فن وأدب - مقالاتمقالات

“النبي” .. لجبران خليل جبران

الكتاب الذي قرأه غاندي وأحبّه الشباب في ستينيات أمريكا ولا يزال يباع في كل مطار في العالم.. الرجل الذي كتب النبي ومات وحيدًا

البداية: واحد من أكثر الكتب مبيعًا في التاريخ

هذا الكتاب يستحق التوقف عنده. ليس روايةً أمريكية ذات حبكة محكمة، وليس كتاب تنمية ذاتية بخطوات عملية، وليس تحفة أدبية أوروبية نالت نوبل.

هو كتاب كتبه مهاجر لبناني في نيويورك عام 1923، ينتمي لا إلى تقليد أدبي واحد ولا إلى فلسفة محددة، يقع في مسافة الوسط بين الشعر والنثر، بين الدين والفلسفة، بين الشرق والغرب.

ترجم إلى مئة واثنتي عشرة لغة. وقرأه ملايين في مناسبات مختلفة جدًا: بعضهم عند الزفاف، وبعضهم عند الموت، وبعضهم في لحظات الشك وبعضهم في لحظات الطمأنينة.

ما السرّ؟

لفهم الكتاب لا بد أن تفهم أولًا من كتبه.

 الرجل قبل الكتاب: طفل بشرّي الذي صار وحيدًا في كل مكان

جبران خليل جبران ولد عام 1883 في بشرّي، قرية في شمال لبنان على الجبل، عائلة مارونية فقيرة. والده رجل اعتقل، ووالدته كاميليا رحمة امرأة عملت خياطة لتعيل أطفالها.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

حين كان جبران في الثانية عشرة من عمره، قررت أمه الهجرة إلى أمريكا، ذهبوا إلى بوسطن. والده بقي في لبنان.

في حي المهاجرين الفقراء في بوسطن، لاحظ أحد المعلمين الموهبة الغريبة في عيني هذا الصبي، وبدأت رحلة أخرى.

درس الفن في باريس، وهناك قال عنه رودان النحات العظيم: “هذا الصبي اللبناني سيصير ويليام بليك القرن العشرين.”

لكن الحياة الشخصية لجبران كانت أقل بريقًا من الصورة التي يرسمها “النبي”. كان يشرب كثيرًا، مات باثنتي وأربعين سنة بتليف كبد وسوء تغذية. وكان في رسائله الخاصة يعاني الوحدة العميقة والاغتراب الذي لم يُشفَ أبدًا.

الرجل الذي كتب عن الحرية كان محاصرًا، والرجل الذي كتب عن الحب كان وحيدًا، والرجل الذي كتب عن الخلاص مات وهو يتألم.

هذا التناقض هو ما يجعل “النبي” أكثر صدقًا مما يبدو، لأنه ليس حكمة رجل واثق من إجاباته بل هو صرخة رجل يبحث عن إجابات ولم يجدها.

 الكتاب: ما الذي يحدث فيه؟

البنية بسيطة على نحو مقصود

مدينة خيالية اسمها أورفاليس، يعيش فيها نبي اسمه المصطفى اثني عشر عامًا. ثم تأتي سفينة لتأخذه إلى وطنه، وقبل رحيله، يجتمع حوله أهل المدينة ويسألونه أسئلة وهو يجيب.

ستة وعشرون سؤالًا عن ستة وعشرين موضوعًا: الحب والزواج والأطفال والعمل والفرح والحزن والجمال والدين والموت.

وأجوبة المصطفى ليست أجوبة بالمعنى التقليدي، لا يقول “افعل هذا وتجنب ذاك”، يقول شيئًا أكثر تعقيدًا وأكثر غموضًا: يرسم صورة للشيء من زوايا متعددة في آنٍ واحد، ويتركك تقرّر أين تقف.

هذا ما يجعله يقرأ بطريقة مختلفة في كل مرة وفي كل مرحلة من الحياة.

 الحب: أشهر صفحات الكتاب وأكثرها سوء فهم

“حين يشير إليكم الحب فاتبعوه، وإن كانت سبله وعرة وشاقة.”

