
في العقد الأخير من القرن العشرين، طور الفيلسوف الكندي إيفان تومبسون (Evan Thompson) وجهة نظر بيئية عن اللون مستوحاة من عالم النفس الأمريكي جيمس جيروم جيبسون (J. J. Gibson).
عرض تومبسون رؤيته تلك تفصيلًا في كتاب هام له بعنوان “الإبصار اللوني” (Color Vision ) نُشر عام 1995، وفيه تبنى فرضًا أساسيًا مضمونه أن أي تفسير سديد لأنطولوجيا اللون ومحتوى الإدراك الحسي اللوني يجب أن يكون علاقيًا (Relational) وبيئيًا.
يعني تومبسون بكلمة “علاقي” أن الألوان خواص علاقية. والخاصية العلاقية خاصية لحمل علاقة نوعية على شيء ما أو مجموعة من الأشياء. فعلى سبيل المثال كلمة “أخت” (أو القضية “س أخت”) خاصية علاقية، لأنها خاصية لحمل العلاقة الثنائية “(س) أخت لِـ(ص)” على شخص ما.
بالطريقة ذاتها يمكن النظر إلى “الاستعدادات” أنها خواص علاقية، ذلك أننا حين ننسب إلى كيانٍ ما خاصية الاستعداد لكي يبدو للبشر أحمر اللون فإنما نعني بذلك حمل العلاقة الثنائية “(س) مستعد لكي يبدو أحمر اللون لِــ(ص)” على البشر. وعلى هذا فالنزعة الاستعدادية –فيما يلاحظ تومبسون–أيضًا نظرية علاقية في اللون، فليست الألوان سوى استعدادات للتأثير على المدركين، وإن كانت الاستعدادات هنا تعني شيئًا مختلفًا تمامًا عن المعنى التقليدي.
الجزءُ المميز حقًا لهذه الرؤيةِ السمةُ البيئية للألوان. لكن ما هذه السمة؟ يقول تومبسون:
“لكي يكون التفسير العلاقي مُشبعًا وتطبيعيًا من المنظور الفلسفي، فإنه يجب أن يكون بيئيًا. فالعالم المحيط بالمُدرِك يجب أن يؤخذ كبيئة (Environment)، أكثر منه كعالم مادي محايد. كما أن المُدرِك يجب أن يؤخذ كحيوان مستكشف نشط، أكثر منه كمتفرج سلبي يستقبل الإحساسات ببساطة من التأثيرات الفيزيائية”.
ثمة قراءة لهذا النص لا تضيف بها كلمة “بيئة” إلى كلمة “علاقي” معنى جديدًا، فباعتبار جزء من ميثودولوجيا البحث العلمي، نستطيع التأكيد على أن أي بحث في الإبصار اللوني يجب ألا يكون مقصورًا على المواقف المعملية، تلك التي تقيد فيها سلوكيات الأفراد بشروط صارمة، التي تحدد فيها أيضًا بدقة المنبهات البصرية كافة. ووفقًا لهذه القراءة، لا نجد فيزيائيًا أو أي شخصٍ آخر يختلف مع تومبسون. لكنه في الحقيقة يعني شيئًا ما أقوى من ذلك، فما هو خطأ بالنسبة إلى نظريات اللون التي تأملناها من قبل، أن الحيوان وبيئته يعالجان أنهما نسقان منفصلان تمامًا. فالعالم الخارجي يُعيَّن مقدمًا، ويؤخذ مصدرًا مستقلًا للانطباعات الحسية التي يكابدها الحيوان!
إن ما تضيفه كلمة “بيئي” إلى كلمة “علاقي” –وفقًا للقراءة الصحيحة– أن البيئة ومدركها ليسا نسقين منفصلين أساسًا، بل متداخلان على نحو وثيق. ولتوضيح ذلك، يشير تومبسون إلى إمكانية أن يكون الإبصار اللوني في الأنواع العضوية المختلفة قد تداخل تطوريًا مع ألوان النباتات والحيوانات الأخرى. وربما كان الإبصار ثلاثي الألوان (Trichromatic Vision) في الرئيسيات (Primates) قد تداخل تطوريًا مع الفواكه الملونة، ومن ثم تكون الخضروات بدورها قد تطورت على نحوٍ مشترك مع الفواكه لتصبح مرئية للرئيسيات، فالرئيسيات تحصل على الغذاء من الفواكه والخضروات، وهذه الأخيرة تتطور وجوديًا بفعل البذور التي تنثرها الرئيسيات. فإذا كان ذلك كذلك، فإن ألوان الفواكه في بيئة الرئيسيات تُفسَّر جزئيًا عن طريق الإبصار اللوني للرئيسيات.
الحق أنه رغم معارضة هذه الرؤية لنظرية الوهم بالألوان، من حيث كونها تؤكد الوجود الفعلي للألوان، فإنها تلتقي في جانب منها مع النزعة الذاتية، وفي جانب آخر مع النزعة الاستعدادية، وفي جانب ثالث مع النمط الثاني للنزعة الفيزيائية، مستفيدة في ذلك من نظرية التطور العضوي التي قدمها “تشارلز داروين” (Ch. R. Darwin) عام1859، ومن نظرية “جيبسون” البيئية في الإدراك الحسي، وإن كانت في حاجة إلى مزيد من التنظير الفلسفي لعلاقة الاعتماد المتبادل بين الإنسان والبيئة عبر مسيرة التطور المشترك (Coevolution)، فضلًا عن الدور الغائي الإرادي للعقل في عمليات الوعي والإدراك.
لعلنا قد أجبنا جزئيًا بهذا العرض للنظريات الفلسفية في ماهية اللون عن بعض التساؤلات التي انطلقنا منها في البداية. لقد تساءلنا مثلًا: هل ثمة نظرية بعينها هي الأكثر إقناعًا والأجدر بالقبول؟ والإجابة التي كشفت عنها الصفحات السابقة أن أية نظرية بمفردها تتميز بإيجابيات وتعاني سلبيات. ربما تكون الصورة قد اتضحت أمامنا بعض الشيء، لكن الحيرة إزاء ماهية اللون ما زالت تؤرقنا، وما زال الاختيار قرارًا صعبًا وإشكاليًا إلى درجة كبيرة!
لقد تساءلنا أيضًا: هل نستطيع التوفيق بين اثنتين أو أكثر من تلك النظريات؟ والإجابة أن ثمة شواهد تؤكد ذلك، فقد جمع أرمسترونج مثلًا بين نزعتين، وجمع تومبسون بين ثلاث نزعات. ونحن نستطيع بدورنا أن نمارس حقنا في عملية التوفيق بين الرؤى المختلفة، فليس أمامنا سبيل غير ذلك إن أردنا حقًا فهم ماهية اللون، ولو على نحو صوري يعيد الميتافيزيقا إلى مكانها الثابت في قلب المعرفة العلمية.
أخيرًا، لعلنا قد تذوقنا تلك المتعة التي حدثنا عنها جوته حين انخرط يبحث في الألوان، وهي في الحقيقة متعة من نوعها الخاص، تستلزم جهدًا فريدًا وفكرًا عنيدًا، لكنها بلا شك متعة تستحق أن نكابد من أجلها. ومهما كانت الملهاة جميلة الأجزاء، أو كانت المأساة عاتية الأنواء، فإن الفصل الأخير لم يأت بعد!
مقالات ذات صلة:
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا