لطالما أحببت البحر

لطالما أحببت البحر، ليس حبًّا صيفيًّا مؤقتًا يوقظه الحر ثم يطفئه الشتاء، أحدثك عن حب قديم يعود إلى زمن كان البحر فيه محض بحر. ماءٌ أزرق، ورملٌ أصفر، وأمواجٌ تتكفل بإسعاد طفل لا يملك من الدنيا إلا “شبشبًا” بلاستيكيًا وكيسًا من اللب الأبيض.
كان البحر وقتها كريمًا على نحو يثير الريبة. لا يسألك عن مهنتك، ولا عن سيارتك، ولا عن صفحتك على إنستجرام، ولا عن الشريحة الاجتماعية التي تنتمي إليها، كل ما كان يطلبه منك أن تصل إليه، ثم يتولى هو بقية المهمة.
حبي للبحر كان قبل أن تصبح العلاقة أكثر تعقيدًا. قبل أن يتحول إلى مشروع اقتصادي متكامل، وخوارزمية اجتماعية دقيقة، تحتاج قبل أن ترى الأفق إلى أن تثبت أهليتك المالية والطبقية.
قديمًا، إذا كنت من أبناء محافظة ساحلية، فلم يكن قرار الذهاب إلى البحر يحتاج إلى كثير من التفكير. كنت تنظر إلى الساعة، وتراجع الجنيهات القليلة في جيبك: هل تكفي ثمن بنزين سيارتك؟
فإن لم تكن، ألقيت بنفسك في أول ميكروباص، وبعد أقل من ساعة تكون جالسًا على الرمل، تمد قدميك إلى الماء، ويكون أكبر همومك أن الريح قد تطير الصحيفة الورقية أو الكتاب الذي أحضرته معك.
وإن راودتك فكرة المبيت، زدت الميزانية قليلًا، واستأجرت “عشّة” في رأس البر أو جمصة –هكذا كنا نسميها– تنام فيها نومًا لا تمنحه اليوم أفخم الفنادق ذات الخمس نجوم، ربما لأن صوت البحر كان يدخل مجانًا، ولم يكن قد صار خدمة إضافية تضاف إلى فاتورة الغرفة.
قد تتجرأ أكثر إذا كنت مولعًا بالعبق التاريخي ورائحة النوستالجيا، فتوجع ميزانيتك قليلًا لتصل إلى ثغر الإسكندرية الجميل، حيث كانت محض التمشية على كورنيشها تكفي لتستمتع بالبحر المنكشف لكل راغب. الإسكندرية، بكل وقارها القديم، كانت تمنحك بحرها بسخاء، كنت تشعر أن المدينة كلها شرفة واسعة تطل على المتوسط.
أما الأماكن التي كنا نسمع عنها، مثل “مارينا”، فكانت أقرب إلى الأساطير. نسمع الاسم كما كان أجدادنا يسمعون عن جزر الواق واق. مكان بعيد يعيش فيه بشر آخرون، لا نعرف عنهم إلا أنهم يصطافون هناك، وأن هذا وحده يكفي ليمنحهم هالة غامضة تناسب ثرواتهم الباهظة.
والمفارقة أن الزمن دار دورته كاملة، وصارت مارينا نفسها اليوم تعامل معاملة دار للمسنين، يرتادها أصحاب المعاشات والمكافحون الذين يبحثون بين شوارعها عن أطلال شبابهم. حتى الأماكن يبدو أنها تشيخ مثلنا.
لقد حدث ما يقع كل مرة حين يشم السوق رائحة البراءة، فيقرر أنها لا ينبغي أن تكون مجانية. يبدو أن البحر كان يرتكب خطأً اقتصاديًا فادحًا حين كان يوزع جماله على الناس هكذا، دون تفريق.
هنالك بدأت عملية “تهذيب” الساحل وتقسيمه: ساحل طيب، وساحل شرير، وساحل أشد شرًا. سور هنا، وبوابة هناك، وكارت دخول، وسوار في المعصم، و(QR Code)، وحارس يرتدي زيًا موحدًا ينظر إليك بالصرامة نفسها التي كان ينظر بها حارس القلاع القديمة إلى الجيوش الغازية.
وحتى إن كنت من طبقة تستطيع التضحية بعشرات الآلاف من الجنيهات كي تتخطى كل تلك الحواجز مرة في العام، ستكتشف أن الوصول إلى البحر ليس بهذه البساطة.
أنت لست من الملاك، أنت محض “مؤجر” مسكين، مهما أنفقت، والوصول إلى البحر صار رحلة تفاوض طويلة مع الحواجز، أكثر منه رحلة إلى الماء.
ولو كنت ثريًا بما يكفي، فستكتشف شيئًا فشيئًا أن البحر نفسه لم يعد هو المقصود، وإنما الصورة التي تلتقط أمامه كدليل دامغ أنك كنت هناك. لقد صار الأفق محض خلفية مناسبة لإعلان غير مدفوع الأجر. سترى عشرات الوجوه متجهة نحو الهاتف، في حين البحر، المسكين، يقف خلفهم ككومبارس نسي الجميع أنه بطل الحكاية.
أعترف أنني كلما رأيت أو سمعت تلك المشاهد، أتذكر الصبي الذي كنته يحمل في حقيبته الصغيرة رغيفين، في أحدهما جبن قديم، وفي الآخر بيض مسلوق يزينه الملح والفلفل الأسود، وزجاجة مياه، وراديو صغيرًا يلتقط الإرسال بصعوبة وكتاب، ثم يعود إلى بيته مقتنعًا أنه قضى واحدًا من أجمل أيام عمره.