هذه الجملة تقرأ عادةً أنها دعوة رومانسية للاندفاع خلف الحب مهما كان الثمن، لكن جبران لا يتوقف عند هذا، يضيف مباشرةً:

“وحين تطوقونه فلا تقولوا إن الله في قلبي بل قولوا إنني في قلب الله. ولا تظنوا أنكم تستطيعون تحديد مسار الحب، لأن الحب إن رأى أهلًا فيكم سيحدد هو مسيرتكم”.

الحب عند جبران ليس شيئًا تمتلكه، هو شيء يمتلكك، وهذا يخيف أكثر مما يطمئن، وهذا هو الصدق الذي يختبئ تحت الجمال.

ثم جملته الأشهر عن الزواج: “قفوا معًا لكن لا تقتربوا كثيرًا، فعمود المعبد يقف وحده، والسروات والبلوط لا ينمو أحدهما في ظل الآخر.”

هذه الجملة تقرأ في حفلات الزفاف عادةً، لكنها في الحقيقة تحذير شديد اللهجة: الحب الذي يمتصّ الآخر يقتله. المسافة بين الأرواح ليست غيابًا بل شرط اللقاء الحقيقي.

 الأطفال: الجملة التي غيّرت طريقة كثيرين في التفكير عن التربية

“أولادكم ليسوا أولادكم. هم أبناء الحياة المشتاقة إلى نفسها”.

وتلك الجملة الأخرى: “أنتم القوس الذي ترسل منه أولادكم سهامًا حية.”

في مجتمعات تَعُد الأطفال امتدادًا للوالدين، حق الوالدين في تشكيلهم وفق رؤيتهم، هذه الجمل تقلب المعادلة. الأطفال ليسوا ملكًا لأحد، هم أرواح مستقلة مرّت من الوالدين ولم تصدر عنهما.

والقوس لا يوجّه السهم حيث يريد القوس أن يذهب، يوجّهه حيث يريد السهم أن يذهب.

هذه الفكرة بسيطة وعميقة في الوقت ذاته، وهي تقلق آباء وأمهات كثيرين لأنها تتحدى شيئًا يشعرون به غريزيًا: أن الطفل امتداد لهم.

 العمل: الفلسفة التي يحبها من يكره يوم الاثنين

“ما العمل يا مصطفى؟”

يجيب: “العمل هو الحب المجسد. وإذا كنت لا تستطيع العمل بمحبة بل بكره، فالأولى أن تتركه وتجلس عند بوابة المعبد لتطلب الصدقة من الذين يعملون بفرح.”

هذا ما يريد جبران قوله عن العمل: ليس العمل واجبًا وليس وسيلة للرزق فقط، هو الطريقة التي تعبّر بها عن ما أنت عليه. وحين تعمل دون محبة، تميت جزءًا من نفسك.

هذه الفكرة جميلة نظريًا، وتواجه اعتراضًا عمليًا واضحًا: كثيرون لا يملكون رفاهية اختيار العمل الذي يحبّونه، يعملون لأن عليهم البقاء لا لأنهم وجدوا الحب في مهنتهم. وجبران لا يجيب على هذا الاعتراض، يتجاهله.

وهذا أحد أكبر مواضع النقد في الكتاب كله، لكنه في الوقت ذاته ما يجعله نصًا تطلعيًا لا تقريريًا: يرسم ما ينبغي أن يكون لا ما هو كائن.

 الألم والفرح: الفكرة الأعمق والأصعب

“ألمكم هو كسر القشرة التي تحيط بفهمكم.”

جبران لا يقول إن الألم جيد، يقول إن الألم ضروري، وهناك فرق.

الشيء الذي يميّز جبران عن كثير من الكتاب الروحانيين أنه لا ينكر الألم ولا يقلّل منه، لا يقول “في كل مصيبة خير”، يقول شيئًا أكثر صدقًا وأشد مأساويةً: لن تفهم شيئًا من الحياة حتى يكسر شيء فيك.

ثم فكرته عن الفرح والحزن أنهما شيء واحد: “حين تضحكون فانظروا في أعماقكم فتجدوا أن ما أضحككم هو ما أبكاكم أيضًا.”

هذه الفكرة صادمة أول مرة تقرؤها لكنها حقيقية: أعمق لحظات الفرح عادةً مشحونة بشيء من الحزن، المشاعر الكبيرة لا تأتي نقية، تأتي مركّبة.

