مقالات

كيف سيؤثر تراكم آثار حرب غزة على المدى الطويل في تشكيل هوية المجتمع الإسرائيلي ومستقبله؟

تحليل سوسيولوجي

يفتح هذا السؤال باب النقاش بشأن مستقبل إسرائيل من زاوية “الهوية الجمعية” لا فقط من زاوية السياسة أو الأمن. يمكن أن ننظر إليه من منظور علم الاجتماع العسكري والاجتماع السياسي معًا:

إرهاق الحرب وإعادة تشكيل الهوية الجمعية

تراكم الحروب –وبخاصة حرب غزة الأخيرة بما تحمله من خسائر بشرية واهتزاز صورة “الجيش الذي لا يقهر”– قد يؤدي إلى إرهاق مجتمعي طويل الأمد. هذا الإرهاق يعيد تعريف “من نحن” بصفتنا السكان: هل نحن مشروع توسعي دائمًا في حالة حرب، أم مجتمع يسعى للاستقرار والاعتراف؟

هذا الصراع الداخلي بين “هوية الدولة العسكرية” و”هوية الدولة المدنية” سيشتد مع مرور الوقت.

تآكل أسطورة الأمن

الهوية الإسرائيلية كانت تقوم على مركزية الجيش “حاميًا للأمة”. تراكم آثار الهزائم والصدمات (خسائر الجنود، فشل الاستخبارات، العزلة الدولية) يؤدي إلى تآكل هذه الأسطورة.

النتيجة: انقسام داخلي بخصوص الثقة بالمؤسسات، وقد يبرز تياران: واحد يريد عسكرة أشدّ، وآخر يريد انسحابًا وانكفاءً.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

تحولات في العلاقات بين المجموعات

الحروب تعمّق الشرخ بين الأشكناز والمزراحيم، وبين العلمانيين والمتدينين، وبين اليهود وعرب الداخل. تراكم الآثار قد يدفع إلى تبلور هويات فرعية متنازعة داخل إسرائيل، بدل هوية وطنية جامعة.

تأثير على الأجيال الشابة

الشباب الذين ينشأون في ظل الحروب الطويلة يكوّنون هوية مرتبطة بالخوف والتهديد، أو العكس هوية ناقمة على الاستنزاف. على المدى الطويل، قد تنشأ ثقافة احتجاجية أو حتى هجرة عكسية، ما يضعف “هوية الاستيطان” التي كانت قائمة على فكرة العودة والاندماج.

المستقبل بين سيناريوهين متضادين

السيناريو الأول: مزيد من الانغلاق والهويات العدوانية، إذ يتمحور المجتمع حول “حصن مهدّد” يعيش في صراع دائم.

السيناريو الثاني: إعادة التفكير في المشروع الصهيوني ذاته، والبحث عن هوية أكثر انفتاحًا أو تسوية مع الواقع المحيط.

بتعبير علم الاجتماع العسكري: تراكم آثار الحرب قد يحوّل الهوية الإسرائيلية من “هوية منتصرة” إلى “هوية مأزومة” تتأرجح بين التماسك تحت الخطر والانقسام الداخلي بسبب الاستنزاف.

ثانيا :ما تفسير علم الاجتماع العسكري لتأثير حرب غزة على الهوية الإسرائيلية؟

ينظر علم الاجتماع العسكري إلى تأثير حرب غزة على الهوية الإسرائيلية عبر العلاقة بين المجتمع والحرب والجيش باعتباره مؤسسة مركزية في تشكيل الهوية. يمكن تلخيص ذلك في عدة محاور:

تفكك الأسطورة المؤسسة

منذ 1948 ارتكزت الهوية الإسرائيلية على أسطورة “الجيش الذي لا يقهر”. حرب غزة، بخسائرها البشرية وفشلها في تحقيق أهداف حاسمة، أدت إلى تآكل هذه الأسطورة.

علم الاجتماع العسكري يفسر ذلك بأن الهزائم أو الحروب المكلفة تضعف الرابط الرمزي بين الجيش والهوية الوطنية، ما يفتح الباب أمام مراجعات أيديولوجية داخل المجتمع.

الهوية بين العسكرة والبحث عن مدنية

تراكم الحروب يعزز ما يسمى بـ”المجتمع المعسكر” (militarized society)، إذ تصبح الحرب جزءًا من الحياة اليومية. لكن في المقابل، ومع طول أمد الاستنزاف، قد تنشأ أصوات داخلية تسعى إلى إعادة تعريف الهوية بعيدًا عن “الحرب الدائمة”، أي الدفع نحو هوية مدنية أكثر من كونها عسكرية.

إعادة إنتاج الانقسامات الداخلية

الحرب لم توحّد الإسرائيليين بقدر ما أبرزت خطوط الصدع: علماني/ديني، أشكنازي/مزراحي، يهود/عرب الداخل. من منظور علم الاجتماع العسكري، هذه الانقسامات تعني أن الجيش لم يعد “بوتقة صهر” كما كان يفترض، بل صار ساحة تظهر التناقضات المجتمعية.

تأثير على الأجيال الجديدة

الأجيال الشابة التي تخوض أو تشهد الحرب تطوّر هوية متأرجحة:

  • إما هوية متمسكة بخطاب “الحصار والخطر الوجودي”.
  • أو هوية ناقدة تشعر بالاغتراب من المشروع الصهيوني نفسه.

هذا يتماشى مع مقولات علم الاجتماع العسكري بشأن أثر الصدمات الجمعية على إعادة صياغة الهوية الوطنية.

إسرائيل بين هوية “الحصن” وهوية “الأمة العادية”

عززت حرب غزة صورة إسرائيل كـ”حصن مهدد”، لكن استمرار هذا التصور يهدد تماسك المجتمع على المدى الطويل.

علم الاجتماع العسكري يحذر من أن المجتمعات التي تبقى عالقة في هوية “الحصار” تفقد القدرة على التطور نحو مجتمع طبيعي مستقر.

الخلاصة:

علم الاجتماع العسكري يرى أن حرب غزة عمّقت أزمة الهوية الإسرائيلية: من “هوية الانتصار” التي تأسست بعد 1948 إلى “هوية مأزومة” قائمة على الخوف والانقسام. استمرار هذه الأزمة قد يدفع المجتمع إما نحو مزيد من العسكرة والانغلاق، أو نحو البحث عن بدائل وهوية أكثر مدنية وانفتاحًا.

مقالات ذات صلة:

كيف نشأ الكيان الإسرائيلي الصهيوني؟

ستزيد من الدم دماء؟ سترى.. ونرى

ماذا أعدوا للقدس وللعالم؟!

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. أحمد إبراهيم خضر

أستاذ بكلية التربية – جامعة الأزهر دكتوراه علم الإجتماع العسكري