الكذب.. أبو الخطايا كلها!

يقولون إن للكذب سبعة أنواع تختلف في مظهرها، وتتفق في أنها في النهاية كذب، وأن من يقولها كذاب ومخادع ومنحرف ويُظهر غير ما يبطن، ويريد للأمور كلها من حوله أن تكون غارقة في الضلال والتيه والاضطراب.
أما عن أشكال الكذب التي يظهر بها من “الكاذبين” فهي متنوعة إلى الحد الذي يجعل من يتحرى “الصدق” يفكر ألف مرة ومرة قبل أن يتكلم، أو ينقل خبرًا أو حدثًا.
كتمان الحق وإخفاؤه كذب، ترديد كلام غير مؤكد وإشاعته بين الناس كذب، إظهار نصف الحقيقة فقط كذب، التغطية والتمويه وإثارة الغبار على الحقيقة كذب، التهويل والمبالغة في أي موضوع كذب، تحريف المعنى عن المقصود الواضح للكلام كذب، الإيهام والإيحاء والادعاء كذب.
المسألة مرعبة وخطيرة وجديرة بالانتباه إليها، سواء فيما نقول أو فيما نسمع.
هو بالفعل نافذة الشر على حياة البشر، ألف خطيئة وخطيئة تقفز من هذه النافذة الملعونة، التي هي العامل المشترك في الخطايا كلها.
كل خطيئة لها طبيعتها الخاصة بها، سرقة كانت أو غشًا أو قتلًا أو انحرافًا سلوكيًا، لكن الجامع بينهم جميعا هو “الكذب”.
الإسلام العظيم، قرآنًا وسنة، قطع باستحالة اجتماع “الإيمان والكذب” في قلب واحد، الآية الكريمة تقول لنا: “إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ”، وسنعرف من السنة المطهرة أن الكذب الطريق السريع للفجور وما يتفرع عنه من مصائب وبلايا.
الله سبحانه وتعالى سيسأل “الصادقين” عن صدقهم! فكيف سيكون حال الكذابين؟!
وفي آخر سورة المائدة سنسمع لقوله سبحانه: “قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ”! لم يقل عملهم أو علمهم، أو مثل ذلك من مساعي الخير لدى الناس، فقط “الصدق”! والصادق الصدوق بطبيعة الحال سيكون من أهل الأنوار والخيرات.
وقيل للرسول صلى الله عليه وسلم: “أيكون المؤمن جبانًا؟” قال: “نعم” فقيل له: “أيكون بخيلًا؟” فقال: “نعم” فقيل له: “أيكون المؤمن كذابًا؟” فقال: “لا”.
ومشهور الحديث الشريف: “… وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب، حتى يكتب عند الله كذابًا”.
وسنعرف أن من أكثر الصفات التي تمنح الإنسان “ثقة النفس” هي “القول الصريح”، الذي لا يحتمل معنى آخر غير المعنى المراد.
أذكر زميلًا كريمًا سأله المدرس في الفصل عن عمل والده، فقال: “خادم مسجد”، وانتبه المدرس لقدر الصدق عنده، وقال لنا كان يكفيه أن يقول موظف في الأوقاف، لكنه آثر “القول الصريح”.
د/كلودين بيلان أستاذة علم النفس الفرنسية وصاحبة كتاب “نفسية الكذاب” تقول لنا إن الكذب له تأثير سلبي للغاية على الصحة العامة، ذلك أن الشعور بالذنب من جراء الكذب أو الخوف من “الفضيحة” يؤدي إلى الإصابة بضغط عصبي مزمن، وما يترتب عليه من آثار سلبية على الصحة العامة، مثل اضطرابات النوم وسرعة الانفعال والقلق والصداع وارتفاع الضغط، وغيرها من الآثار السيئة الناجمة عن هذا الشعور.
هذا على المستوى الفردي والشخصي في العلاقات بين الناس. لكن على مستوى الرأي العام، وتكوين الأفكار، وتشكيل الأذهان، ستجد نفسك أمام كارثة مكروثة كرثًا كريثًا.
سيتحول البشر بعدها إلى حشد من الأرقام والإحصائيات والتعداد، وسنتذكر قوله سبحانه: “مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا”. “قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا”! المجاز هنا سيأخذ اللغة إلى مساحات شاسعة من اتساع المعنى.
فتحويل الناس إلى محض “أشباح بشرية” بلا اسم ولا رسم، كما تقول د/بيلان ما هو إلا “عملية قتل جماعي”.
والمقولة المشهورة لعالم الاجتماع الفرنسي الراحل بيير بورديو “اغتصاب الحشود”، التي يقصد بها التلاعب بالجماهير والحشود لتمرير رسائل معينة، لصناعة الرأي العام المطلوب، التي تعبر بوضوح “خشن” عن استغلال براءة الجماهير لتحقيق شرعية تقوم على التزييف والتضليل والكذب.
الإعلام الكاذب عادة ما يخضع لمصالح واسعة ببرامج محددة، تعمل على توجيه الرأي العام لصياغة صورة ذهنية محددة.
النفوذ والتأثير الكبيرين لوسائل الإعلام أصبح أكبر مساحة يمارس فيها “الكذب” على نحو فادح، سنجد ذلك واضحًا في برامج التسويق والدعاية والإعلان، لكن الأخطر في الانتخابات.
وسائل الإعلام خضعت في القرن الماضي لتطور رهيب، وضرره أكثر من نفعه كثيرًا، كما خضعت لظروف سياسية كثيرة.
يقول لنا جون ستوسل الإعلامي الأمريكي المعروف صاحب كتاب “خرافات وأكاذيب وغباء محض”، الذي يوضح فيه كيف تقدمت الحيل والألاعيب في توسيع دوائر الكذب، إلى حد أنه يذكر أن التطور التكنولوجي في مجال الاتصالات والتواصل والدعاية والإعلان والبروباجندا ساهم بدرجة كبيرة في انتشار الكذب!
ستبقى “جريمة الكذب” من أسفل الجرائم على المستوى الفردي والشخصي، ويكفي الكذاب أنه لا مروءة له، كما قال العرب، جبان لا يقدر على قول الحقيقة.
لكن الأسفل والأسفل، أن تكون في العمل العام والسياسة، حيث الشعوب الطيبة والجماهير البريئة. وصدق الرسول الكريم في قوله: “كبرت خيانة أن تحدّث أخاك حديثًا، هو لك به مصدق، وأنت له به كاذب”.
مقالات ذات صلة:
إن أردت كذبًا، فالساحة مملوءة يا صديقي
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.