مقالات

مرحلة الانحدار الإمبراطوري

تحليل أطروحة المؤرخ الأمريكي ألفريد ماكوي "الولايات المتحدة إمبراطورية آخذة في الانحدار"

قدم فريدريك (ألفريد) ماكّوي (Alfred W. McCoy) –مؤرخ أمريكي بارز ومتخصص في تاريخ الإمبراطوريات، خصوصًا الإمبراطورية الأمريكية– أطروحة متماسكة ومتكررة خلاصتها أن الولايات المتحدة دخلت مرحلة الانحدار الإمبراطوري، وليس محض تراجع سياسي عابر.

الجانب الأول: الفكرة الأساسية والحجج التي يستند إليها ماكوي

أولًا: الفكرة المركزية عند ألفريد ماكّوي

ماكّوي لا يقول إن أمريكا ستسقط فجأة، بل إننا نشهد انحدارًا بطيئًا بنيويًا متعدد المستويات، يشبه ما حدث لإمبراطوريات سابقة (بريطانيا، إسبانيا، هولندا).

الولايات المتحدة –في نظره– بلغت ذروة القوة بعد الحرب العالمية الثانية، ثم بدأت منذ السبعينيات مسار تآكل تدريجي، تسارع بعد: حرب فيتنام، نهاية الحرب الباردة، 11 سبتمبر، الحروب اللا نهائية في الشرق الأوسط، وأخيرًا الصعود الصيني.

ثانيًا: حجج ماكّوي الأساسية (تفصيلًا)

v  الإفراط الإمبراطوري (Imperial Overstretch)

يؤكد ماكّوي أن الولايات المتحدة تمتلك أكثر من 700 قاعدة عسكرية حول العالم، تخوض حروبًا أو تدخلات في عشرات الدول، تنفق على الجيش أكثر من مجموع إنفاق عدة قوى كبرى مجتمعة.

النتيجة: استنزاف اقتصادي، إنهاك سياسي، تآكل الشرعية الدولية. “الإمبراطوريات لا تسقط بسبب ضعفها، بل بسبب توسعها الزائد عن قدرتها على الاحتمال”.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

v  فشل القوة العسكرية في تحقيق أهداف سياسية

من أبرز نقاط ماكّوي: أمريكا تنتصر عسكريًا وتفشل سياسيًا؛ فيتنام، العراق، أفغانستان:

  • قوة نارية هائلة.
  • نتائج استراتيجية هزيلة أو كارثية.

هذا –في رأيه– علامة كلاسيكية على أفول الإمبراطوريات؛ عندما تتحول القوة العسكرية من أداة للهيمنة إلى عبء دائم.

v  تآكل الهيمنة الاقتصادية

ماكّوي يربط الانحدار بفقدان التفوق الصناعي، الاعتماد المفرط على الدولار والديون، انتقال مركز الثقل الاقتصادي إلى آسيا (الصين تحديدًا).

ويحذّر من أن الهيمنة النقدية الأمريكية ليست أبدية. التاريخ يُظهر أن العملة المهيمنة تسقط قبل الإمبراطورية نفسها.

v  الأزمة الداخلية: الانقسام وفقدان التماسك

يشدّد ماكّوي على أن الإمبراطوريات تنهار من الداخل قبل الخارج بسبب الاستقطاب السياسي الحاد، تراجع الثقة في المؤسسات، العنف الرمزي والسياسي المتصاعد.

كلها مؤشرات على: تفكك العقد الاجتماعي الذي يسمح بالإدارة الإمبراطورية

v  صعود الصين كنقطة التحول الحاسمة

يرى ماكّوي أن الصين لا تنافس أمريكا بنفس أدواتها:

  • التكنولوجيا.
  • البنية التحتية.
  • النفوذ الاقتصادي.
  • السيطرة على سلاسل التوريد.

ويقارن ذلك بتحدي ألمانيا لبريطانيا قبل الحرب العالمية الأولى.

ثالثًا: لماذا يؤكد ماكّوي أن الانحدار “إمبراطوري” لا “أمريكي” فقط؟

لأنه يميّز بين الدولة الأمريكية والنظام الإمبراطوري الأمريكي العالمي. قد تبقى أمريكا دولة قوية، لكن تفقد قدرتها على فرض النظام العالمي بشروطها، وهذا –في رأيه– جوهر السقوط الإمبراطوري.

الجانب الثاني: التحليل من منظور علم الاجتماع السياسي

من زاوية سوسيولوجية الشرعية الإمبراطورية تحتاج قبولًا دوليًا وسردية أخلاقية.

ومع الحروب الوقائية والعقوبات الجماعية وازدواجية المعايير تتآكل هذه الشرعية، ويصبح الحكم بالقوة العارية.

الجانب الثالث: من منظور علم الاجتماع العسكري

ماكّوي يرى أن الجيش الأمريكي تحوّل من أداة حسم إلى مؤسسة إدارة أزمات دائمة. مثل: ارتفاع معدلات الانتحار والإرهاق القتالي وفقدان الهدف. وهي سمات جيوش الإمبراطوريات في طور الأفول.

الخلاصة

وفق ألفريد ماكّوي الولايات المتحدة لا تنهار غدًا، لكنها تفقد تدريجيًا قدرتها على الهيمنة الشاملة. التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه يعيد الأنماط، وأمريكا في رأيه دخلت مرحلة “ما بعد الذروة الإمبراطورية”.

مقالات ذات صلة

حين تتراجع الإمبراطورية

الغرب يهزم نفسه

انهيار الاتحاد السوفييتي

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. أحمد إبراهيم خضر

أستاذ بكلية التربية – جامعة الأزهر دكتوراه علم الإجتماع العسكري