 الموت: الفصل الذي كتبه جبران وهو يقترب من موته

“لو أردتم أن تعرفوا حقيقة الموت فافتحوا قلوبكم لحقيقة الحياة.”

وذلك الوصف الشهير: الموت ليس نهاية بل “الوقوف عاريًا في الريح والذوبان في الشمس.”

كتب جبران “النبي” بين عامي 1918 و1923، وكان في تلك السنوات يعلم أنه يمرض، وكان قد فقد أخته قبل سنوات في مجاعة لبنان.

الرجل الذي كتب هذه الصفحات عن الموت كان يعيشه من الداخل، ولهذا هي ليست حكمة مجردة بل شيء يشبه الصلاة: محاولة من إنسان يخشى الفناء أن يجد له معنى لا يكسره.

 السياق الذي يفهم فيه الكتاب: مهاجر بين عالمين

لفهم “النبي”، يجب أن تفهم الموضع الذي وقف فيه جبران حين كتبه.

لم يكن ينتمي إلى الشرق بعد أن غادره طفلًا، ولم يكن ينتمي إلى الغرب الذي كان فيه دائمًا “آخر”، في قاموس العرق الأمريكي في مطلع القرن العشرين، كان المهاجرون من الشرق الأوسط يصنفون في خانة ملتبسة: ليسوا بيضًا تمامًا وليسوا من “الأعراق الدنيا” تمامًا.

هذا اللاانتماء الدائم هو ما ولّد “النبي”. فالمصطفى في الكتاب غريب في أورفاليس اثني عشر عامًا يعلّم ويحكم ثم يرحل، لا ينتمي لكنه يحبّ، وهذا بالضبط ما كان جبران.

وأورفاليس ليست مدينة عشوائية، هي كل مدينة، هي بوسطن وهي بيروت وهي أي مكان يجد فيه الإنسان نفسه دون أن يكون منه تمامًا.

والمصطفى الذي يعطي حكمةً ثم يرحل هو جبران نفسه: رجل يعرف أن ما يعطيه هو ما يحتاجه هو أكثر مما يحتاجه أهل المدينة.

 الانتقادات الحقيقية: ما يعيب الكتاب حقًا

“النبي” كتاب جميل، لكنه كتاب به إشكاليات حقيقية تستحق الصدق.

الأول أنه يتحدث بنبرة اليقين عن أشياء لا يقين فيها، جبران يصرّح بما لا يمكن التصريح به، يقول “الحب كذا” و”الموت كذا” بصياغة لا تحتمل الشك، وهذا يريح كثيرين، لكنه يبسّط ما لا يبسط.

الثاني أن المصطفى لا يواجه ظروفًا صعبة حقًا، لا يختبر الفقر المذلّ، ولا يعمل في مصنع مثل جبران الطفل، ولا يمارس عليه عنف، حكمته تخرج من فضاء نظيف لا يشبه كثيرًا من حياة القراء.

الثالث أن النساء في الكتاب تبقى ناقصة الحضور، في فصل الأطفال، الأمهات “أقواس” وظيفتها إطلاق السهم، لكن ماذا يريد القوس نفسه؟ هذا السؤال لا يطرح.

الرابع ما أشار إليه نقاد عرب بحق: جبران كتب عن “الإنسانية” وتجاهل الظلم الملموس، لم يكتب عن الاستعمار الفرنسي الذي كان يجثم على لبنان في وقت الكتابة، ولم يكتب عن المجاعة التي أودت بحياة ثلث اللبنانيين، كتب عن الروح العامة وتجنّب الجرح الخاص.

 ما بين سطور جبران

“النبي” يحمل تحت سطح جماله رسائل لم تصرح.

الأول: رفض المؤسسة الدينية دون مهاجمة الدين نفسه. حين يقول المصطفى “الهيكل ليس حجرًا ينحت بل نورٌ يتدفق من القلب”، يقوّض فكرة الكنيسة والمسجد والمعبد وسيطًا ضروريًا بين الإنسان والإله. جبران الماروني الذي طرد من مدرسة الكهنة في بيروت لأنه انتقد أساتذته، يعيد في هذا الكتاب الكرّة بطريقة شعرية لا يمكن محاكمته عليها.

