علم نفس وأخلاق - مقالاتمقالات

كيف تغيّر المتغيرات المعدّلة طريقة فهمنا للسلوك؟

في البحوث النفسية والتربوية لم يعد كافيًا أن نقول إن “متغيرًا يؤثر في متغير آخر”. الواقع أبسط في الظاهر، لكنه أعقد في الحقيقة. فعلى سبيل المثال نجد أن الطالب لا يتعلم فقط لأن هناك طريقة تدريس جيدة، كما أن المريض النفسي لا تتحسن حالته فقط لأنه تلقى دعمًا علاجيًا. وبناء عليه فهناك دائمًا عوامل أخرى تغيّر قوة العلاقة أو اتجاهها أو حتى توقفها تمامًا. هنا يظهر دور المتغيرات المعدّلة.

على ذلك فالمتغير المعدّل ببساطة: عامل يغيّر قوة العلاقة بين متغيرين. كأنه “زر تحكم” يرفع أو يخفض تأثير متغير على آخر. لذلك أصبح البحث العلمي الحديث لا يكتفي بسؤال: هل توجد علاقة؟ بل يسأل: متى تقوى هذه العلاقة؟ ومتى تضعف؟ ولمن تظهر أكثر؟

على سبيل المثال، إذا درسنا العلاقة بين قلق الاختبار والتحصيل الدراسي، قد نجد أن القلق يقلل التحصيل على نحو واضح. لكن هذا التأثير لا يكون متساويًا عند الجميع. فعند الطلاب الذين لديهم مهارات عالية في تنظيم الوقت، قد يكون تأثير القلق ضعيفًا. أما عند الطلاب الذين يفتقرون لهذه المهارات، فيصبح التأثير قويًا جدًا. هنا يظهر دور “تنظيم الوقت” بوصفه متغيرًا معدّلًا.

مثال آخر في الصحة النفسية، نجد العلاقة بين الضغوط الحياتية والاكتئاب ليست واحدة عند الجميع. فقد نجد أن الأشخاص الذين يتمتعون بدعم اجتماعي مرتفع لا يتأثرون بالضغوط بالدرجة نفسها التي يتأثر بها الأشخاص الذين يفتقدون هذا الدعم. إذًا الدعم الاجتماعي هنا يعد متغيرًا معدّلًا يقلل من أثر الضغوط على الاكتئاب.

في بعض الدراسات قد لا يكون هناك متغير معدّل واحد فقط، بل عدة متغيرات تعمل معًا. مثل دراسة تأثير أساليب التعلم النشط على الدافعية الأكاديمية، مع وجود متغيرات معدّلة مثل: الذكاء، والدافعية الداخلية، ونوع الجنس. هنا يصبح السؤال أكثر دقة: هل تأثير أسلوب التعلم النشط أقوى لدى الطلاب ذوي الذكاء المرتفع والدافعية الداخلية العالية؟

اضغط على الاعلان لو أعجبك

وقد يتطور الأمر أكثر عندما يكون المتغير المعدّل مرتبطًا بمتغير وسيط. على سبيل المثال: قد ندرس أثر الضغوط الأكاديمية على الاحتراق النفسي عن طريق “القلق” بوصفه متغيرًا وسيطًا، لكن هذا المسار نفسه قد يتغير وفق مستوى المرونة النفسية. أي أن المرونة النفسية لا تؤثر مباشرة فقط، بل تغيّر قوة العلاقة غير المباشرة أيضًا.

وفي نماذج أكثر تعقيدًا، قد يكون المتغير المعدّل مشروطًا، أي أنه لا يعمل في الحالات كلها. فمثلًا قد يكون تأثير أسلوب التدريس على التحصيل أقوى فقط لدى الطلاب ذوي الدافعية المرتفعة، في حين لا يظهر هذا التأثير لدى ذوي الدافعية المنخفضة. هنا يصبح المتغير المعدّل “فعّالًا بشروط”.

حتى صياغة الفروض في هذا النوع من الدراسات تأخذ نحوًا مختلفًا وأكثر دقة. بدلًا من الفرض التقليدي، القائل “توجد علاقة دالة بين قلق الاختبار والتحصيل الدراسي”، فإنه يمكن صياغة فروض مثل:

  • “يختلف تأثير القلق على التحصيل باختلاف مستوى تنظيم الوقت لدى الطلاب”.
  • “يقل تأثير الضغوط الحياتية على الاكتئاب لدى الأفراد ذوي الدعم الاجتماعي المرتفع مقارنة بمن لديهم دعم منخفض”.
  • “يتوسط القلق العلاقة بين الضغوط الأكاديمية والاحتراق النفسي، ويتغير هذا التأثير الوسيط باختلاف مستوى المرونة النفسية”.
  • “يزداد تأثير أسلوب التعلم النشط على الدافعية الأكاديمية عند ارتفاع مستوى الذكاء والدافعية الداخلية”.

النتيجة النهائية أن المتغيرات المعدّلة جعلت البحث النفسي والتربوي أكثر قربًا من الواقع. فالسلوك الإنساني لا يعمل بنظام “سبب ونتيجة” فقط، بل بنظام “سبب يتغير وفق الشخص والظرف”. هذا التحول جعل النماذج الإحصائية الحديثة أداة لفهم البشر كما هم، لا كما نفترض أنهم يجب أن يكونوا.

مقالات ذات صلة:

التمييز بين المتغيرات في أبحاث التدخل

النظريات المفسرة للسلوك الإنساني

الصحة النفسية، تعريفها، أهدافها، أسبابها، وكيفية تعزيزها

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

ا.د. هشام الخولي

أستاذ القياس والتقويم النفس التربوي كلية التربية – جامعة السويس رئيس قسم علم النفس التربوي