباطك بذاتك وبالآخرين وبالعالم من حولك.
  • أن تكون أقل توترًا وأقل ارتباكًا وأقل تعاملاّ بذهنية ردود الأفعال عند التعرض لخبرات غير سارة.
  • أن تتعايش مع الأفكار والمشاعر غير السارة بأمان وسلامة ذاتية دون غرق في دوامات التأثر السيئ بها.
  • أن تكون أكثر وعيًا بما تحاول تجنبه أو تجاهله.
  • أن تعلق الأحكام أو التقييمات النقدية القاسية والمباشرة على الحياة من حولك.
  • أن يزداد لديك الوعي بذاتك.
  • أن تتعلم التمييز بين ذاتك أنها وحدة شخصية وبين “أفكارك ومشاعرك” أنها حالات تتغير بين الحين والآخر.
  • أن يكون لك اتصال مباشر مع العالم من حولك، بدلًا من أن تغرق في أفكارك، وأن تتعلم أن كل شيء يتغير، وأن الأفكار والمشاعر تأتي وتذهب مثل حالة الطقس.
  • أن تصل إلى مستوى معقول من الاتزان، وأن تتجنب التقلبات الانفعالية.
  • أن تخبر مزيدًا من الهدوء والسلام النفسي الداخلي.
  • أن يرتقي لديك التقبل الذاتي والشفقة بالذات أو التراحم الذاتي.

اليقظة الذهنية والعلاج النفسي (Mindfulness & Psychotherapy)

نشأ التدريب على اليقظة الذهنية أنها أداة قوية قائمة على الدليل في تحسين الصحة النفسية، ويوجد عديد من الشواهد الإمبيريقية التي تثبت فاعلية التدخلات الإرشادية والعلاجية القائمة على اليقظة الذهنية في التعامل مع عديد من الاضطرابات الكلينيكية مثل: الألم المزمن، اضطرابات القلق، الاكتئاب، كرب ما بعد الصدمة، اضطراب الوسواس القهري، سوء تناول المواد، واضطراب الشخصية الحدية.

وتصنف التدخلات الإرشادية والعلاجية القائمة على اليقظة الذهنية ضمن ما يعرف بالموجة الثالثة من موجات العلاجات السلوكية المعرفية، التي تتضمن على الأقل ثمانية صيغ علاجية منها:

  • العلاج بالقبول والالتزام (Acceptance & Commitment Therapy).
  • العلاج الجدلي ـ السلوكس (Dialectical Behaviour Therapy (DBT)).
  • العلاج المعرفي القائم على اليقظة الذهنية (Mindfulness-Based Cognitive Therapy (MBCT)).

وجميعها صيغ علاجية تركز على اليقظة الذهنية أنها مبدأ محوري في علاج عديد من أشكال الأنماط المعرفية والانفعالية والسلوكية المختلة.

مقالات ذات صلة:

الصحة النفسية، تعريفها، أهدافها، أسبابها، وكيفية تعزيزها

آدم وسقراط والحديث عن الرغبة واليقظة!

من رجاء القلب إلى بصيرة العقل

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د . محمد السعيد أبو حلاوة

اختصاصي الصحة النفسية والإرشاد النفسي، كلية التربية جامعة دمنهور