الثاني: أن الكتاب كله ربما تأملٌ شخصي في الوطن المفقود. أورفاليس التي يغادرها المصطفى هي لبنان الذي غادره جبران طفلًا، والحكمة التي يتركها هي ما كان يريد أن يعطيه لبلاده التي لم يعد إليها، المنفى هنا ليس محض ظرف جغرافي بل حالة وجودية دائمة.

الثالث: القلق الخفي وراء التفاؤل الظاهر. قرأ كثيرون “النبي” ككتاب يطمئن. لكن من يقرأه بعناية يجد في الأسئلة أكثر مما في الأجوبة، المصطفى يجيب لكنه يبقي أسئلةً معلّقة. والعبارات الأكثر شهرةً حين تفحص جيدًا تفتح على أبواب تقلق أكثر مما تغلق أبوابًا مريحة.

الرابع: رسالة الاغتراب العالمي. جبران في بوسطن كان “شرقيًا” في عيون الأمريكيين، وفي لبنان كان “مغتربًا” في عيون الأهل. هذا الموضع بين المجموعات، لا ينتمي لأيٍّ منها تمامًا، هو ما أعطاه قدرته على الكتابة بطريقة يشعر فيها كل قارئ أن الكتاب كتب له خصوصًا، لأن الاغتراب ليس حصرًا على المهاجرين، هو شعور إنساني عام يختبره كل من يشعر بالغرابة في مكانه.

 لماذا يحبّ الناس “النبي”؟ الإجابة الصادقة

كل عقود القرن العشرين كان “النبي” يجد جمهورًا جديدًا.

حركة هيبيز الستينيات في أمريكا رأت فيه نصًا ثوريًا على المؤسسة، المسيحيون المتصوفون رأوا فيه تجليات روحانية، المسلمون رأوا فيه أصداء رومي وابن عربي، العلمانيون رأوا فيه تعليمًا إنسانيًا متحررًا من الدوغما، والعاشقون رأوا فيه صياغة لما يشعرون به ولا يجدون له كلمات.

الجواب الصادق: الكتاب يعمل كمرآة. يقدّم أسئلة بصياغة أجوبة، ويتيح لك أن تسقط عليه ما تريد. ليس كل الكتب تفعل هذا، وهذه المرونة هي ما تجعله يقرأ في مناسبات متناقضة جدًا.

لكن في الوقت ذاته، هذه المرونة نفسها هي ما يجعل بعض القراء الأكثر صرامةً يشعرون بأنه غامض عمدًا: جميل في الصياغة، مفتوح في المعنى، ومريح لأنه لا يقيّدك بموقف واضح.

 الخاتمة: الرجل الذي أراد الإجابات ومات بالأسئلة

جبران خليل جبران مات عام 1931 في نيويورك، نقل جثمانه إلى بشرّي عام 1932، وحوّل أهله المنزل الذي عاش فيه آخر سنواته في لبنان إلى متحف يزوره الناس.

في وصيته، طلب أن تدفن معه رسائله الخاصة مع ماري هاسكل، ولم تنشر معظمها.

تلك الرسائل ربما تحمل الجبران الحقيقي: الرجل الخائف والمشتاق والمريض والوحيد، لا المصطفى الحكيم الذي يجيب بهدوء عن أسئلة البشرية.

لكن هذا التناقض بالذات هو ما يجعل “النبي” صادقًا على مستوى آخر: إنه كتب من مكان اليتم الروحي، من مكان من يبحث عن الوطن ولا يجده، ومن مكان من يعرف الإجابات نظريًا ويعجز عن تطبيقها على نفسه.

وهذا ما يميّز الكتب العظيمة عن كتب الوصفات: الكتاب العظيم لا يكتبه من يملك الإجابات، يكتبه من يعاني الأسئلة بصدق كافٍ ليجعلها تلمس روح غيره.

قال جبران في إحدى رسائله الخاصة: “النبي الحقيقي ليس من يتكلم بل من يسمع، وأنا لا أزال أتعلم كيف أسمع.”

ويبدو أنه لم يكمل هذا التعلم، لكنه في طريق التعلم كتب شيئًا لم تنته صلاحيته.

مقالات ذات صلة:

الكتابة عن الراحلين

رواية الخيميائي .. لماذا كل هذا النجاح؟

رقد مندهشا.. ثم تمدد ومات

تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ . خالد حسين

كاتب و روائي