لم تكن هناك قوائم طويلة بعنوان: “ماذا نأخذ معنا؟”، ولا حقائب تزن أكثر من أصحابها ولا ملابس للإفطار، وأخرى للشاطئ، وثالثة للتصوير، ورابعة للعشاء.
كان البحر هو البرنامج كله، تذهب إليه بملابس بسيطة، ومنشفة معلقة على كتفك، وكيس فيه الشطائر التي أعدتها الأم، وكولمان معبأ بمياه الصنبور حين كانت تلك الأخيرة تصلح للشرب، وكرة قديمة فقدت لونها الأصلي من كثرة المباريات.
ولسبب يصعب تفسيره كان هذا كافيًا تمامًا.
لم يكن أحد يشعر أنه مطالب بأن يعيش “أفضل صيف في حياته”، أو أن يصنع محتوى يثبت للناس أنه سعيد. كان يكفي أن تعود إلى البيت وقد احترقت بشرتك قليلًا، وامتلأت أذناك بالرمل، وتشربت ملابسك برائحة البحر، لتشعر أنك أخذت نصيبك من السعادة.
اليوم صار الأمر أشبه بامتحان اجتماعي معقد. أي شاطئ اخترت؟ وأين أقمت؟ وأي مطعم تناولت فيه الغداء؟ وكم صورة نشرت؟ ثم تعود آخر اليوم منهكًا، لا من السباحة لكن من محاولة إقناع العالم، وربما إقناع نفسك، أنك استمتعت.
أحيانًا يخيل إليّ أن أجمل ما كان في شواطئنا القديمة أنها لم تكن تحاول أن تكون مبهرة. وربما كان محور جمالها كله يكمن في بساطتها.
ثم، شيئًا فشيئًا، اكتشفنا أن أطول طريق في الحياة، ليس الطريق إلى البحر. ربما هو الطريق إلى البساطة التي خرجنا منها.
حسنًا، ماذا لو راودتك الآن تلك النزوة القديمة، وقلت في نفسك:
“دعك من هذا كله، سأذهب إلى جمصة، أو رأس البر، أو بلطيم، كما كنت أفعل قديمًا. سأذهب حيث البساطة، ورؤية البحر.” للأسف يا صديقي لن يكون الأمر كما تتمنى.
ستصطدم بمشهد آخر، يختلف تمامًا عن البحر الذي كنت تعرفه، صفوف طويلة من الشماسي الملونة تمتد من أول الرمل إلى آخره. ستبحث بعينيك عن البحر نفسه فلا تجده.
ولو لم تكن من الطليعة المتحمسة التي تصل مع مطلع الشمس فلن ترى عبر الأفق إلا قبابًا من القماش، والكراسي البلاستيكية، وسماعات غريبة تصرخ بمهرجانات مؤذية للسمع، في حين يقف البحر بعيدًا في آخر الصورة، يلوح لك بخجل، كضيف دعي إلى حفله ثم لم يجد مكانًا يجلس فيه.
أذكر أن أجمل ما كان في البحر قديمًا أنك كنت تراه دفعة واحدة. بمجرد أن تترك الشارع وتهبط إلى الرمل، ينفتح أمامك ذلك الامتداد الأزرق الهائل، فيصيبك العشق القديم.
اليوم تحتاج أولًا إلى أن تناور بين عشرات الشماسي، وتعتذر لأصحاب الكراسي، وتتجاوز الحقائب والمبردات وألعاب الأطفال، حتى تحصل على فتحة صغيرة، بحجم نافذة تقريبًا، تطمئن منها أن البحر، ما زال هناك.
لا أدري، إن كان البحر قد ابتعد فعلًا أم أننا نحن الذين أصررنا، بإبداع نحسد عليه على أن نضع بيننا وبينه هذه الحواجز كلها.
ربما لم نبتعد عن البحر حين أقمنا الأسوار على الشاطئ، لقد ابتعدنا عنه يوم أقمنا أسوار التكلف داخل قلوبنا.
ظني أن ذلك المحب القديم للبحر، لو عاد اليوم، فلن يحتار بين جمصة ومراسي لاختلاف الطبقات والأزياء، سيحتار لأنه لن يتعرف إلى البحر نفسه.
في زمانه، كان البحر هو صاحب المكان، وكل ما عداه ضيوف. أما اليوم، فقد صار البحر ميزة إضافية ضمن قائمة طويلة من المزايا.
قديمًا، كان الموج هو أعلى الأصوات أما اليوم، فالموج ينتظر دوره بين النغمات الصاخبة، وإعلانات الأنشطة، والهواتف التي لا تكف عن مطالبة أصحابها بابتسامة جديدة.
أخشى أن البحر لم يعد يفصل بين اليابسة والماء، لقد صار يفصل بين زمنين. هو يقف في مكانه منذ آلاف السنين، يؤدي دوره بإخلاص. يرسل الموج نفسه، والنسيم نفسه، ويشهد بديع صنع الله شروقًا وغروبًا، ويكرر جماله اليومي بلا ملل.
البحر ما زال يرسل الموجة نفسها التي كان يرسلها إلى الطفل الذي حمل (الشبشب) البلاستيكي قبل ثلاثين عامًا.
الذي تغيّر ليس البحر، نحن الذين كلما تقدم بنا العمر، ازددنا براعة في وضع الأشياء بيننا وبينه، مرةً سورًا، ومرةً شاشة، ومرةً طبقةً اجتماعية، ومرةً صورةً نريد أن نلتقطها. حواجز ومسافات تفننا في رصها، حتى حسبنا أنه هو الذي ابتعد.
مقالات ذات صلة:
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.